حذَّر خبراء اقتصاد من أن توسع حكومة الانقلاب في فرض ضرائب جديدة على بعض السلع والخدمات، ومن بينها الغاز الطبيعي وتأجير الوحدات الإدارية، قد ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة ممارسة الأعمال والأنشطة الاقتصادية، وهو ما قد يدفع الشركات وأصحاب المشروعات إلى تحميل جزء من هذه التكاليف الإضافية على المستهلك النهائي من خلال رفع أسعار السلع والخدمات.
وقال الخبراء، إن أي زيادة في تكاليف التشغيل مثل فرض ضرائب على شركات الغاز أو الإيجارات عادة ما تنتقل تدريجيًا إلى حلقات الإنتاج والتوزيع المختلفة، الأمر الذي يُسهم في زيادة الضغوط التضخمية داخل السوق .
وشددوا على أن المواطن سيكون الطرف الأكثر تأثرًا بهذه الزيادات، باعتباره المتلقي النهائي للسلع والخدمات، في حين يسعى المستثمر أو مقدم الخدمة إلى الحفاظ على هوامشه الربحية عبر تمرير الأعباء الضريبية إلى الأسعار النهائية كلما سمحت ظروف السوق بذلك.
تعديلات القيمة المضافة
كانت حكومة الانقلاب قد أحالت تعديلات جديدة لقانون ضريبة القيمة المضافة إلى مجلس نواب السيسي وتضمنت التعديلات المقترحة استبعاد الغاز الطبيعي من قائمة السلع والخدمات المعفاة من ضريبة القيمة المضافة، ليخضع لأول مرة لضريبة جدول بقيمة 20 جنيهًا لكل ألف قدم مكعب، بما يعادل نحو 14% من قيمة الاستهلاك.
شملت التعديلات إخضاع تأجير المباني والوحدات غير السكنية، وعلى رأسها الوحدات الإدارية ومقار الشركات والمكاتب، لضريبة القيمة المضافة بالسعر العام البالغ 14%، وذلك للمرة الأولى منذ تطبيق قانون الضريبة على القيمة المضافة رقم 67 لسنة 2016.
ومن المنتظر أن يحسم مجلس نواب السيسي موقفه النهائي من مشروع القانون خلال الفترة المقبلة ، وسط ترقب من مجتمع الأعمال والقطاعات الاقتصادية المختلفة لمعرفة الأثر المتوقع لهذه التعديلات على تكاليف التشغيل والاستثمار في السوق.
أزمة الركود
من جانبه قال خبير العقارات المهندس عبد المجيد جادو، إن السوق العقاري يمر -حاليًا- بحالة من الركود، محذرًا من أن فرض ضرائب جديدة على الوحدات الإدارية من شأنه زيادة تكلفة المنتج العقاري، بما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الحالية.
وأضاف «جادو» -في تصريحات صحفية- أن الأولوية لتنشيط بيئة الاستثمار بما يحقق أرباحًا للمستثمرين ويعزز إيرادات دولة العسكر في الوقت نفسه، فضلًا عن دعم معدلات النمو الاقتصادي، مشيرًا إلى أن القطاع العقاري يعد من أبرز القطاعات القائدة لعملية التنمية الاقتصادية في مصر.
وأوضح أن أي ضريبة جديدة يجب خضوعها لدراسة دقيقة لقياس آثارها الإيجابية والسلبية، لافتًا إلى أنه في الوقت الذي قد تسهم فيه هذه الضرائب في زيادة الإيرادات الضريبية لدولة العسكر، فإنها قد تؤدي في المقابل إلى ارتفاع معدلات التضخم.
وأكد «جادو» أنه لا يمانع فى فرض ضرائب جديدة من حيث المبدأ، لكن بشرط أن تكون بنسب معقولة تستند إلى حسابات واضحة للإيرادات المتوقعة مقارنة بالخسائر أو التداعيات المحتملة، مطالبًا بتخفيض النسبة المقترحة.
موجات تضخمية
وأشار إلى أن ارتفاع نسبة الضريبة قد يدفع بعض المتعاملين إلى اللجوء لعقود صورية أو وهمية للتهرب من سداد الـ14%، وهو ما قد يحرم دولة العسكر من تحقيق المستهدف الضريبي، ويقلل من فعالية تطبيق هذه التعديلات .
وشدد «جادو» على أن الأمر يحتاج إلى دراسة موسعة ومناقشات بين حكومة الانقلاب وبرلمان السيسي والمستثمرين العقاريين للوصول إلى صيغة تحقق التوازن بين مختلف الأطراف وتخدم الصالح العام، خاصة أن القرار ستكون له انعكاسات مباشرة على أسعار السلع والخدمات، متوفعا حدوث زيادات سعرية في ظل سعي المستثمر للحفاظ على هامش الربح وعدم تحمل الخسائر، ما يعني انتقال التكلفة النهائية إلى المستهلك.
وطالب حكومة الانقلاب بالتركيز على تنشيط حركة التسويق والاستثمار العقاري وزيادة الإنتاجية بدلًا من فرض ضرائب مرتفعة قد تؤثر سلبًا على النشاط الاقتصادي وتدفع نحو موجات تضخمية جديدة، مؤكدًا أن دعم النشاط الاقتصادي يسهم في توفير فرص العمل، في حين أن استمرار الركود قد يهدد بعض الشركات بالإغلاق ويؤدي إلى تسريح العمالة.
تكاليف التشغيل
قال المثمن العقاري الدكتور رضا لاشين، إن فرض ضرائب على تأجير الوحدات الإدارية سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، فضلًا عن إثارة خلافات بين الملاك والمستأجرين حول الطرف الذي سيتحمل عبء هذه الضريبة، مشيرًا إلى أن المستأجر سيكون في النهاية الطرف الذي سيتحمل التكلفة.
وحذر «لاشين» في تصريحات صحفية من أن هذه الأعباء ستنعكس على الشركات والمحال التجارية، لا سيما الشركات الناشئة وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، من خلال زيادة المصروفات التشغيلية، الأمر الذي قد يؤثر على قدرتها على الاستمرار والتوسع.
وأوضح أن الضريبة الجديدة قد تتسبب أيضًا في بدء نزاعات بين الملاك والمستأجرين بشأن مّن سيتحمل النسبة، وهو ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى تعطيل أو وقف بعض الأنشطة، لتنعكس هذه التطورات في النهاية على تكلفة المنتجات والخدمات من خلال زيادات سعرية جديدة، بما يفتح الباب أمام موجات تضخمية إضافية وأعباء إدارية متزايدة.
وأشار «لاشين» إلى أن الضريبة ستتسب في ارتباك داخل الأسواق مما يجبر عددا من الشركات خلال الفترة المقبلة إلى تعديل فواتيرها الضريبية وهيكل تسعير خدماتها ومنتجاتها بما يتوافق مع الأعباء الضريبية الجديدة.
وفيما يتعلق باستبعاد الغاز الطبيعي من قائمة السلع والخدمات المعفاة من ضريبة القيمة المضافة، أكد أن فرض ضريبة على شركات الغاز سيؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والتشغيل، وهو ما سينعكس بدوره على أسعار السلع والخدمات.
قيمة الفواتير
وأوضح «لاشين» أن قطاعات عديدة تعتمد بشكل أساسي على الغاز الطبيعي، من بينها المطاعم والمصانع والشركات الخدمية والصناعية، وبالتالي فإن أي زيادة في تكلفة الغاز سترفع من قيمة فواتير التشغيل لهذه الأنشطة، بما يدعم احتمالات حدوث موجة تضخمية جديدة.
وطالب حكومة الانقلاب بأن تدرس بعناية مدى ارتباط أي ضرائب جديدة بالاحتياجات اليومية للمواطنين أو بعمليات التشغيل والإنتاج، خاصة في ظل توجه دولة العسكر نحو تحريك أسعار بعض الخدمات الأساسية مثل المحروقات والكهرباء.