بينما تواصل القاهرة إطلاق البيانات الدبلوماسية والمشاركة في بيانات الإدانة العربية والإسلامية ضد الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة، تكشف الوقائع الميدانية على الأرض اتساع الفجوة بين المواقف المعلنة والقدرة الفعلية على حماية الأمن القومي المصري. فظهور مستوطن إسرائيلي من منظمة "نحالا" اليمينية المتطرفة على شاطئ رفح الفلسطينية، معلنًا أن "رفح اليهودية ستُبنى" وأن المستوطنين "سيعودون إلى هذا البحر"، لم يكن مجرد رسالة دعائية، بل حمل في خلفيته مؤشرات أخطر، تمثلت في ظهور منشآت وقواعد عسكرية إسرائيلية حديثة لا تبعد سوى أمتار عن الحدود المصرية.
بيانات إدانة.. وإسرائيل تفرض وقائع جديدة
جاء ظهور الفيديو في وقت كانت فيه مصر، إلى جانب الأردن وقطر والسعودية والإمارات وتركيا وباكستان وإندونيسيا، تدين في بيان مشترك الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية، وتطالب بوقف الاعتداءات على المدنيين والمنشآت الصحية والبنية التحتية.
لكن في المقابل، واصلت حكومة بنيامين نتنياهو فرض حقائق ميدانية جديدة، سواء عبر توسيع وجودها العسكري في جنوب قطاع غزة أو من خلال تصاعد دعوات اليمين الإسرائيلي لإعادة الاستيطان، بما يعكس تجاهلًا واضحًا للموقف المصري وللجهود الدبلوماسية التي تقودها القاهرة بشأن وقف إطلاق النار وترتيبات ما بعد الحرب.
قواعد عسكرية جديدة عند حدود مصر
وبحسب مصادر محلية، فإن الموقع الذي ظهر فيه المستوطن يقع عند التقاء محور صلاح الدين "فيلادلفي" بساحل البحر المتوسط فوق أراضي قرية السويدية الفلسطينية، التي جُرفت بالكامل خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وتؤكد صور الأقمار الصناعية أن المنطقة تحولت خلال الأشهر الماضية من أراضٍ خالية إلى منشأة عسكرية إسرائيلية تضم مبنى رئيسيًا محصنًا وسواتر ترابية وطرقًا داخلية وآليات عسكرية، بما يشير إلى تثبيت قاعدة عسكرية جديدة في واحدة من أكثر المناطق حساسية على الحدود المصرية.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأنه يقع عند رأس محور فيلادلفي، الذي يفترض، وفق الترتيبات الأمنية التي أعقبت الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، أن يكون خاليًا من الوجود العسكري الإسرائيلي.
تجاهل إسرائيلي للاعتراضات المصرية
ورغم أن إعلان نظام السيسى ،منذ إعادة الجيش الإسرائيلي السيطرة على محور فيلادلفي في مايو 2024 أعلن رفض أي تغييرات أحادية على الحدود، فإن إسرائيل واصلت تعزيز وجودها العسكري، في مؤشر على أن الاعتراضات المصرية لم تمنع تل أبيب من تنفيذ خططها الميدانية.
ويعكس استمرار عمليات التحصين وإنشاء المواقع العسكرية، بالتزامن مع دعوات إعادة الاستيطان، اتجاهًا إسرائيليًا لفرض واقع جديد يمنح حكومة نتنياهو أوراق ضغط إضافية في أي مفاوضات مستقبلية بشأن قطاع غزة، دون اكتراث بالموقف المصري أو بالترتيبات الأمنية القائمة.
خرق لاتفاقية السلام
ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير معصوم مرزوق أن دخول القوات الإسرائيلية إلى محور فيلادلفي ثم إنشاء قواعد عسكرية بالقرب من الحدود المصرية يمثل خرقًا واضحًا لاتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل.
وأوضح أن هذا الإخلال يمنح مصر، من الناحية القانونية، الحق في إعادة النظر في التزاماتها الأمنية، بما يشمل إعادة تمركز قواتها داخل سيناء، وتحريكها وفق ما تقتضيه ضرورات الدفاع عن الأمن القومي، فضلًا عن إخطار القوات متعددة الجنسيات والولايات المتحدة والأمم المتحدة رسميًا بالمخالفات الإسرائيلية.
وأكد أن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية يخل بالأسس الأمنية التي قامت عليها الاتفاقية، ويمنح القاهرة حق مراجعة القيود المفروضة على انتشار قواتها في المناطق الحدودية.
خيارات قانونية لم تُفعّل
من جانبه، أوضح أستاذ القانون الدولي محمد عطا الله أن إقامة منشآت عسكرية إسرائيلية جديدة بالقرب من الحدود المصرية، إذا ثبتت رسميًا، تستوجب تحركًا دبلوماسيًا وقانونيًا يبدأ بالاحتجاج الرسمي عبر وزارة الخارجية، ثم اللجوء إلى المنظمات الدولية عند الضرورة، مؤكدًا أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة والانتهاكات الواسعة للقانون الدولي يفرض على المجتمع الدولي مسؤوليات قانونية واضحة.
اختبار جديد للأمن القومي المصري
ويطرح المشهد الذي كشفه فيديو المستوطن الإسرائيلي تساؤلات واسعة حول مدى قدرة النظام المصري على حماية الأمن القومي، بعدما تحولت المنطقة الحدودية إلى ساحة تفرض فيها إسرائيل وقائع عسكرية جديدة، رغم الاعتراضات المصرية المعلنة.
ففي الوقت الذي يواصل فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي الرهان على الوساطات والضغوط الدبلوماسية، تبدو حكومة نتنياهو أكثر قدرة على فرض أجندتها الميدانية، سواء عبر تثبيت وجودها العسكري في محور فيلادلفي أو التلويح بإعادة الاستيطان في غزة، وهو ما يراه مراقبون مؤشرًا على تراجع قدرة القاهرة على ردع التحركات الإسرائيلية أو إلزامها باحترام الترتيبات الأمنية القائمة، بما يجعل ملف الحدود الشرقية أحد أبرز اختبارات الأمن القومي المصري في المرحلة الراهنة.