خصخصة أم تفريط؟.. جدل واسع حول مساعي الاستحواذ الإماراتية على الإسكندرية للحاويات

- ‎فيتقارير

يحمل إصرار الامارات الشديد على شراء معظم الشركات المصرية المعروضة للبيع دوافع خفية أبعد من كونها فرصا استثمارية مربحة وحسب، وفي ظل ارتباطاتها السياسية والأيدلوجية مع دولة الاحتلال "الموقعة معها الاتفاقات الابراهيمية".

بسبب سياسيات الفاشلة حكومة الانقلاب التي تبيع مقدرات الشعب المصري  لتوريطها  الشعب المصري في دوامة من الديون التي يصعب الخروج منها، ومن ناحية اخري الشركات التي تعرضها حكومة الانقلاب للبيع  كنوز نادرة مثل محطة جبل الزيت لتوليد الكهرباء من الرياح التي تنتج طاقة نظيفة باستمرارية وبدون توقف، حيث أصرت الامارات علي الاستحواذ عليها بعد رفض عرضها للشراء في بداية الامر واستحوذت عليها مؤخرا بأقل من قيمتها السوقية.

وما زالت الامارات تصر علي الاستحواذ علي شركة الإسكندرية للحاويات الفريدة من نوعها والمتميزة في موقعها وتحكمها في موقع لوجيستي غاية في الخطورة بعد رفض عرضها السابق قبل سبعة أشهر. وأثار إصرار دولة الامارات على الاستحواذ علي أكبر قدر من الشركات المصرية جدلا واسعا بين المحللين الاقتصاديين والسياسيين والمراقبين. فبعد رفض عرض "موانئ أبو ظبي"، في ديسمبر الماضي، للاستحواذ على شركة "الإسكندرية لتداول الحاويات"، جددت المجموعة الإماراتية التي تسيطر على قطاع واسع من الموانئ المصرية طلبها مع وزيادة نسبة عرضها ورفع قيمة المقابل المالي، ما يثير التساؤل حول دلالات الإصرار الإماراتي على إنفاذ الصفقة.
 

وإثر الإعلان عن استحواذ شركة "ألكازار إنرجي" الإماراتية الأربعاء الماضي، على محطة "رياح جبل الزيت"، في صفقة بقيمة 420 مليون دولار لمدة 25 عاما.  تقدمت الخميس، شركة "بلاك كاسبيان لوجيستيكس هولدنج ليمتد" بعرض شراء إجباري لرفع حصتها بشركة" الإسكندرية لتداول الحاويات" حتى 90 بالمئة، من 19.33 بالمئة حجم حصتها الحالية. والشركة المملوكة لمجموعة "موانئ أبوظبي"، عرضت على "الهيئة العامة للرقابة المالية" "حكومية" سعرا للسهم بنحو 27.47 جنيه، وذلك ارتفاعا عن عرضها السابق نهاية العام الماضي الذي حددته حينها بـ 22.99 جنيه للسهم بزيادة 4.48 جنيه فقط وبنسبة 19.5 بالمئة.

لكن العرض الإماراتي للاستحواذ على الشركة الأعرق بقطاع النقل البحري التي تأسست عام 1984، وتدير محطتين في ميناءي الإسكندرية والدخيلة وتواصل تحقيق أرباح قوية؛ يعد أقل بنحو 3.1 بالمئة عن سعر إغلاق سهم "الإسكندرية للحاويات" البالغ 28.36 جنيه بجلسة الخميس الماضي.
 

حصص ملكية معقدة

وفي يناير الماضي، وردا على عرض الشركة الإماراتية السابق رفضت "الشركة القابضة للنقل البحري والبري"، التابعة لوزارة النقل المصرية، بيع حصتها البالغة 35.4 بالمئة، وأعلنت تمسكها بكامل أسهمها في "الإسكندرية للحاويات". وبإضافة حصة "القابضة للنقل" إلى حصة "هيئة ميناء الإسكندرية" البالغة 7.6 بالمئة، تبلغ حصة الحكومة المصرية من أسهم "الإسكندرية الحاويات" نحو 43 بالمئة، ما يجعل الحكومة المصرية ركنا أساسيا في تمرير الصفقة أو رفضها.

على الجانب الآخر، تبلغ حصة شركة "ألفا أوريكس ليمتد" المملوكة للمجموعة "القابضة" (ADQ) الإماراتية حوالي 32 بالمئة، تملكتها منذ أبريل 2022، مقابل 186 مليون دولار. وآلت حصة 19.32 بالمئة إلى "بلاك كاسبيان لوجيستكس هولدينغ ليمتد" الإماراتية، منذ نوفمبر الماضي، حيث اشترت مجموعة "موانئ أبوظبي"، حصة "الشركة السعودية المصرية للاستثمار"، التابعة لـ"صندوق الاستثمارات العامة السعودي"، مقابل 13.24 مليار جنيه، في صفقة أثارت جدلا واسعا.
 

وفي حين تمتلك الإمارات ممثلة في "موانئ أبوظبي"، والقابضة (ADQ) حصة حاكمة تصل 51.32 بالمئة، فإن عرض "بلاك كاسبيان" المتوقع إتمامه حال موافقة الجهات التنفيذية المصرية في النصف الثاني من العام الحالي، يشمل الاستحواذ على حصة شقيقتها الإماراتية "ألفا أوريكس" البالغة 32 بالمئة في "الإسكندرية لتداول الحاويات".
 

ملف حساس

"الإسكندرية للحاويات"، التي تعمل بالسوق المصري منذ نحو 42 عاما يُعد ملفها أحد أكثر الملفات حساسية في برنامج الخصخصة المصري، ويمس الأمن القومي المصري، نظرا لموقعها الاستراتيجي وإدارتها بطاقة استيعابية سنوية تبلغ 1.5 مليون حاوية مكافئة، ميناءي الإسكندرية والدخيلة، اللذين يمر عبرهما نحو 60 بالمئة من تجارة مصر الخارجية "36.4 بالمئة واردات، و23.8 بالمئة صادرات" لعام 2024 وفقا لجهاز التعبئة والإحصاء.

وخلال حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية على قطاع غزة" 2023-2025"، وأثناء الحرب "الأمريكية-الإسرائيلية" على إيران تداولت أنباء عن استقبال موانئ مصرية لسفن محملة بأسلحة ومعدات عسكرية إلى كيان الاحتلال، ما يثير مخاوف مصريين ومعارضين من سيطرة إماراتية على أهم موانئ مصر وشركاتها البحرية وأعمال الشحن والخدمات البحرية واللوجستية، خاصة مع تعاظم درجات التطبيع بين أبوظبي وتل أبيب منذ 15 سبتمبر 2020.

وبينما تسيطر "موانئ دبي" و"موانئ أبوظبي"، على موانئ مصرية منها: العين السخنة "بالمدخل الجنوبي لقناة السويس"، وسفاجا، والغردقة، وشرق بورسعيد، والإسكندرية، والدخيلة، وعلى تلك الحصص في الإسكندرية للحاويات، يؤكد مراقبون مصريون أنها بهدف السيطرة ودمج الموانئ المصرية ضمن شبكتها لضمان عدم منافسة ميناء "جبل علي".

وخلال العرض السابق نهاية العام الماضي، من "موانئ أبوظبي"، للاستحواذ على "الاسكندرية للحاويات"، قال الرئيس التنفيذي للمجموعة الإماراتية محمد جمعة الشامسي، إن الاستحواذ سيُسهم في "توسيع نطاق عمليات الشركة في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية"، مضيفا أن "الاستثمار سيُسهل حركة التجارة ويوسع استثمارات الشركة في مصر التي تُعتبر من أسرع الأسواق الدولية نموا للشركة".

وفي الوقت الذي أكد بيان "هيئة الرقابة المالية"، أن العرض قيد الدراسة، دون إشارة لاحتمالات قبول أو رفض الحكومة العرض كما المرة السابقة، قالت نشرة "إنتربرايز" الاقتصادية إن "الحكومة تتمسك بحصتها (43 بالمئة)، إذ تفضل الانتظار ريثما ترتفع قيمة الشركة، البوابة الرئيسية على البحر المتوسط، بدلا من التخارج بالتقييمات الحالية". والسؤال: رغم رفض عرض "موانئ أبوظبي"، السابق قبل 7 شهور، للاستحواذ على "الإسكندرية للحاويات"، ما سر الإصرار الإماراتي على السيطرة على الشركة المصرية الأعرق في مجال النقل البحري؟.
 

للسيطرة وارتهان القرار

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى يوسف، أن "إصرار الإمارات هو استكمال لمسلسل محاولات السيطرة على الشركات العاملة بقطاع الموانئ والنقل البحري، حيث تحاول "موانئ دبي" عمل جبهة موازية لمبادرة (الحزام والطريق) الصينية، بالسيطرة على الموانئ بتعاون إسرائيلي وتبعية كاملة للأمريكان".

ولفت الباحث في الاقتصاد السياسي والتنمية والعلاقات الدولية، إلى "بعد ثاني هو بعد السيطرة على مصر كأكبر دولة عربية سكانا، وسوق كبير، والتحكم في مفاصل القرار المصري لأجل التبعية التامة والارتهان للقرار الإسرائيلي"، وأوضح أنه "في ظل الأزمات المالية تمكنت أبوظبي من حكومة الانقلاب التي تعتبر الإمارات الداعم والكفيل، كما عبر رجل الأعمال نجيب ساويرس قبل أيام بقوله إن "محمد بن زايد الأب الروحي لمصر" في تعليق غير مقبول وغير مبرر وغير محترم ولكنه كاشف عن رؤية "نظام 3 يوليو" والمتنفذين في مصر الآن، لأبوظبي".

ويرى أن "الأخطر يمس الأمن القومي، بوضع شركة بحجم "الإسكندرية للحاويات" بما تمثله تحت سيطرة جهات لها ارتباطات بالكيان المحتل"، مؤكدا أن "إسرائيل والإمارات وجهان لعملة واحدة وجه عبري والآخر عربي والأخطر في الوجه العربي أنه ينفذ بدقة، كما قال المفكر المصري الدكتور عبدالوهاب المسيري: اسمه محمد ويصلي العشاء بجوارك في الصف الأول".

واكد الخبير الاقتصادي أنه "وفق بعد استراتيجي فالسيطرة على قطاع حيوي وحساس مثل هذا يؤدي إلى اختراق رهيب للأمن القومي، ووضع الصناعات الحيوية تحت سيطرة اللوبي الإسرائيلي منتهي الخطورة"، مضيفا: "ومن جهة اقتصادية بحتة فالشركة رابحة والاستحواذ مربح للإمارات".

وفي نهاية حديثه أشار إلى ضعف العرض المقدم "نحو 27 جنيها بنحو نصف دولار "، ورفع السعر عن العرض السابق من 22 جنيه بنحو 4 جنيها فقط نحو 8 سنتات، مشيرا إلى أنه "كان يمكن في عهد حسني مبارك إقامة دعوى قضائية وتنظيم فاعليات رافضة وضغوط إعلامية؛ لكن الآن لا شيء من هذا في ظل دائرة ضيقة ترتع في الفساد".

ليست مجرد شركة

وفي قراءته قال السياسي البرلماني السابق الدكتور محمد عماد الدين، إن "الإصرار الإماراتي يمكن فهمه عبر عدة مستويات متداخلة: اقتصادية، ولوجستية، وجيوسياسية، واستراتيجية، مضيفا أولا: هي ليست مجرد شركة حاويات؛ وكثيرون ينظرون للصفقة باعتبارها شراء شركة تحقق أرباحاً جيدة، لكن القيمة الحقيقية ليست بأرباحها فقط، لأنها تدير جزءًا من أهم بوابة بحرية لمصر، فيمر عبر ميناءي الإسكندرية والدخيلة أكثر من نصف تجارة مصر الخارجية، موضحا أن "من يسيطر على إدارة الحاويات لا يسيطر فقط على رافعات ومخازن، بل يمتلك: بيانات حركة التجارة، وشبكات الشحن العالمية، وخطوط الإمداد، والعقود طويلة الأجل مع الشركات الدولية، والتأثير على كفاءة وسرعة حركة الواردات والصادرات، لذلك فالقيمة الاستراتيجية للشركة أكبر بكثير من قيمتها المالية المباشرة".

وألمح السياسي المعارض للانقلاب إلى "موقع الإسكندرية الفريد جغرافياً"، مؤكدا أن "ميناء الإسكندرية ليس ميناءً عادياً، فيقع بمدخل شرق المتوسط، وقرب قناة السويس، وخطوط التجارة بين أوروبا وآسيا، وطرق الطاقة القادمة من الخليج؛ لذلك فالسيطرة على محطة حاويات رئيسية فيه تمنح المستثمر قدرة أكبر على الربط بين أصوله البحرية المختلفة".

استراتيجية الإمارات

ولفت عماد الدين، إلى أن "الإمارات تبني إمبراطورية موانئ عالمية، ولفهم الإصرار الإماراتي يجب النظر إلى المشروع الأكبر؛ فهي ليست شركة محلية عادية، بل جزء من استراتيجية إماراتية ممتدة منذ أكثر من عقدين لتحويل الإمارات لمركز رئيسي للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد". و"خلال السنوات الماضية توسعت الإمارات في: البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، وشرق أفريقيا، والبحر المتوسط، وآسيا الوسطى؛ بهدف بناء شبكة مترابطة من الموانئ والمحطات البحرية والمناطق اللوجستية، ومن هذه الزاوية تصبح الإسكندرية حلقة شديدة الأهمية في الشبكة البحرية الإماراتية".

وتحدث البرلماني السابق حول "انتقال الصراع العالمي إلى الموانئ"، مبينا أن "العالم يشهد منافسة ضخمة على الموانئ والممرات البحرية، والصين بنت مشروع "الحزام والطريق"، وتسعى شركات أوروبية وأمريكية وخليجية للسيطرة على العقد اللوجستية حول العالم؛ وفي هذا السياق لا تُنظر إلى الموانئ باعتبارها أصولاً تجارية فقط، بل باعتبارها أدوات نفوذ استراتيجي".

 

لهذا تجدد العرض

وفي تفسيره لزيادة الإمارات العرض بعد الرفض، أشار السياسي المعارض إلى  3 تفسيرات محتملة هي: "الثقة في القيمة المستقبلية لشركة تحقق أرباحاً مرتفعة وتمتلك أصولاً استراتيجية يصعب تكرارها"، و"الرغبة في السيطرة الإدارية الكاملة بامتلاك حصة مؤثرة يختلف عن امتلاك القدرة على توجيه القرار الإداري والاستثماري"، و"أهمية الأصل داخل الشبكة الإماراتية الأوسع، فبعض الأصول تكون قيمتها داخل المنظومة أكبر من قيمتها منفردة".

وقال عن رؤيته للأبعاد السياسية والأمنية، في الأمر، إن "الموانئ ذات أهمية أمنية واستراتيجية لأي دولة، ومعظم دول العالم تتعامل بحذر شديد مع بيع أصول النقل البحري الحيوية"، ملمحا إلى أن "الربط بين الصفقة وملفات حرب غزة ونقل الأسلحة أو غير ذلك، بالطبع أحد الاسباب الرئيسة؛ لكن الأهم هو الدور الوظيفي التي تقوم به الإمارات لخدمة المشروع الصهيوني وإقامة إسرائيل الكبرى وهذا واضح في أدوارها بالبحر الأحمر والسودان وإثيوبيا وليبيا"، مبينا أنه من "الطبيعي أن تثير أي عملية نقل ملكية لأصول استراتيجية أسئلة تتعلق بالأمن القومي والسيادة الوطنية والاقتصادية".

وخلص للقول: "لهذا فإن الجدل الحقيقي ليس: هل السعر مناسب أم لا؟ بل: ما الحدود التي ينبغي أن تقف عندها الخصخصة عندما يتعلق الأمر بأصول تمس الأمن القومي والاقتصادي والسيادة اللوجستية للدولة؟ وهل تُقاس هذه الأصول بمعايير الربح والخسارة فقط، أم بمعايير الأمن القومي والمصلحة الاستراتيجية طويلة المدى؟"