عسكرة الدولة هدف من اهداف الانقلاب العسكري لكي يبسط السيطرة بسهولة على مفاصلها، وأوجد المنقلب عبد الفتاح السيسي دورا محوريا للأكاديمية العسكرية في التعيينات الجديدة بالجهاز الإداري للدولة، بحيث أصبح على أي متقدم للعمل سواء من الرجال او النساء ان يجتاز دورة تدريبية مدتها ستة أشهر شملت هذه الدورات القضاة والمعلمين ومؤخرا الدعاة وائمة المساجد.
ويسعي العسكر من خلال هذه الدوارات الي صبغ المجتمع بلون واحد هو اللون الكاكي "لون ملابس العسكر"، من خلال التلقين والمحاضرات المكثفة والحاضنة العسكرية ويعمل على ان يكون العاملون أكثر ولاء للمؤسسة العسكرية، وأكثر تناغما مع النظام العسكري القائم حاليا. ونشرت صفحت "متصدقش" والموقف المصري تقريرين مفصلين عن تخرج الدفعة الثالثة من أئمة المساجد من الاكاديمية العسكرية.
في الرابعة صباحًا، يستيقظ أحمد* لأداء صلاة الفجر، ثم يحلق لحيته ويرتدي زيًا عسكريًا "أفرول وتيشيرت"، ليتوجه إلى فناء الأكاديمية العسكرية حيث ينضم إلى زملائه في الطابور الصباحي. بعدها، يمارس التمارين الرياضية اليومية تحت إشراف ضباط وجنود بالقوات المسلحة.
هذا الروتين الصارم لم يكن لجندي في الجيش المصري، بل كان جزءًا من طقوس تدريب استمرت 6 أشهر لـ 550 إمامًا بوزارة الأوقاف، تخرجوا ضمن الدفعة الثانية لتأهيل الأئمة، في 22 أبريل 2025، وفق ما روى 3 منهم لـ #متصدقش. وخلال حفل التخرج، قال عبد الفتاح السيسي، الذي حرص على الحضور، إن هؤلاء الأئمة يتخرجون بناء على توجيهه لوزارة الأوقاف بالتعاون مع الأكاديمية العسكرية لوضع برنامج تدريبي متكامل لتأهيل أئمة #الأوقاف علميًا وثقافيًا وسلوكيًا، لتعزيز مهاراتهم الدعوية وتواصلهم مع المجتمع.
وشهد السيسي السبت 20 يونيو، تخريج الدفعة الثالثة من أئمة وزارة الأوقاف، الذين تلقوا الدورة التأهيلية بالأكاديمية العسكرية، قبل تعيينهم في الوزارة. وفي التقرير التالي، يكشف فريق "#متصدقش" تفاصيل الحياة اليومية لدورة تأهيل أئمة وزارة الأوقاف في الأكاديمية العسكرية: نُشر هذا التقرير لأول مرة بتاريخ 24 أبريل 2025.
اختبارات وتلقين
حتى يلتحق الشيخ ناصر بدورة تأهيل الأئمة، كان عليه اجتياز مجموعة من الاختبارات داخل الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، ومستشفى القوات المسلحة بكوبري القبة، وكلية الضباط الاحتياط في الإسماعيلية. أولى هذه الاختبارات، كان اختبارًا إلكترونيًا داخل جهاز التنظيم والإدارة، يتضمن مجموعة من الأسئلة الاختيارية، لكل منها سقف زمني، تنوعت الأسئلة بين شرعية وسلوكية لقياس التركيز والتفكير، وأخرى تتعلق بالحاسب الآلي، واللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى أسئلة مصممة لتقييم قدرات الذكاء لدى الإمام.
بعد اجتياز هذا الأسئلة، يتأهل الإمام لخوض الكشف الطبي في مستشفى كوبري القبة العسكري، الذي يشمل فحوصات مثل رسم القلب، تحليل الدم والبول، وقياس الطول والوزن. وأهم متطلبات الكشف الطبي التأكد من الوزن المثالي "لأنه يشترط عليك ألا يزيد الوزن 10 كيلو جرامات فوق الوزن المثالي الخاص بك"، بحسب الشيخ ناصر، على سبيل المثال، إذا كان الطول 180 سم يجب ألا يزيد وزنك على 90 كيلو، لو تجاوز الوزن 100 كجم سيعيق ذلك اجتياز الاختبارات اللاحقة.
ويوضح ناصر بعد اجتياز الكشف الطبي، يتأهل الإمام إلى مرحلة الاختبارات البدنية في كلية الضباط الاحتياط بالإسماعيلية.
كان الشيخ إبراهيم* ضمن مجموعة أجرت هذه الاختبارات. "طلبوا مني أجري مسافة كيلو ونصف، ثم عمل تمارين ضغط وبطن، قرفصاء، وجري زقزاق"، ويقيم الضباط والجنود نتائج هذه الاختبارات في دفتر يومي.
والمرحلة النهائية من الاختبارات هي كشف الهيئة في الأكاديمية العسكرية، بحضور ضباط من القوات المسلحة وقيادات من وزارة الأوقاف، لتقييم مظهر الإمام وجاهزيته، بعد اجتيازها، تنتهي سلسلة الاختبارات، ويستعد الأئمة للانضمام إلى الدورة التدريبية بالأكاديمية العسكرية.
قبل بدء الدورة، يمر الإمام بمرحلة "التلقين" في الأكاديمية العسكرية، حيث يتلقى تعليمات الدورة من ضابط بالقوات المسلحة، شملت التعليمات، وفق الأئمة الثلاث الذين تحدثوا لـ #متصدقش، منع اصطحاب أي متعلقات شخصية، بما في ذلك الهواتف المحمولة، إذ يتم توفير كل المستلزمات داخل الأكاديمية، من الملابس والأحذية وماكينات الحلاقة، إلى هاتف قديم "زراير"، وشريحة جديدة.
كما يُنبه على الأئمة بالالتزام بإجراء ثلاث مكالمات أسبوعية فقط، وفق جدول زمني محدد من إدارة الأكاديمية، على أن يتم تسليم الهاتف بنهاية المكالمات، ليُحفظ في مكان مخصص.
معسكر تدريب مكثف
بدأت دورة تأهيل الدفعة الثانية من أئمة الأوقاف في الأكاديمية العسكرية في نوفمبر 2024، حيث اتبع الأئمة روتينا يوميًا مشابهًا لأفراد القوات المسلحة، يستيقظ الإمام قبل صلاة الفجر بدقائق، يؤدي الصلاة، ثم ينضم إلى طابور الصباح ويمارس تدريبات رياضية يومية. في الثامنة صباحًا، يتناول الأئمة الإفطار، يليه طابور تفتيش للتحقق من حلاقة الذقن، قص الشعر، الهيئة العامة، ونظافة الزي قبل حضور المحاضرات اليومية، وفقًا للشيخ إبراهيم.
الشهر الأول كان معسكرًا تدريبيًا مكثفًا يشبه معسكر تدريب الجنود، يحظر فيه الإجازات أو المكالمات الهاتفية. وخلال أول شهر، تدرب الأئمة على حمل السلاح والنشان بطلقات رصاص غير حي "عشان يشوف مستواك في النشان، وكل طلقة لها درجة"، وفق تصريحات الشيخ ناصر* لـ #متصدقش. بعد انتهاء فترة التدريب العسكري المكثف، يحصل الأئمة على إجازة لمدة 10 أيام. بعدها، ينتظمون في الدورة التدريبية، ويحصلون على إجازة مدتها 3 أيام كل 15 يومًا.
محاضرات شرعية وعسكرية
تنقسم المحاضرات التي يتلقاها أئمة الأوقاف، إلى شرعية وعسكرية. تشمل المحاضرات الشرعية دراسة أصول الفقه والتفسير واللغة العربية، بحضور شيوخ معروفين، مثل الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية، والدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية السابق، ووزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهري، والداعية خالد الجندي، وفق ما ذكره الأئمة لـ متصدقش. إضافة إلى المناهج الشرعية، جرى إضافة مواد إعلامية وتاريخية وثقافية، حيث حاضر فيها الدكتور عبد الواحد النبوي وزير الثقافة الأسبق.
القسم الثاني من المناهج وهو الخاص بالمناهج العسكرية، يقدمها قيادات بالجيش، حيث تركز المحاضرات على تاريخ #الجيش_المصري، الأمن القومي، الحروب السيبرانية، الحفاظ على الأوطان، مخاطر الإرهاب، التحقق من الشائعات، وتاريخ العسكرية المصرية وقوانينها. تنتهي المحاضرات الساعة الثانية ظهرًا، يليها فترة حرة للأئمة، ثم وقت مخصص لمذاكرة المحاضرات، بعد العشاء، يُعقد طابور "تمام" مسائي، ثم يخلد الأئمة للنوم بحلول التاسعة والنصف مساءً.
وفي نهاية الدورة، يخضع الأئمة لامتحان نهائي يحدد درجة اجتيازهم ويعتمد التقييم على أدائهم في الامتحان، إلى جانب مستوى التزامهم بالدورات والانضباط، على سبيل المثال، يقول الشيخ أحمد* لـ متصدقش، إن الخلاف مع ضابط قد يؤدي إلى خصم درجات حيث يتم احتساب الدرجات وفق معايير محددة، وبعد اجتياز الدورة، تُصدر شهادة تُرسل مباشرة إلى وزارة الأوقاف كجزء من متطلبات التعيين في مساجد الأوقاف.
ويرى الشيخ ناصر* أن دورة التأهيل بالأكاديمية العسكرية ستجعل منه إمامًا موسوعيًا وفق رؤية عبد الفتاح السيسي، إذ استفاد من تعلم التحقق من صحة الأخبار قبل نشرها على وسائل التواصل، وفهم التحديات الخارجية التي تواجه مصر، إلى جانب اتباع رأي الجهات المعتمدة في الإفتاء بقضايا خلافية، بشرط عدم مخالفة الشريعة، وفقًا لقوله.
وكان موقع الأهرام قد نشر خبرا حول مشاركة السيسي في حفل تخرج الدورة الثالثة لأئمة وزارة الأوقاف، المعروفة باسم دفعة الإمام حسن العطار، في الأكاديمية العسكرية المصرية بالعاصمة الإدارية الجديدة، بحضور عدد من كبار المسئولين والقيادات العسكرية والدينية.
وشهد الحفل أداء الخريجين قَسَم التخرج، فيما أكد وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهري، أن الوزارة تسعى لإعداد جيل من الدعاة يجمع بين التأهيل العلمي والوعي الوطني والقدرة على التعامل مع التحديات الفكرية والمجتمعية المعاصرة.
نظرة دونية للمدنيين
مع تخريج كل دفعة من الأئمة أو المعلمين أو القضاة أو غيرهم يحتدم النقاش حول دور المؤسسة العسكرية في إدارة الشأن العام، خصوصاً أن الجيش في كل بلاد العالم لا علاقة له بتخريج الأئمة ولا تدريب المعلمين ولا تأهيل القضاة، ولكي ندرك انه لا يوجد منطق في كل ما يحصل ممكن نتخيل الجيش الأمريكي وهو يقوم بعمل دورة تدريبية للقساوسة مثلاً! أو الجيش الفرنسي يعمل برنامج تأهيلي للمدرسين! أو الجيش التركي يعمل دورة تعيين للقضاة. فهيمنة الجيش على ملف التدريب والتعيين في الدولة موضوع فريد خاص بمصر، لدرجة أنه حتى الجيش الباكستاني المسيطر على القرار السياسي في بلده لم يفكر فيها.
وتكلم السيسي عن البرامج التي تقدمها الأكاديمية العسكرية باعتبارها وسيلة لبناء القدرات وتعليم الكوادر الانضباط، لاعتقاده أن المؤسسة العسكرية هي المؤسسة الوحيدة "اللي شغالة في البلد"، وبالتالي دورها أنها تنقل قيمة الانضباط لبقية مؤسسة الدولة، وهذه القناعة تبلورت لدى النخبة العسكرية في فترة حكم المجلس العسكري التي كان الرئيس أصغر عضو فيه "2011 والنصف الأول من 2012"، بعد ما الثورة كشفت مستويات هائلة من الفساد والتحلل والتراخي والفشل في الكثير من الوزارات المدنية.
في هذا الوقت ظهرت دعاية من بعض داعمي المجلس العسكري بأن وزارة الدفاع هي المؤسسة الوحيدة التي حافظت على مستويات عالية من الانضباط والكفاءة من بين كل الوزارات، وهذه الدعاية أحيت وحفزت قناعة موروثة من الخمسينيات لدى القيادات العسكرية وقتها "ومنهم السيسي بأن المدنيين يفتقرون للانضباط والكفاءة وبالتالي غير مؤهلين للحكم ولا يمكن ائتمانهم على القرار السياسي في البلد.
وبعد 8 سنين فقط من تفعيل قناعة العسكريين بأن المدنيين غير مؤهلين وأن العسكريين وحدهم الذين يعرفون مشكلات البلاد وطرق حلها والكفاءة اللازمة لتنفيذ الحلول، كانت الثمرة الوحيدة لذلك هي أعنف أزمة اقتصادية شهدتها مصر على مدار قرن ونصف في 2022.
جيل "منتقي"
قال السيسي في مارس الماضي خلال إفطار الأكاديمية العسكرية إنه عاوز يطلع جيل جديد، وعشان يعمل كده لازم هذا الجيل "يتنقى كويس، يبقى وزارة النقل تنقي، وبعد ما هي تنقي تجيبهم لنا، ننقي إحنا كمان، من غير أي شكل من أشكال المحاباة".
يدل كلام السيسي بوضوح على أنه لا يثق في أي مؤسسة في البلد غير الجيش، وأنه يرى ان كل الوزارات والهيئات فاسدة أو قابلة للفساد والواسطة والمحاباة، وأن العاصم الوحيد من ذلك هي الأكاديمية العسكرية التي تفلتر الكوادر قبل إلحاقها بمؤسسات الدولة.
هذا التوجه يعمل حاجتين: 1- يجعل الجيش وصيا على الدولة كلياً مش بس على القرار السياسي في القمة، و2- يجعل الجيش يقوم بدور المؤسسات المدنية الرقابية التي يُفترض أن تشرف على عمليات التعيين والتوظيف والترقية، وتكشف وتحاسب على الفساد والواسطة والمحسوبية.
وهذا تطور جذري في العلاقات المدنية العسكرية في مصر، بعد ما أصبح نفوذ الجيش لا يقتصر على الوظائف الدفاعية والأمنية أو حتى دوره التقليدي كقاعدة سياسية للحكم، أو حتى التغول على الاقتصاد، لكن أمتد كذلك للإدارة والتعليم والتدريب والنقل والقضاء والدعوة الدينية.
يحيا الجيش والباقي ليس مهما
إسناد تدريب الأكاديمية العسكرية للعاملين بالمؤسسات المدنية له تداعيات سلبية بعيدة المدى تتمثل في تغليب المعايير الضيقة التي على أساسها يتم التعيين في مؤسسات الدولة "وهي معايير عسكرية بالأساس وسياسية بشكل ما" من اللياقة البدنية إلى التأييد السياسي للنظام، على المعايير الفنية الضرورية.
وكادر الأوقاف مثلا يحتاج نوعا خاصا من الخبرات الدعوية والفكرية والمهارات الخطابية وامتلاك المنطق والحجج والبراهين وبعض المعلومات والمداخل الأساسية في علم النفس والاجتماع، لكي يستطيع فهم قضايا العصر ومشكلاته وتناقضاته ويجد الرابط ما بينها وبين الحلول التي يقدمها التراث، ودي مهمة محتاجة مؤسسات من نوع مختلف تماماً عن الذي تعمله الأكاديمية العسكرية.
ليس سيئا أن خطيب الأوقاف يكون لديه لياقة بدنية كخيار شخصي، لكنه لا يؤدي دوره في المجتمع بالتمارين الرياضية ولا بالتعريف بحروب الجيل الخامس، وإلا ماذا يترك لأعضاء "مستقبل وطن" وإعلاميي المتحدة؟
الدول في الحقيقية عندها معايير لاختيار المتقدمين للوظائف العامة، وعلى رأسها الكفاءة والالتزام والمهنية والنزاهة الوظيفية، لضمان تحقيق أهدافها، وإذا حدثت مخالفة في اجراءات التعيين الأجهزة الرقابية تتدخل فوراً لمحاسبة أي فاسد، دور الدولة هنا هو أنها تتيح قنوات للشكوى يمكن من خلالها فتح تحقيق في أي واقعة فساد أو محاباة محتملة، وليس أن تجعل الجيش يعلم الخطباء "6 استعد".