الأبرياء يدفعون حياتهم ثمنا للإهمال.. اﻷﺧﻄﺎء اﻟﻄﺒﻴﺔ تفضح انهيار المنظومة الصحية

- ‎فيتقارير

الأخطاء الطبية استشرت بصورة غير مسبوقة فى زمن الانقلاب، ويروح ضحيتها الأبرياء الذين سعوا للبحث عن علاج لآلامهم فى المستشفيات، فلم يجدوا سوى الإهمال الذى أودى بحياتهم تاركا الحيرة والحسرة لمن حولهم، وتستوى فى ذلك المستشفيات العامة والخاصة ما يؤكد انهيار المنظومة الصحية.

كانت وزارة الصحة بحكومة الانقلاب قد أغلقت أحد المستشفيات الخاصة بمدينة نصر بعد وفاة طفل بسبب إجراء عملية استئصال اللوزتين .

وأكدت إدارة العلاج الحر بالوزارة أن الإغلاق تم بعد رصد مخالفات تتعلق بعدم اتباع سياسات مكافحة العدوى، وعدم استيفاء الملف الطبى، وعدم الالتزام بالإجراءات الطبية المتعارف عليها.

وقبل هذا القرار بأيام قليلة توفيت الطفلة علية غنيم بعد أن دخلت المستشفى لإجراء جراحة لاستئصال الزائدة الدودية، كما توفى طفل آخر بمستشفى جامعة أسيوط نتيجة نقل دم من فصيلة غير متوافقة معه.

 

الجراحات الصعبة

فى هذا السياق قال الدكتور أحمد عمر بحلس عضو مجلس النقابة العامة للأطباء، أن الأصل فى العلاقة بين الطبيب والمريض هو أن هدف الطبيب الأساسى الحفاظ على سلامة المريض، مشيرا إلى أن وجود نية لإيذاء المريض أمر غير وارد، بينما قد تظهر حالات إهمال مرتبطة بممارسات غير مرخصة أو ممارسة الطبيب لعمل خارج تخصصه.

وأكد «بحلس» فى تصريحات صحفية أن الطب فى مختلف دول العالم يتضمن ما يعرف بالمضاعفات الطبية وهى أمور قد تحدث رغم اتباع الطبيب الأصول والقواعد المتعارف عليها، ولا تعنى بالضرورة وجود خطأ أو إهمال طبى، موضحا أن عمليات شفط الدهون قد تحدث بعدها مضاعفات مثل تجمع السوائل أو ما يعرف بالسيروما وهى من المضاعفات المتوقعة التى يمكن التعامل معها من خلال المتابعة والعلاج المناسب.

وحذر من أن الخلط بين المضاعفات الطبية والأخطاء المهنية قد يؤدى إلى عزوف الأطباء عن التخصصات والجراحات الدقيقة والصعبة، خوفا من المساءلة، وهو ما قد يدفع المنظومة الطبية إلى ما وصفه بـ«الطب الدفاعى»، حيث يلجأ الطبيب إلى طلب عدد كبير من الفحوصات والإجراءات الطبية، بعضها قد لا يكون ضروريا، بهدف حماية نفسه قانونيا، مما يزيد من الأعباء المالية على المريض.

ولفت «بحلس» إلى وجود أنظمة تأمينية فى العديد من الدول تغطى المضاعفات والأخطاء الطبية، بما يضمن حماية المريض والطبيب فى الوقت نفسه، إلى جانب وجود آليات واضحة للتقاضى لا تجعل الطبيب متهما جنائيا فى حالة حدوث خطأ طبى.

وأضاف أن نقابة الأطباء تدخلت خلال مناقشة قانون المسئولية الطبية، بعدما رأت أن بعض الصياغات الأولية للقانون كان من الممكن أن تؤدى إلى تخوف الأطباء من ممارسة بعض التخصصات، مشددا على أن القانون الحالى لا يمكن القول إنه مثالى 100%، لأن هناك بعض النقاط التى تحتاج إلى تعديل بما يحقق التوازن بين حماية المريض وعدم تخويف الطبيب من ممارسة مهنته.

 

وسائل الإعلام

وانتقد «بحلس» طريقة تناول وسائل الإعلام لملف الأخطاء الطبية، معتبرا أن هناك أحيانا مبالغة فى تقديم الوقائع بصورة مثيرة على حساب التفاصيل الطبية والقانونية، خاصة مع اعتماد الجمهور بشكل متزايد على المحتوى السريع عبر مواقع التواصل الاجتماعى.

وأوضح أن جزءا من الغضب المجتمعى تجاه المنظومة الصحية لا يرتبط بالطبيب وحده، وإنما يرتبط أيضا بمشكلات أوسع فى مستوى الخدمة الصحية والإمكانات والتمويل، مشيرا إلى أن الطبيب يجد نفسه فى كثير من الأحيان فى مواجهة مباشرة مع غضب المرضى بسبب نقص بعض الخدمات أو الإمكانات التى لا يملك الطبيب نفسه توفيرها.

وأشار «بحلس» إلى أن تدنى أجور الأطباء وطول ساعات العمل يمثلان جزءا من الأزمة، موضحا أن متوسط الأجور الذى يبلغ نحو 7 آلاف إلى 7500 جنيه، مقابل ساعات عمل قد تصل إلى أكثر من 72 ساعة أسبوعيا أو أكثر، فضلا عن النوبتجيات التى قد تمتد إلى 24 ساعة متواصلة فى بعض الحالات.

 

شطب من سجلات النقابة

وأكد أن حل أزمة العلاقة بين مقدم الخدمة الطبية ومتلقيها لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال تحميل أحد الطرفين المسئولية، وإنما يحتاج إلى معالجة شاملة لاحتياجات المنظومة الصحية وتحسين ظروف العمل والإمكانات.

وشدد «بحلس» على أن نسبة الحالات التى يثبت فيها وجود خطأ مهنى، مقارنة بإجمالى القضايا التى تنظرها لجان المسئولية الطبية محدودة، مؤكدا أن مجرد حدوث مضاعفة أو نتيجة غير متوقعة لا يعنى بالضرورة ثبوت خطأ طبى أما المخالفات الأخلاقية، مثل الدعاية الطبية المضللة أو ادعاء تقديم علاجات غير مثبتة علميا، أو ممارسة الطبيب تخصصا غير تخصصه بما يترتب عليه من مشكلات، تحال إلى لجنة التأديب بالنقابة.

وقال إن العقوبات التأديبية تختلف بحسب طبيعة المخالفة وجسامتها، وقد تبدأ بالإنذار ولفت النظر، وتصل إلى الإيقاف عن ممارسة المهنة لفترات محددة، وصولا إلى الشطب من سجلات النقابة والمنع من ممارسة المهنة.

 

مراجعة ومساءلة

قالت الدكتورة إيرين سعيد إن الحديث عن الأخطاء الطبية يجب أن يكون قائما على التفرقة بين أكثر من حالة، موضحة أنه ليس كل ما يحدث داخل المستشفيات يعد خطأً طبيًا أو إهمالًا، فهناك مضاعفات طبية معروفة قد تحدث رغم الالتزام الكامل بالأصول العلمية.

وأوضحت إيرين سعيد فى تصريحات صحفية أن بعض المضاعفات تنتج عن طبيعة جسم المريض أو استجابته للعملية الجراحية أو الإجراء الطبى، وهى أمور واردة ومعروفة علميًا، ويتم توضيحها فى المراجع الطبية، وقد تحدث حتى مع الالتزام الكامل بالإجراءات والبروتوكولات الطبية، مشددة على أن وقوع مثل هذه المضاعفات لا يعنى بالضرورة وجود تقصير من الفريق الطبى.

وأشارت إلى أن هناك أيضًا أخطاء غير متعمدة، قد تحدث رغم اتخاذ الإجراءات اللازمة، لافتة إلى أن المجال الطبى يشهد آلاف العمليات والإجراءات الطبية، ومن الطبيعى أن تقع بعض الأخطاء المحدودة، إلا أنها تخضع للمراجعة والمساءلة وفقًا للقانون، وقد يترتب عليها تعويضات أو مسئوليات بحسب كل حالة.

وأكدت إيرين سعيد أن النوع الأخطر يتمثل فى الأخطاء الناتجة عن الإهمال أو نقص الخبرة أو عدم حصول الفريق الطبى على التدريب الكافى، أو عدم الالتزام بالمعايير المهنية داخل المنشآت الصحية. مثل: عدم الالتزام بإجراءات مكافحة العدوى أو التقصير فى تطبيق معايير النظافة، وهو ما قد يؤدى إلى انتقال العدوى أو حدوث مضاعفات كان يمكن تجنبها.

وشددت على أن الفصل بين المضاعفات الطبية والخطأ غير المقصود والإهمال الطبى لا يتم بناء على الانطباعات أو الاتهامات، وإنما من خلال فحص دقيق لكل حالة على حدة، ودراسة الملف الطبى والإجراءات التى تم اتخاذها والظروف المحيطة بالواقعة.