من هدم الجبانات إلى “المقابر الفاخرة” .. حين تتحول السخرية إلى واقع

- ‎فيتقارير

لم تعد عبارة "المقابر الفاخرة" مجرد تعبير ساخر على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة تستدعي الجدل حول علاقة المال والطبقية حتى بعد الموت. وفي مايو 2026، تداولت حسابات يمنية صوراً لمقابر فاخرة في صنعاء، وسط اتهامات من ناشطين ومستخدمين بأنها مخصصة لقتلى من المنتمين إلى جماعة الحوثيين، وأنها تعكس، بحسب المتداولين، تمييزاً في معاملة الموتى داخل مناطق سيطرة الجماعة.

ونشرت قناة «يمن شباب الفضائية» @TVyemenshabab في 12 مايو منشوراً بعنوان «مقابر فاخرة لقيادات حوثية تشعل غضب اليمنيين»، قالت فيه إن صور مقبرة فاخرة في صنعاء أثارت موجة انتقادات، وإن متداولين تحدثوا عن كونها واحدة من عشرات المقابر المشيدة بالرخام في مناطق سيطرة الحوثيين.

 

https://x.com/TVyemenshabab/status/2054231574040711288

وبعيداً عن صحة كل ما ورد في المنشورات المتداولة، التي تحتاج بعض تفاصيلها إلى توثيق مستقل، فإن الصور نفسها دخلت سريعاً في ماكينة السخرية السياسية والاجتماعية على مواقع التواصل، حيث تحول القبر الفاخر إلى صورة مكثفة للترف والامتياز والطبقية في أكثر لحظات الإنسان مساواةً بين الجميع: الموت.

 

من القبر إلى الترف الأبدي

وفي السياق نفسه، تداول حساب «موسكو @M0SC0W0 في 14 مايو صوراً لما وصفها بمقابر فاخرة في رومانيا، قائلاً إن بعض العائلات تصمم القبر كغرفة خاصة مزينة بالرخام وتضع فيها صور أحبائها.

 

https://x.com/M0SC0W0/status/2054957129602052564

وبذلك أصبح مفهوم «المقبرة الفاخرة» مادة عابرة للحدود، تختلط فيها طقوس الموت بفكرة الوجاهة الاجتماعية، وتتحول المقبرة من مكان للدفن إلى مساحة يمكن أن تحمل هي الأخرى علامات الثروة والمكانة الاجتماعية.

لكن المفارقة الأبرز ظهرت في مصر، حيث لم يعد الأمر مجرد صور متداولة أو سخرية من مظاهر الرفاهية في المقابر، وإنما دخلت المقابر نفسها بصورة واضحة إلى السوق العقارية، وفق ما كشفه تقرير نشرته صحيفة «العربي الجديد» في 13 سبتمبر 2026.

 

المقابر تدخل سوق الاستثمار

وبحسب تقرير "العربي الجديد"، دخل صندوق تحيا مصر إلى سوق المقابر الفاخرة من خلال مشروع يحمل اسم مقابر الروضة، يضم نحو 11 ألف مدفن في موقعين بالقاهرة الكبرى، أحدهما على طريق العين السخنة بالقرب من القاهرة الجديدة، والآخر في مدينة السادس من أكتوبر.

ويقول التقرير إن موقع العين السخنة يمتد على نحو 107 أفدنة ويضم حوالي 5522 مقبرة، فيما يمتد موقع السادس من أكتوبر على نحو 103 أفدنة ويضم نحو 5537 مقبرة. وتقدم المقابر باعتبارها مدافن إسلامية فاخرة، مع استخدام الرخام والزخارف والخطوط العربية، إلى جانب مسجد وقاعة مناسبات ومبنى للغسل والتكفين وخدمات الأمن والصيانة والإدارة على مدار الساعة.

وبحسب المعلومات التي حصلت عليها من فريق التسويق، يبدأ سعر المدفن من نحو 1.5 مليون جنيه عند الدفع النقدي، بينما يصل إلى نحو 1.65 مليون جنيه عند السداد على عام، ونحو 1.85 مليون جنيه عند التقسيط لمدة عامين. ويبلغ مقدم الحجز 100 ألف جنيه، إلى جانب وديعة صيانة نسبتها 7% من قيمة المقبرة.

 

حين يصبح الموت منتجاً عقارياً

المفارقة هنا لا تكمن فقط في ارتفاع سعر المدفن، وإنما في الطريقة التي يجري بها تسويق المقبرة نفسها. فبحسب التقرير، أصبح المدفن جزءاً من نموذج عقاري متكامل يقوم على الحجز والمقدم والتقسيط والصيانة والخدمات والتشطيبات وموعد التسليم.

وبالحساب على أساس السعر النقدي الأدنى، يقدر التقرير القيمة النظرية للمشروع بنحو 16.5 مليار جنيه إذا بيعت جميع المقابر بالسعر نفسه.

وهكذا ينتقل مفهوم المقبرة من ارتباطه التقليدي بالعائلة والحي والمقابر القديمة إلى نموذج أقرب إلى الوحدة العقارية التي لها سعر ومواصفات وخدمات ونظام سداد. وهو تحول وصفته «العربي الجديد» بأنه تطور لافت في سوق المقابر المصرية.

وفي تقرير آخر للصحيفة، تناولت تجارة الموت في مصر، مشيرة إلى ارتفاع أسعار المدافن وتوسع السوق الخاصة في تقديم مقابر بمواصفات أكثر فخامة.

 

من مقابر الموتى إلى استثمار الماضي

في مصر، لا تقف قصة المقابر عند حدود السوق العقارية، فالمقابر التاريخية نفسها أصبحت خلال السنوات الماضية جزءاً من سجال أوسع حول التعامل مع الذاكرة والمدينة والتراث.

وفي هذا السياق، تداول ناشطون انتقادات تتعلق بإزالة أو نقل مقابر شخصيات تاريخية، وربطوا ذلك بمشروعات الطرق والمحاور والممرات الأثرية وإعادة تشكيل بعض المناطق التاريخية في القاهرة.

ومن بين الأصوات التي دخلت هذا السجال د. يحيى غنيم @YahyaGhoniem، الذي نشر في منشور له انتقادات حادة لهدم أو إزالة مقابر شخصيات أدبية ودينية وتاريخية، رابطاً القضية بما اعتبره صمتاً من جانب النخب الثقافية.

 

https://x.com/YahyaGhoniem/status/2003918520439263577

وفي اتجاه ساخر، استخدم عمرو عبد الهادي @amrelhady4000 فكرة تأجير المقابر في سياق انتقاده لسياسات استثمار المواقع التاريخية والأثرية، في محاولة لإظهار ما يراه تناقضاً بين الحفاظ على رمزية المكان وتحويله في الوقت نفسه إلى مصدر للدخل.

 

السخرية من البهرجة

وهنا تظهر زاوية أخرى في النقاش، تتعلق بطريقة استدعاء الماضي في الخطاب الرسمي والثقافي المصري. فقد ربط بعض المنتقدين بين مشاريع المتاحف والمومياوات والاحتفاء بالآثار المصرية القديمة وبين خطاب سياسي وثقافي أوسع حول الهوية واستعادة أمجاد الماضي.

ومن بين المواد التي أُشير إليها في هذا السياق كتابات حساب (اينشتاين السعودي) @SaudiEinstein، التي تنتقد «البهرجة الجوفاء»، وتربط بين المواكب الاحتفالية بالمومياوات الملكية والمتاحف والمظاهر البصرية المرتبطة بالماضي وبين غياب مشروع اجتماعي وسياسي جامع، بحسب رؤية الكاتب.

وفي هذه القراءة، لا يصبح الماضي مجرد تراث ينبغي الحفاظ عليه، وإنما يتحول إلى أداة رمزية يمكن أن تستخدمها السلطة في صناعة صورة عن الدولة والهوية والشرعية. وهي قراءة سياسية نقدية، وليست دليلاً بحد ذاتها على أن الحكومة المصرية تعمد إلى استخدام التراث لهذا الغرض.

 

هل ألهم الحوثيون مشروع المقابر المصرية؟

لكن التشابه في الصورة العامة هو الذي منح القصة قابليتها للسخرية: في اليمن ظهرت صور مقابر فاخرة أثارت اتهامات بالتمييز والامتياز، وفي مصر ظهر مشروع عقاري واسع يبيع مدافن فاخرة بملايين الجنيهات، وسط سجال سياسي سابق حول المقابر التاريخية والذاكرة والماضي.

والسخرية من فكرة «القبر الفاخر» سبقت ظهور نموذج مصري تجاري جعل الفكرة واقعاً عقارياً قابلاً للبيع والشراء والتقسيط.

المفارقة التي تستحق التوقف عندها أن ما كان يبدو في البداية مادة مثالية للسخرية على مواقع التواصل ــ القبر بوصفه رمزاً للثراء والوجاهة حتى بعد الموت ــ أصبح في مصر جزءاً من سوق عقارية لها مطور وتسويق وأسعار وخدمات.

وبذلك لا تعود القضية مجرد مقارنة بين الحوثيين والسيسي، ولا بين اليمن ومصر، وإنما تكشف عن تحول أوسع في النظرة إلى المكان الذي يُدفن فيه الإنسان: من مساحة مرتبطة بالأسرة والذاكرة والطقوس الاجتماعية، إلى أصل عقاري يمكن تسويقه باعتباره منتجاً فاخراً.

وهنا تكمن المفارقة الصحفية الأوضح: السخرية لم تتحول بالضرورة إلى سياسة، لكن الواقع نفسه اقترب من الصورة التي صنعتها السخرية؛ فالمقبرة لم تعد دائماً مجرد مكان للموتى، بل أصبحت، في بعض نماذج السوق، عقاراً له سعر ومقدم وتقسيط وصيانة وخدمات.