“رشوان” يتباكى على “أزمة وجودية” للإعلام.. ومراقبون: الحرية ماتت يا مهندس ديكور فاشي

- ‎فيتقارير

"رشوان": أزمة وجودية للإعلام.. مراقبون: الحرية هي الحل و"الفضفضة" يا مهندس الديكور الفاشي
 
من سلالم "الاستقلال" إلى دهاليز "الاستعلامات"

 ظهر ضياء رشوان ليعلن أزمة وجودية للإعلام متجاهلا إجراء اختبار بسيط جدًا لأي إصلاح: "هل يستطيع إعلام السيسي وأذرعه تقديم معلومات مستقلة وموثوقة حتى عندما تكون هذه المعلومات غير مريحة للسيسي للعصابة؟

يشير مراقبون إلى أنه إذا كانت الإجابة نعم، فالإصلاح يمكن أن يبدأ من المهنية والتمويل والتدريب وتدفق المعلومات، أما إذا كانت الإجابة لا، فالمشكلة أعمق من ضعف الصحفيين أو سوء المحتوى؛ إنها مشكلة بيئة إعلامية ومؤسسية.

 

ومن هنا يصبح اعتراض المنتقدين على «الفضفضة» مفهومًا: يقولون عمليًا "إن المطلوب ليس أن يدعو الوزير الصحفيين إلى الحوار، وإنما أن تتغير الشروط التي تجعل الحوار ممكنًا أصلًا".

أزمة وجودية خانقة، فيما يبدو مشهد "التكنوقراطي" ضياء رشوان كأنه التجسيد الحي والمثالي لهذه الأزمة، بل وأحد أبرز مهندسيها الإداريين.

فالرجل الذي بدأ مسيرته متدثراً بعباءة الليبرالية الأكاديمية وباحثاً في مركز الأهرام، وانتهى به المطاف "حارساً لبوابات المعابد السياسية" وموظفاً بدرجة وزير، يمثل نموذجاً صارخاً لتحولات النخبة البراجماتية التي تقتات على تقلبات المراحل السياسية، بحسب المراقبين.

راقص على السلالم وحارس البوابات الأمنية، في بلد تُقاس فيه المواقف بالمواقع، يمتلك ضياء رشوان فائضاً من المكاتب؛ من مكتب رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في شارع صلاح سالم، إلى ردهات الأكاديمية الوطنية للتدريب، حيث يدير دفة "الحوار الوطني".

مفارقة رشوان تبدأ من تبدّل نظرته لـ "السلالم"؛ فبعد أن صعد إلى مجده النقابي عام 2009 على سلالم نقابة الصحفيين كرمز لـ "تيار الاستقلال المعارض"، تحول اليوم إلى ما يشبه "المراقب الأمني" الذي يقف أعلى السلم، ليرقب بأعين السلطة حركة الصحفيين ويضبط إيقاع المهنة بما يتوافق مع الرواية الرسمية.

وبينما يتباكى رشوان في العلن على "الأزمة الوجودية" للإعلام، تكشف كواليس إدارته فصاماً نخبوياً بامتياز، فالرجل الذي يشتكي من المنظومة، يلهث في ذات الوقت خلف مكاسبها، مستعيناً بجيش من المستشارين والمساعدين يضم 13 شخصاً ليديروا مكتبه في الخفاء رغم النفي الرسمي.

من صنع الأزمة التي يشتكي منها؟

 

الباحث والسياسي د.أسامة رشدي @OsamaRushdi يبدأ من المفارقة الأساسية في حديث ضياء رشوان عن «الأزمة الوجودية» للإعلام: إذا كانت الدولة قد امتلكت، خلال السنوات الماضية، قدرًا واسعًا من أدوات التأثير في المجال الإعلامي، وأنشأت أو أعادت تنظيم هيئات ومجالس ومؤسسات عديدة، وأصبحت لها أذرع في الإعلام الرسمي والخاص، فكيف يصبح السؤال فجأة: لماذا يعاني الإعلام من أزمة وجودية؟

https://x.com/OsamaRushdi/status/2103014486290346448

 

ولا يرى رشدي المشكلة في نقص المؤسسات أو الهياكل أو الموارد، على العكس، هو يضع كثرة المؤسسات والهيئات والإنفاق في مواجهة النتيجة التي يراها في الإعلام المصري: تراجع الاهتمام بالشأن العام، وانحسار المساحة المتاحة للرأي المخالف، واتجاه وسائل إعلام إلى موضوعات أقل حساسية لتجنب الاصطدام بالسلطة.

ويضيف أنه تصبح المفارقة أكثر حدة، الدولة التي تملك المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، والمؤسسات الصحفية والإعلامية، وماسبيرو، ومدينة الإنتاج الإعلامي، والنقابات، ووزارة الدولة للإعلام، وغيرها من أدوات التأثير والتنظيم، لا تستطيع في النهاية أن تنتج إعلامًا يثق به الجمهور.

 

ومن هنا يأتي سؤال "رشدي" الضمني: هل الأزمة في الإعلام نفسه، أم في البيئة السياسية التي يعمل داخلها الإعلام؟

 

رشدي يربط بين الأمرين بصورة مباشرة، فهو يرى أن الإعلام الذي يعمل في بيئة من الخوف والقيود لا يستطيع أن يؤدي وظيفته الطبيعية في الرقابة والمساءلة، لأن الصحفي قبل أن يسأل: «ما الحقيقة؟» قد يصبح مضطرًا إلى أن يسأل: «ما الذي يمكن نشره دون أن أدفع ثمنًا؟».

يركز السياسي والحقوقي أسامة رشدي على البُعد الحقوقي والإنساني، ويفكك النبرة الإقصائية التي يتحدث بها رئيس هيئة الاستعلامات: مواجهة خطاب الاستئصال، يرى رشدي في تصريحات ضياء رشوان (مثل وصفه للعلاقة مع الإخوان بـ "الطلاق البائن" والتحريض على بقائهم في السجون) تجسيداً صارخاً لجرائم "الفاشية السياسية" وممارسات التمييز ضد المواطنين على أساس فكري، وهي خطابات تحرض على الإبادة والإقصاء بدلاً من لمّ شمل المجتمع.

وهنا يصل أسامة رشدي إلى النقطة الأهم في طرحه: لا يمكن أن تطلب من إعلام أن يكون مهنيًا وشفافًا وناقدًا، بينما يكون التعبير عن الرأي المخالف معرضًا لعواقب أمنية أو قانونية، ولذلك يربط رشدي بين ما يسميه أزمة الإعلام وبين ما يراه أزمة أوسع مرتبطة بالحريات العامة.

المشكلة الأولى هي فقدان الثقة

 

المستشار الإعلامي للرئيس محمد مرسي الصحفي ومهندس الرؤية البصرية أحمد عبد العزيز @AAAzizMisr يضع يده على نتيجة أخرى للأزمة: الجمهور، بحسب توصيفه، لم يعد يصدق الإعلام المصري.

https://x.com/AAAzizMisr/status/2102814447823634458

ويصوغ عبد العزيز المشكلة في ثلاث حلقات: الإعلام يفقد المصداقية، وفقدان المصداقية مرتبط بما يعتبره انتشارًا للمعلومات غير الدقيقة أو الكاذبة، والحل الذي يطرحه هو المهنية والموضوعية والشفافية.

 

لكن عبد العزيز لا يتوقف عند الجانب المهني؛ إذ يرى أن العائق أمام هذه العناصر هو البيئة السياسية نفسها، وبذلك يصبح الإعلام أمام معادلة مغلقة: الجمهور يريد إعلامًا صادقًا، والإعلام يحتاج إلى حرية حتى يمارس التحقق والنقد، بينما البيئة التي يعمل فيها ــ وفق تقييمه ــ لا تسمح بالقدر الكافي من هذه الحرية.

ويكشف "عبد العزيز" زيف المبررات الاقتصادية والسياسية عندما ينطلق من موقعه كشاهد عيان على تفاصيل مرحلة الحكم وما تلاها، وتتركز آراؤه في الرد على مزاعم ضياء رشوان حول أسباب أحداث 2013.

أحمد عبد العزيز يرى أن منصات رشوان (مثل الحوار الوطني وهيئة الاستعلامات) ليست إلا أدوات "بروباجندا" مفضوحة، تهدف لتجميل وجه النظام القمعي أمام الغرب، والتعمية على غياب المشروعية السياسية

ومن هنا فإن «الأزمة الوجودية» عنده ليست مجرد ضعف في أداء الصحفي أو المذيع، بل أزمة ثقة بين المؤسسة الإعلامية والجمهور.

ماذا يحدث لصاحب الرأي الآخر؟

 

ويطرح الحقوقي جمال عيد الإجابة المباشرة ويذهب إلى مستوى أكثر تأسيسًا، فبدل أن يناقش فقط دعوة رشوان إلى فتح المجال أمام «الرأي والرأي الآخر»، يطرح سؤالًا سابقًا على عملية الحوار نفسها، ماذا يحدث لصاحب الرأي المخالف بعد أن يعبر عن رأيه؟

يعترض عيد على دعوة رشوان إلى الحوار متسائلًا عن وجود ضمانات تحول دون تعرض أصحاب الآراء المختلفة للقبض أو الحبس باستخدام اتهامات من قبيل "الانضمام إلى جماعة محظورة" أو "نشر أخبار كاذبة"، معتبرا أن هذه النقطة مهمة لأنها تنقل النقاش من شكل الإعلام إلى شروط وجود الإعلام.

ويضيف أنه إذا كان الصحفي يستطيع أن يتحدث فقط داخل الحدود التي لا تعرضه للعقوبة، فإن وجود برامج كثيرة وحوارات كثيرة لا يعني بالضرورة وجود تعددية إعلامية حقيقية، التعددية لا تقاس فقط بعدد المنابر، وإنما أيضًا باتساع المجال الذي يستطيع أصحاب الآراء المختلفة التحرك داخله بأمان.

 

وهنا يصبح سؤال عيد أكثر عمقًا من السؤال عن جودة البرامج أو أداء الصحفيين: هل يستطيع الإعلام أن يكون حرًا إذا لم يكن صاحبه حرًا في التعبير؟

أعطني أمارة

الكاتب ونائب رئيس المجلس الأعلى للصحافة الصحفي قطب العربي @kotbelaraby يركز على المسافة بين الخطاب والممارسة، فهو يرى أن فضفضة رشوان حول إصلاح الإعلام وفتح المجال أمام الرأي والرأي الآخر لا تكفي لإقناع الوسط الإعلامي الذي شهد، بحسب روايته، حالات حبس وحجب ومنع من الظهور والكتابة.

 

ومن هنا يستعير تعبيرًا شعبيًا بالغ الدلالة، "أعطني أمارة"؛ أي أعطني علامة عملية تثبت أن الكلام ليس مجرد خطاب.

 

وبحسب تصوره، فإن العلامة يمكن أن تكون في صورة إجراءات ملموسة: الإفراج عن الصحفيين المحتجزين، رفع الحجب عن المواقع، إتاحة التراخيص، أو السماح لمن مُنعوا من الكتابة والظهور بالعودة إلى المجال العام.

 

ولا يرفض قطب العربي من حيث المبدأ الحديث عن إصلاح الإعلام؛ لكنه يرى أن الإصلاح لا يمكن إثباته بالكلام عن الإصلاح، لا بد أن يظهر في قواعد العمل وفي مصير الصحفيين وفي وضع المؤسسات الإعلامية.

 

https://x.com/kotbelaraby/status/2091954213655806392

رشوان ممتص الصدمات السياسي

 

ويقدم الصحفي سلامة عبد الحميد @salamah قراءة مختلفة لشخصية رشوان، فبدل أن يسأل فقط: هل رشوان مع السلطة أم ضدها؟ يقترح فهمًا لوظيفته،   وفي وصفه؛ تختلف طريقة رشوان عن شخصيات إعلامية أخرى، فهو لا يظهر بالضرورة باعتباره رجل المواجهة المباشرة، وإنما باعتباره رجل «المنطقة الرمادية»، ومن هنا تأتي عبارة «ممتص الصدمات السياسي» التي يستخدمها سلامة.

 

ويرى أن الأزمة عند رشوان تتحول إلى حوار، والغضب إلى اجتماع، والانتقاد إلى بيان، والمطالب إلى توصيات، والتوصيات إلى آلية متابعة، أي أن المشكلة لا تختفي بالضرورة، لكنها تنتقل من الشارع أو المجال السياسي المفتوح إلى غرفة اجتماعات ذات جدول أعمال.

 

ويقدم سلامة هذا بوصفه وظيفة سياسية وليست مجرد أسلوب شخصي: السلطة لا تحتاج دائمًا إلى شخص يقمع الاعتراض بصورة مباشرة؛ أحيانًا تحتاج إلى شخص قادر على استيعاب الاعتراض وإبقائه داخل مسار مؤسسي يمكن التحكم في إيقاعه.

 

ومن هنا تصبح قيمة رشوان ــ في تفسير سلامة ــ في قدرته على إدارة الاحتكاك بين السلطة ومجموعات أخرى، وليس بالضرورة في قدرته على حل أسباب الاحتكاك.

 

https://x.com/salamah/status/2091533293246157005

 

مهندس "التحوير" وممتص الصدمات خطورة ضياء رشوان على المجال العام لا تكمن في كونه صوتاً فجاً من أصوات السلطة التقليدية، بل تكمن تحديداً في "موهبته الرمادية"، رشوان ليس قامعاً بالهراوة، بل هو "ممتص صدمات سياسي محترف".

وظيفته الأساسية لخدمة السلطة ليست ردم الحفر أو إصلاح الطريق، بل جعل ارتطام السيارة بها أقل إيلاماً.

وعليه، يتحول مفهوم "الحوار الوطني" تحت يديه من الفصحى (تبادل الرأي) إلى العامية المصرية الدارجة: "التحوير" (اللف والدوران، واستهلاك الوقت، وقتل الفراغ).

 

تدخل الأزمة الكبرى إلى مكتب رشوان وهي غضب شعبي عارم، فتخرج منه مجرد بند في جدول أعمال أو آلية متابعة لمناقشة آليات التفعيل، هو يفتح للمعارضين "غرفة انتظار محترمة" ويسمح لهم بعرض بضاعتهم السياسية، موهماً إياهم بالجدوى، بينما الحقيقة أن المشتري الوحيد (السيسي) له الحق المطلق في إعدام البضاعة التالفة أو استهلاك ما يشاء.

التحوّل السياسي

الكاتب الليبرالي الرافض للانقلاب وائل قنديل @waiel65 يقرأ رشوان من زاوية مختلفة: زاوية التحول السياسي،  ويستعيد قنديل انتخابات نقابة الصحفيين عام 2009، حين كان رشوان يُنظر إليه، باعتباره مرشح تيار المعارضة والاستقلال في مواجهة مكرم محمد أحمد، ثم يقارن ذلك بوضعه بعد سنوات عندما أصبح رئيسًا للهيئة العامة للاستعلامات.

 

وفي قراءة قنديل، تكمن القضية في المفارقة بين الصورة التي كان يمثلها رشوان في مرحلة سياسية سابقة وبين موقعه اللاحق داخل مؤسسات الدولة.

وائل قنديل في نص "الفاشية بدون معلم" الماضي السياسي ورشوان بعد السلطة، يطرح سؤالًا عن علاقة رشوان بالسلطة وبالحوار الوطني، ويستعيد فيه مواقف رشوان من جماعة الإخوان المسلمين ومن الحوار الوطني.

ويرى قنديل تناقضًا بين رشوان الذي كان في مرحلة سابقة يتعامل مع شخصيات إخوانية ويجري معها حوارات، وبين رشوان الذي أصبح لاحقًا يستخدم خطابًا شديد الصرامة تجاه الجماعة.

 

https://x.com/waiel65/status/1669862916293785600

الصراع المكتوم في نفس رشوان هو بحسب المقالات والرؤى؛ الرغبة في الاستفادة من الأزمة، واللهاث خلف رواتب إعلاميي السلطة الفلكية، عبر تقلب المناصب والمقاعد بين القاهرة ودبي وأبوظبي والرياض، البدايات المنسية: التلميذ المنصت عند الإخوان ذاكرة الأيام لا تموت، وإن جرت مصادرتها باسم "الأمن القومي".

يعود بنا التاريخ إلى عام 2009، حين كان رشوان مستشاراً لقناة "الفراعين" ومذيعاً يطلي مواقفه بالمرونة المدنية، في ذلك الوقت، كانت عمارة نظام مبارك تتداعى، وكان الإخوان المسلمون هم القوة البديلة المرتقبة.

هناك، جلس رشوان تلميذاً منصتاً، بوقار وإجلال، أمام الشيخ يوسف القرضاوي ليحاوره عن فكر سيد قطب، فاتحاً الاستوديوهات للدفاع عن أفكار الجماعة ومقترباً من مكتب الإرشاد كعمل "وطني" يضمن له مقعداً في قطار المستقبل، في ذلك العام، حظي رشوان بدعم تيار الاستقلال والإخوان معاً في معركة نقابة الصحفيين ضد مرشح النظام القوي آنذاك مكرم محمد أحمد، معتبراً التنسيق معهم نبلًا سياسياً، لكن قطار التاريخ لم يتوقف حيث اشتهى رشوان، وتبدلت العروش، فتبدلت معها السرديات والمواقف.

الفاشية بلا معلم وتزييف الرقم والواقع بعد منقلب 2013، ألقى رشوان بعباءته القديمة ليتحول إلى مشرّع فكري لـ "الاستئصال السياسي".

انبرت لغته في صياغة الفاشية المكارثية، واصفاً العلاقة مع تيار واسع من المجتمع بـ "الطلاق البائن"، ومعتبراً قرار السادات بإخراج الإخوان من السجون "خطيئة تاريخية كبرى"، تحول الحوار في قاموسه إلى وسيلة للمحو؛ فإما التماهي المطلق مع السلطة أو السجون والقبور، ولم يتوقف هذا التحول عند حدود الإقصاء الفكري، بل امتد لتوظيف الأرقام والملفات وتزييفها لخدمة البروباجندا الرسمية.

أزمة تحقق من المعلومات

ففي الوقت الذي برر فيه سقوط حكم الإخوان بالتدهور الاقتصادي وتآكل الاحتياطي والدين العام، تعامى رشوان تماماً عن ذات المؤشرات (الكاذبة هناك) التي تضاعفت بشكل مرعب في ظل النظام الحالي الذي يخدمه (الواقعية هنا).

وفي سياق آخر، لم يجد حرجاً في الخروج عبر الشاشات الإماراتية ليقلص أعداد الفلسطينيين المقيمين في مصر قبل 7 أكتوبر إلى 60 ألفاً فقط، لتأتي المنظمات الدولية (الهجرة الدولية ومفوضية اللاجئين) وتصفع تصريحاته بالحقائق، مؤكدة أن العدد الحقيقي يتجاوز 135 ألفاً.

وضبطت منصة صحيح مصر @SaheehMasr الرقمية زاوية مختلفة تمامًا فهو لا يناقش شخصية رشوان أو موقعه السياسي، وإنما يختبر تصريحًا محددًا له حول أعداد الفلسطينيين المقيمين في مصر.

 

وهنا يصبح السؤال: هل الإعلام الرسمي أو المسؤول الإعلامي نفسه يخضع للتدقيق؟

تقول المنصة: "إن رقمًا ذكره رشوان عن عدد الفلسطينيين المقيمين في مصر لا يتطابق مع بيانات أحدث أوردتها المنظمة الدولية للهجرة، وتضع أمام القارئ الأرقام والمصادر البديلة".

 

هذه الزاوية مهمة لأن الإعلام الذي يريد استعادة ثقة الجمهور لا ينبغي أن يكتفي بنقل تصريحات المسؤولين، بل يجب أن يتحقق منها أيضًا، وهي أزمة وجودية في ضرب المسؤول للرقم عشوائيا لاسيما وأنه يقول ولا يفعل.

https://x.com/SaheehMasr/status/1968310377961791814

 

وتصريحات رشوان بشأن بعض القضايا الاقتصادية  والأمنية والخارجية، يمثل فيها رشوان وزير السيسي ومتحدث باسم الحكومة، رغم خاصة مع وجود متحدث رسمي للحكومة وللجيش وللسيسي.

 

وهنا تظهر مشكلة أخرى في بنية الوظيفة الإعلامية (أزمة وجودية ، بمعنى لماذا أنت هنا؟!): إذا كان المسؤول الذي يفترض أن يساعد في تنظيم المجال الإعلامي يتحول في الوقت نفسه إلى مدافع عن السياسات الحكومية في ملفات مختلفة، فإن المسافة بين الإعلام والاتصال الحكومي تصبح أكثر التباسًا، وهو قمع إعلامي يشبه الوضع خليجيا فالصحفي هناك ينتظر البيان الصحفي الصادر عن المؤسسة ولا يمارس مهنة المتحري الصحفي الذي ينتقد إذ لا مجال للنقد إلا في الغرف المغلقة.

 

وإذا كانت المشكلة مجرد سوء تنسيق بين المتحدثين الرسميين، فإن إنشاء آليات للتنسيق قد يكون علاجًا مناسبًا وإذا كانت المشكلة نقص المعلومات، فإن إتاحة المعلومات قد تكون علاجًا وإذا كانت المشكلة ضعف المهنية، فإن التدريب وتطوير الأداء قد يكونان علاجًا وإذا كانت المشكلة ضعف الثقة، فإن الشفافية والتحقق والمهنية يمكن أن تساعد في استعادتها.

 

ولكن ماذا لو كانت المشكلة أعمق من ذلك كله؟ ماذا لو كان الصحفي يعرف المعلومة، لكنه لا يستطيع نشرها؟ وماذا لو كان يستطيع نشرها، لكنه يخشى أن يؤدي نشرها إلى منعه من العمل أو حبسه؟  وماذا لو كانت وسائل الإعلام تستطيع الحديث عن «الرأي الآخر» فقط ما دام هذا الرأي لا يصطدم بالحدود السياسية والأمنية المفروضة على المجال العام؟، عند هذه النقطة لا تعود المشكلة مجرد أزمة مهنية للإعلام، وإنما تصبح أزمة في الشروط التي تجعل الإعلام إعلامًا أصلًا.

 

https://x.com/egy_technocrats/status/2021910248152613071