على الرغم من اختلاف زوايا المعالجة، تلتقي أصوات المراقبين عند نقاط جوهرية، أولها، نقد نموذج الحكم القائم على الهيمنة المطلقة والمركزية الشديدة، ثانيها، الإشارة إلى فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش، سواء كان هذا الخطاب يتعلق بالإنجازات الاقتصادية أو القوة العسكرية. ثالثها، التركيز على التكلفة البشرية والاجتماعية الباهظة لهذا النموذج، والتي تتجلى في تآكل الطبقة الوسطى وتفاقم الفقر واتساع الفجوة الاجتماعية.
يؤكد المراقبون أن ادعاء أحمد موسى يؤكد الأزمة البنيوية في نظام الحكم العسكري الحالي، ولها جذور قبل فترة حكم الإخوان تتعلق باختلاف ظاهر النظام عن باطنه، والهيمنة المطلقة لفرد واحد عليه، بأكثر مما هي أزمة أشخاص أو حتى أزمة سياسات.
نمط من الحكم يجمع بين السلطوية السياسية والهيمنة العسكرية على الاقتصاد، مع خطاب إعلامي يهدف إلى تبرير هذه السياسات أو إخفاء تكاليفها الاجتماعية والاقتصادية.
تفنيد رواية "الضياع" بالأرقام
ويبدأ حساب صحيح الإخوان @saheehalikhwan من نقطة محددة: تفنيد الادعاءات التي يطلقها الإعلامي أحمد موسى حول "ضياع" مصر خلال فترة حكم الإخوان المسلمين. لا يكتفي الحساب بالنفي، بل يقدم أدلة رقمية من مصادر رسمية مثل البنك المركزي المصري وجهاز التعبئة العامة والإحصاء.
في الملف الاقتصادي، يشير الحساب إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2012/2013 بلغ نحو 3.8 مليار دولار، وهو رقم كان في تصاعد مقارنة بالعام الذي تلا الثورة مباشرة، كما يذكر أن معدل النمو الاقتصادي سجل حوالي 2.1% إلى 2.2%، وهو معدل إيجابي بالنظر إلى حالة الاضطراب السياسي آنذاك، أما البورصة المصرية، فحسب الحساب، حققت مكاسب قوية في عهد الرئيس محمد مرسي، حيث سجلت في سبتمبر 2012 أعلى مستوى لها منذ أبريل 2011.
أما فيما يتعلق بالدين الخارجي، فيؤكد @saheehalikhwan أنه عند نهاية حكم مرسي في يونيو 2013، كان الدين الخارجي لمصر يبلغ حوالي 43.2 مليار دولار، مقارنة بأرقام تجاوزت 160 مليار دولار في عام 2024. كما يشير إلى أن الاحتياطي النقدي حافظ على مستواه عند 14.9 مليار دولار، رغم غياب المساعدات الخليجية الضخمة التي تدفقت لاحقًا.
في الملف الأمني، يزعم الحساب أن موجة الإرهاب الكبرى والتفجيرات المنهجية بدأت بعد أحداث يوليو 2013 وفض اعتصامي رابعة والنهضة، وليس قبلهما. ويستشهد بتقارير "مؤشر الإرهاب العالمي" ومركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية التي تشير إلى أن التفجيرات الانتحارية واستهداف مديريات الأمن حدثت في أواخر 2013 و2014.
وثائقي "فرعون مصر الجديد" وتشريح النظام
ومن نقد الماضي إلى تشريح الحاضر، والفيلم الوثائقي فرنسي-ألماني بثته قناة Arte بعنوان "السيسي: فرعون مصر الجديد"، يقدم الوثائقي، الذي عرض في ديسمبر الماضي، قراءة نقدية مباشرة وحادة للواقع المصري، خارج الأطر التقليدية للتغطية الإعلامية السطحية.
ويركز الوثائقي على التناقض الصارخ بين خطاب "الإنجاز" وواقع الانهيار الاجتماعي، مستخدمًا العاصمة الإدارية الجديدة كرمز لهذا التناقض. فبينما تُشيَّد مدينة فاخرة في الصحراء على نمط المدن الخليجية، تعاني مصر من أزمة ديون خانقة جعلتها من بين أعلى الدول مديونية عالميًا وفق بيانات صندوق النقد الدولي.
ويكشف الوثائقي عن الدور المحوري للمؤسسة العسكرية التي لم تعد فاعلًا أمنيًا فقط، بل أصبحت قوة اقتصادية مهيمنة على قطاعات حيوية تشمل الموانئ وقناة السويس والبناء والمشروعات القومية الكبرى، يستضيف الفيلم عددًا من الأصوات البارزة، من بينهم الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند، الذي يتحدث عن هيمنة الطابع العسكري على الإدارة والقرار في مصر، كما يقدم مهندس فرنسي شارك في تنفيذ أنفاق قناة السويس شهادة حول العمل تحت إدارة الجيش وبـ"ميزانيات مفتوحة"، حيث كان الهدف الدائم هو السرعة "مهما كان الثمن".
ويتناول الوثائقي أيضًا هشاشة النموذج الاقتصادي القائم، مشيرًا إلى اعتماد مصر المتزايد على التمويل الخارجي من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي وقروض الخليج، لسد عجز الموازنة وتمويل الواردات، في وقت لا ينعكس فيه أي نمو اقتصادي على حياة المواطنين الذين يرزحون تحت وطأة التضخم وغلاء المعيشة.
الحرب النفسية وتغيير الوعي الجمعي
يأخذنا الصحفي نظام المهداوي إلى بُعد آخر، وهو البعد النفسي والإعلامي. يقدم تحليلًا معمقًا لما يصفه بـ"حروب تغيير الوعي"، معتبرًا أن ما يجري اليوم هو أخطر معركة لتغيير الوعي تمهيدًا لإيقاع هزيمة وجودية.
ويركز المهداوي @NezamMahdawi على التناقض الصارخ بين تصريحات سابقة للسيسي وصف فيها مصر بأنها "شبه دولة"، وبين الحملات الدعائية الحالية التي تصور مصر كقوة عظمى قادرة على "محو إسرائيل من الوجود".
يشرح الآليات النفسية المستخدمة في هذه الحرب، والتي تشمل الإيحاء الجماعي (غرس صورة متخيلة عن القوة حتى تصبح "حقيقة" في الوجدان)، والتضليل المعرفي (تضخيم القدرات لإيهام الجماهير بواقع غير موجود)، والإحباط الاستراتيجي (فعندما تقع الهزيمة، لا تكون الخسارة في الأرض فقط، بل في فقدان الأمل والقدرة على المقاومة).
يستشهد المهداوي بمبدأ نفسي معروف هو "التحقق الذاتي للوهم"، حيث أن تكرار الكذبة حتى تصدقها يحولها إلى واقع داخلي ينهار عند أول اختبار.
ويضرب مثالًا على ذلك بالترويج لقرار نتنياهو تعطيل صفقة الغاز مع مصر كدليل على "توتر العلاقات"، بينما الحقيقة أن شركة "شيفرون" وقعت اتفاقًا مع الكيان قبل أيام لتوسيع إمدادات الغاز نحو مصر.