النمو السريع لشركات التمويل الاستهلاكي في زمن الانقلاب يكشف الأزمة الاقتصادية التى يعيشها المصريون حيث أصبح قطاع كبير منهم يلجأ إلى هذه الشركات فى ظل عجزه عن شراء السلع والمنتجات التى يحتاج إليها بغض النظر عن الموقف الشرعى من كون تعاملات هذه الشركات ربوية وتهدد بسجن الكثيرين فى حالة تعثرهم فى سداد الأقساط .
خلال سنوات قليلة أصبح التمويل الاستهلاكي أحد أسرع الأنشطة المالية نموًا، ولم يعد شراء هاتف أو أثاث أو جهاز منزلي أو حتى خدمة طبية يتطلب ادّخارًا طويلًا؛ يكفي بطاقة رقم قومي وبعض البيانات للحصول على موافقة خلال دقائق.
هذه السرعة تفتح بابًا للتساؤل ماذا يحدث عندما يعجز العميل عن السداد؟ وهل تخضع أساليب الضغط على العملاء لضوابط قانونية واضحة؟
ألفاظ مسيئة
فى هذا السياق قالت"أم حبيبة" إن الهاتف بالنسبة لها لم يعد مجرد وسيلة اتصال، بل أصبح مصدر قلق يومي؛ مشيرة إلى أنها في كل مرة يرنّ الهاتف تتوقع مكالمة تطالبها بقسط متأخر، لكن ما لم تكن تتوقعه مطلقًا هو عبارة لا تزال تطاردها حتى اليوم: "خلي أبوكي يطلع من التُربة ويدفع لك".
وأشارت "أم حبيبة" إلى أن والدها توفي قبل أشهر قليلة، وبعد وفاته تعثرت الأسرة في سداد أقساط جهاز كهربائي تم شراؤه بنظام التمويل الاستهلاكي، مؤكدة أن الأسرة رغم ذلك لم تطلب إسقاط الدين، ولم تنكر حق الشركة، بل كانت تسعى فقط إلى مهلة، أو إعادة جدولة، أو معاملة تحفظ كرامتها.
وأضافت : بدلًا من ذلك، تلقيت مكالمات تحمل تهديدات وألفاظًا مسيئة تجاوزت حدود مطالبة الدين إلى الإساءة لذكرى والدى المتوفى.
جدولة الأقساط
وقال محمود علي أبو العلا، الذي فقد عمله بعد إغلاق الشركة التي كان يعمل بها، إنه حاول أكثر من مرة إعادة جدولة الأقساط، خاصة أنه يعاني أمراضًا مزمنة تحد من قدرته على العمل، إلا أن محاولاته لم تكلّل بالنجاح.
وأشار أبوالعلا إلى أنه بدلًا من التوصل إلى تسوية، تلقى زيارات إلى منزله ورسائل عبر تطبيق واتساب حملت تهديدات متكررة، ما جعله يعيش في خوف دائم من الملاحقة القانونية، فضلًا عن قلقه على مستقبل أطفاله.
شحات ومديون
وكشف محمد علي، أنه تعامل مع شركة تمويل، وكان ملتزمًا بالسداد حتى فقد مصدر دخله، لذلك طلب إعادة جدولة الأقساط، والحصول على نسخة من العقد أو كشف حساب يوضح مستحقاته، إلا أن طلباته لم تجد استجابة.
وقال على : بدلًا من ذلك تلقيت مكالمة من موظفة تحصيل قالت له: يا باشا الحاجة اللي أخدتها روح رجعها.. بدل ما أنت شحات ومديون، وعندما حاول شرح ظروفه، جاءه رد آخر أكثر قسوة: بيع أي حاجة.. إن شاء الله تبيع أمك .
وأكد أن الأزمة بالنسبة له، لم تكن في الدين فقط، بل في طريقة التعامل معه؛ في لحظة كان يبحث فيها عن حل، لا عن إهانة جديدة.
وأشار على إلى جانب آخر يتعلق بالشفافية؛ موضحا أنه اكتشف أن عنوان إحدى الشركات المدرج في بياناتها الرسمية لم يكن صحيحًا، ولم يتمكن من الوصول إلى مقرها الحقيقي إلا بعد بحث طويل، ما أثار دهشة العاملين هناك عند حضوره.
سهولة الإجراءات
حول النمو السريع لشركات التمويل الاستهلاكى؛ قال الخبير الاقتصادي والمصرفي، الدكتور هاني أبو الفتوح إن ما حدث لم يكن انتقالًا للعملاء من البنوك إلى شركات التمويل بقدر ما كان تحولًا في فلسفة السوق نفسها، موضحا أن المنافسة لم تعد تدور حول من يملك السيولة الأكبر، وإنما حول من يستطيع الوصول أسرع إلى العميل.
وأكد أبو الفتوح فى تصريحات صحفية أن شركات التمويل الاستهلاكي نجحت في استغلال فجوة لم تكن البنوك التقليدية قادرة على سدّها، إذ أصبح المستهلك يبحث عن تجربة شراء سريعة وبسيطة، حتى وإن لم تكن الأقل تكلفة.
وأوضح أن الأرقام تكشف حجم التحول الذي يشهده هذا القطاع، لافتا إلى أن قيمة التمويل الاستهلاكي خلال أول تسعة أشهر من عام 2025 بلغت نحو 66 مليار جنيه، بمعدل نمو سنوي تجاوز 55%، بينما ارتفع عدد المستفيدين إلى أكثر من 10 ملايين عميل، بجانب استحواذ شركات التمويل الاستهلاكي على ما يتراوح بين 25 و27% من سوق التجزئة الائتمانية.
واعتبر أبو الفتوح أن هذه المؤشرات، لا تعني أن البنوك خسرت المنافسة، بقدر ما تكشف أن السوق أصبح يتسع لأكثر من نموذج تمويلي، وأن المستهلك بات يفضّل السرعة وسهولة الإجراءات على طول دورة الموافقات التقليدية.
العلاقة التعاقدية
ولفت إلى أنه رغم هذا التوسع فإن البيانات المتاحة لا تسمح بقياس دقيق لحجم النزاعات المرتبطة بإسناد عمليات التحصيل إلى شركات خارجية، مشددا على أن توسّع النشاط، يجعل الحاجة أكثر إلحاحًا إلى إطار تنظيمي يحافظ على العلاقة التعاقدية بين العميل وجهة التمويل، حتى إذا تولت شركة أخرى عملية التحصيل، وأن العميل في النهاية، لا يفرق بين الجهة التي منحته التمويل والجهة التي تطالبه بالسداد .
وحذر أبو الفتوح من أن كل ما يتعرّض له العميل من ممارسات ينعكس مباشرة على صورة الشركة التي تعامل معها منذ البداية.
خسائر أكبر
وحول الضغط النفسي والإهانة والتشهير فى المطالبة بالمستحقات ، أكد الخبير المالي والاقتصادي، الدكتور أحمد شوقي، أن المشكلة لا تبدأ عندما يتأخر العميل عن السداد، وإنما عندما تتحول إجراءات التحصيل إلى وسيلة ضغط تتجاوز حدود المهنية.
وقال شوقي فى تصريحات صحفية إن التحصيل الفعال يمثل أحد أهم عناصر استدامة شركات التمويل، لأنه يحافظ على حقوق الممولين ويضمن استمرار ضخ التمويلات الجديدة، لكن الإفراط في استخدام وسائل الضغط قد يحقق مكاسب قصيرة الأجل، بينما يخلف خسائر أكبر على المدى البعيد، خاصة أنه حين يفقد العميل هذه الثقة، فإن الضرر لا يصيب شركة بعينها، بل يمتد إلى صورة سوق التمويل الاستهلاكي بالكامل.
وحذر من التأثير الاقتصادي لهذه الممارسات، مشددا على أن العميل الذي يخوض تجربة قاسية مع التحصيل قد يعزف لاحقًا عن التعامل مع أي جهة تمويل نظامية، حتى وإن كانت أكثر التزامًا، ما قد يدفع بعض الأفراد إلى البحث عن مصادر تمويل غير رسمية، غالبًا ما تكون أكثر خطورة وأقل خضوعًا للرقابة.
وأوضح شوقي أنه في حالات أخرى، لا يؤدي الضغط المتواصل إلى تسريع السداد، بل إلى نتيجة معاكسة إذ يلجأ بعض العملاء إلى الاقتراض من جهة أخرى لسداد القسط المتأخر، فتبدأ سلسلة جديدة من الديون تتراكم فيها الالتزامات وتتراجع معها القدرة على الوفاء بها، ليتحول التعثر المؤقت إلى أزمة مالية ممتدة.
مدونة سلوك ملزمة
وشدد على أن سرعة نمو السوق تفرض تحديثًا مستمرًا للقواعد المنظمة، خاصة في ملف التحصيل، معتبرا أن أهم الأولويات تتمثل في وضع مدونة سلوك ملزمة تحدد بوضوح ما يجوز وما لا يجوز أثناء التواصل مع العملاء .
وأكد شوقى أن المشكلة، ليست في وجود شركات تحصيل مستقلة، وإنما في اختلاف معايير العمل من شركة إلى أخرى، وغياب قواعد موحدة تضبط أساليب التواصل وحدودها.
وطالب بإخضاع شركات التحصيل الخارجية للمعايير المهنية نفسها التي تلتزم بها شركات التمويل، بحيث تتحمل الجهة الممولة مسئولية ما يصدر عن الشركات التي تفوضها في متابعة العملاء.