أعادت مذكرة التفاهم التي وقعها وزير النقل كامل الوزير مع شركة «هيونداي روتيم» الكورية الجنوبية، بشأن توريد 44 قطار ترام يعمل بالهيدروجين لصالح خط ترام العاصمة الإدارية الجديدة، فتح النقاش حول أولويات الإنفاق العام في مصر، ومدى جدوى التوسع في مشروعات النقل المكلفة في ظل الضغوط المالية وتراكم الديون، وما إذا كانت اتفاقيات التعاون مع الخارج تحقق عائدًا اقتصاديًا واضحًا يتناسب مع تكلفتها.
وبحسب المعلومات المنشورة عن المشروع، من المخطط أن يصبح ترام العاصمة الإدارية أول ترام هيدروجيني في الشرق الأوسط وإفريقيا، وأن يمتد مساره جنوب النهر الأخضر، مرورًا بمناطق لافيستا والأحياء السكنية الرابع والخامس والسادس والسابع والثامن، والمدينة الطبية وحي السفارات والحي الحكومي، وصولًا إلى مقر مجلس الوزراء، مع تبادل الخدمة مع المونوريل. ويتضمن المخطط 29 محطة تستهدف خدمة الأحياء السكنية والمناطق الحكومية والخدمية داخل العاصمة الجديدة.
لكن الإعلان عن المشروع أثار تساؤلات تتجاوز التكنولوجيا المستخدمة، لتصل إلى حجم الطلب المتوقع على الخدمة، والجدوى المالية من إنشائها، ومصادر تمويلها، والجهة التي ستتحمل تكاليفها النهائية. فالتحدي لا يتعلق فقط بإمكانية تنفيذ مشروع نقل حديث، وإنما بمدى الحاجة إليه مقارنة بمشروعات أكثر إلحاحًا تخدم ملايين المصريين يوميًا، وبمدى وضوح العائد المتوقع من إنفاق أموال جديدة في مدينة لا تزال معدلات الإشغال الفعلية فيها محل نقاش.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع الحديث عن توسع وزارة النقل في مشروعات القطارات الكهربائية والمونوريل والسكك الحديدية الجديدة، وما ارتبط بعدد منها من اتفاقيات تمويل وقروض خارجية. فالتعاون الدولي يمكن أن يوفر التكنولوجيا والخبرات، لكنه لا يعفي الحكومة من ضرورة إعلان التكلفة الإجمالية، وشروط التمويل، وتوقعات أعداد الركاب، وخطط التشغيل، ومصادر سداد الالتزامات، خصوصًا عندما تكون المشروعات مرتبطة بمناطق عمرانية جديدة وليست بشبكات نقل قائمة ذات كثافة ركاب مرتفعة.
"مين هيركبه بعد الساعة 3؟"
وضع محمد رجب @mrjlhf السؤال المتعلق بالطلب الفعلي على المشروع في صدارة النقاش، معتبرًا أن القضية لا تتوقف على كون الترام هيدروجينيًا أو يعمل بتكنولوجيا أخرى، وإنما على عدد الركاب الذين سيستخدمونه.
وتساءل عن جدوى إنشاء خط جديد داخل العاصمة الإدارية، في ظل اعتماد الموظفين على أتوبيسات وميني باصات تنقلهم من أنحاء القاهرة إلى مقار عملهم، سواء عبر وسائل توفرها جهات العمل أو من خلال سياراتهم الخاصة، مشيرًا إلى أن حركة المدينة بعد انتهاء ساعات العمل تطرح تساؤلات بشأن حجم الطلب الذي سيخدمه المشروع.
وكتب رجب في منشوره يوم 8 أكتوبر: «بصرف النظر عن هيدروجيني أو بالفحم مين اللي حيركبه في العاصمة الإدارية بعد الساعة 3 ظهرا»، في إشارة إلى ضرورة قياس الجدوى وفق الاستخدام الفعلي، لا وفق حداثة التكنولوجيا أو ما يضيفه المشروع إلى الصورة العمرانية للعاصمة الجديدة.
وفي الاتجاه نفسه، تساءل يوسف @UsefHosnY عن عدد سكان العاصمة الإدارية الحالي، وما إذا كانت الكثافة السكانية المتوقعة مستقبلًا تبرر إنشاء خط ترام بهذا الحجم. وقارن ذلك بالقاهرة الجديدة، التي أشار إلى أنها لم تصل، وفق تقديره، إلى مليوني نسمة رغم مرور أكثر من عشرين عامًا على نشأتها.
https://x.com/UsefHosnY/status/2108211992821485760
أما الفنان عمرو واكد @amrwaked، فعبّر عن اعتراض حاد على المشروع، متسائلًا عن جدوى إنشاء ترام في العاصمة الإدارية، وكتب في منشور بتاريخ 7 أكتوبر: «ترام في العاصمة الإدارية اللي فيها 10 آلاف واحد؟»، في إشارة إلى تقديره لحجم السكان الموجودين حاليًا بالمدينة.
https://x.com/amrwaked/status/2107917274321666272
وتتقاطع هذه الانتقادات عند سؤال جوهري: هل بُنيت دراسات المشروع على أعداد السكان الحاليين أم على توقعات النمو المستقبلي؟ وما معدل الإشغال الذي تحتاج إليه الخدمة لتغطية مصروفات التشغيل والصيانة والتمويل؟ وهل توجد دراسة منشورة توضح حجم الطلب المتوقع على الخط، مقارنة بتكلفة إنشاء الشبكة وشراء الوحدات؟
ولا تعني هذه الأسئلة أن المدينة لن تحتاج إلى وسائل نقل جماعي مع توسعها، لكنها تجعل الإفصاح عن الدراسات السكانية والاقتصادية ضرورة لتقييم القرار، بدل الاكتفاء بالترويج لكون المشروع الأول من نوعه إقليميًا.
وانتقد مصطفى عثمان @mostafatwits، في منشور بتاريخ 8 أكتوبر، التوسع في مشروعات النقل الجديدة، معتبرًا أن الأولوية كان ينبغي أن تكون لتطوير وسائل النقل القائمة، ومن بينها ترام الإسكندرية ومترو القاهرة، اللذان يخدمان أعدادًا كبيرة من المواطنين. وكتب منتقدًا ما وصفه بتدمير وسائل النقل التاريخية والتوسع في إنشاء مشروعات جديدة داخل العاصمة الإدارية.
https://x.com/mostafatwits/status/2108248657686335710
ويطرح هذا الاعتراض مسألة ترتيب الأولويات بين إنشاء شبكات جديدة في المدن الحديثة وتحديث البنية التحتية القائمة في المدن المكتظة. فالمقارنة لا ينبغي أن تقوم على حداثة المشروع وحدها، وإنما على عدد المستفيدين، وتكلفة نقل الراكب، وقدرة الخدمة على تخفيف الازدحام، وحجم الدعم الحكومي المطلوب لاستمرار تشغيلها.
من يتحمل الفاتورة؟
لم يتوقف الجدل عند عدد الركاب المتوقع، بل امتد إلى الجهة التي ستتحمل التكلفة النهائية للمشروع. فقد تساءل حساب @deltaseparatist عن سبب تولي وزارة النقل التفاوض بشأن خط ترام يخدم العاصمة الإدارية، وما إذا كانت الشركة المسئولة عن إدارة المدينة ستتحمل تكلفة المشروع، أم أن العبء سيقع في النهاية على الموازنة العامة.
وكتب الحساب أن المشروع يقع بالكامل داخل العاصمة الإدارية، متسائلًا عن طبيعة مساهمة الشركة في تمويله، في ظل ما أشار إليه من أعباء تتحملها الدولة في الإنفاق على المدينة.
من جهتها، طرحت صفاء حسن @HasanSaffa76637 السؤال نفسه من زاوية المواطن، متسائلة عمن سيدفع ثمن القطارات: الشعب الذي يتحمل الضرائب والأعباء الاقتصادية، أم الشركة التي تدير العاصمة الإدارية وتستفيد من خدماتها ومشروعاتها؟
وذهب إسحاق @isaac30208171 إلى التشكيك في ترتيب المسئوليات المالية، متسائلًا عما إذا كان من المفترض أن تتولى شركة العاصمة الإدارية المشروع، وكتب: «لو كان هذا في النية لما سافر كامل الوزير ليتعاقد بالنيابة عن شركة العاصمة الإدارية!».
https://x.com/isaac30208171/status/2108274153325560241
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في ضوء ضرورة التمييز بين الجهة التي تتولى التعاقد والتنفيذ، والجهة التي تتحمل التمويل، والجهة التي ستستفيد من الخدمة. فتوقيع وزارة النقل مذكرة تفاهم لا يعني وحده أن التكلفة ستُحمّل بالكامل على الموازنة العامة، كما لا يثبت أن شركة العاصمة الإدارية ستتحملها. وحسم المسألة يحتاج إلى الاطلاع على اتفاق التمويل النهائي، وهيكل ملكية المشروع، والتزامات كل طرف، وشروط سداد قيمة القطارات وتكاليف البنية التحتية والتشغيل.
وتتصل القضية كذلك بانتقادات أوسع لسياسة الاقتراض في قطاع النقل. فقد كتب محمود شوكت @mshawkat أن مشروعات النقل أصبحت، في نظره، مبررًا متكررًا للاقتراض، متوقعًا أن تتوسع الحكومة في الاستدانة مجددًا تحت عنوان مشروعات المترو الجديدة.
وتكمن أهمية هذا الاعتراض في أن القروض ليست أموالًا مجانية، حتى عندما تكون موجهة إلى مشروعات تنموية؛ فهي تنشئ التزامات مستقبلية تتوقف كلفتها على أسعار الفائدة، وفترات السماح والسداد، وشروط العملة، ومدى قدرة المشروع على توليد إيرادات أو تحقيق وفورات اقتصادية تغطي تلك الالتزامات.
وكانت تقارير عن مشروعات النقل الكبرى قد وثقت تمويلات بمليارات الدولارات واليورو للقطار الكهربائي السريع والمونوريل والقطار الكهربائي الخفيف ومترو الإسكندرية. ووزارة النقل مدينة بمبلغ إجمالي محدد، لا يقل عن 20 مليار دولار.
والسؤال الذي يطرحه منتقدو الحكومة هنا ليس مجرد الاعتراض على الاقتراض، وإنما المطالبة بكشف العائد المتوقع من كل قرض، ومقدار ما يضيفه المشروع إلى الاقتصاد، وما إذا كان يخلق فرص عمل وإنتاجًا محليًا، أم يقتصر دوره على شراء معدات أجنبية وإنشاء بنية تحتية مرتفعة التكلفة دون ضمان كفاية الإيرادات لتغطية نفقات تشغيلها.
لماذا لا نصنعها في مصر؟
ومن بين الأسئلة التي أثارها المشروع، مدى استفادة الصناعة المصرية من الاتفاق مع الشركة الكورية، وما إذا كان التعاون سيقتصر على استيراد القطارات والأنظمة، أم سيمتد إلى التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا وتأهيل العمالة المصرية.
وتساءل طارق رضوان @tarekra38101450 عن أسباب عدم تصنيع القطارات أو تجميعها في مصر، باستخدام العمالة المصرية الماهرة والخامات المحلية قدر الإمكان، معتبرًا أن مثل هذه المشروعات يمكن أن تكون فرصة لبناء قاعدة صناعية، بدلًا من الاكتفاء بشراء منتجات جاهزة من الخارج.
وتحقق مكاسب من الاتفاق كوريا ليس أمرًا تلقائيًا، بل يتوقف على بنود العقود، وشروط نقل المعرفة الفنية، ونسب المكون المحلي، والتزامات الشركة الأجنبية بتدريب العمالة المصرية، ومدى قدرة المصانع المحلية على المشاركة في الإنتاج. ولذلك فإن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة من وزارة النقل هو: ما الذي ستكسبه الصناعة المصرية تحديدًا من صفقة الترام الهيدروجيني، إلى جانب الحصول على القطارات نفسها؟
كما أن الإعلان عن مذكرة تفاهم لا يكفي لتحديد حجم هذه المكاسب؛ إذ يتطلب الأمر الاطلاع على الاتفاق النهائي، إن أُبرم، لمعرفة ما إذا كان يتضمن تصنيعًا محليًا أو تجميعًا أو نقلًا للتكنولوجيا، أم أن الأمر سيقتصر على التوريد والاستعانة بالشركة الأجنبية في أعمال الإنشاء والتشغيل والصيانة.
ومن هذه الزاوية، تصبح المقارنة بين التعاون مع كوريا وغيرها من الشركاء الدوليين مرتبطة بمدى قدرة مصر على تحويل الإنفاق الخارجي إلى قيمة مضافة محلية، بدلًا من استمرار الاعتماد على الاقتراض لشراء معدات مستوردة، ثم تخصيص موارد إضافية لصيانتها وتشغيلها.
هل ابتلعت المشروعات الجديدة نصيب بقية المصريين؟
وذهب عدد من المعلقين إلى ربط مشروع الترام الهيدروجيني بما يعتبرونه تركيزًا مفرطًا للاستثمارات العامة في العاصمة الإدارية والمدن الجديدة، على حساب احتياجات المناطق الأكثر كثافة سكانية والأشد احتياجًا إلى الخدمات الأساسية.
وكتب حساب equalizer @AldinNasharwiy، تعليقًا على منشور رانيا الخطيب @ElkhateebRania بشأن سفر عبد الفتاح السيسي إلى كوريا والتعاقد على ترام هيدروجيني للعاصمة الإدارية، أن العاصمة الجديدة والعلمين استحوذتا، بحسب رأيه، على حصة كبيرة من الأموال التي كان ينبغي توجيهها إلى مشروعات يستفيد منها ملايين المصريين.
https://x.com/AldinNasharwiy/status/2107905698893906270
وتعكس هذه الآراء اعتراضًا على ما يراه أصحابها اختلالًا في توزيع الاستثمارات بين المدن الجديدة والمناطق المأهولة بالفعل. فبينما تتجه مليارات إلى إنشاء شبكات نقل متطورة في العاصمة الإدارية، ما زالت الحاجة قائمة إلى تطوير وسائل النقل الجماعي في القاهرة الكبرى والإسكندرية والمحافظات، وتحسين انتظام الخدمة، ورفع كفاءتها، وتوفير وسائل مريحة وآمنة بأسعار تناسب أصحاب الدخول المحدودة.
وفي السياق ذاته، رأى أحمد لطفي @AHMADLO13219562 أن الأولوية لا ينبغي أن تكون التوسع المتواصل في الأتوبيس الترددي والمونوريل والقطارات الكهربائية والكباري والمحاور، بل توفير وسائل مواصلات مريحة ومكيفة، وشوارع نظيفة ومنضبطة، وتطبيق قواعد المرور بصورة صارمة.
https://x.com/AHMADLO13219562/status/2107950845417713799
كما انتقد حساب @DASH220044 ما وصفه بتوجيه أموال الضرائب إلى مشروعات العاصمة الإدارية، بدلًا من أن يشعر المواطن بعائد مباشر في الخدمات ومستوى المعيشة، معتبرًا أن استمرار الاقتراض بالتوازي مع ارتفاع الأعباء على المواطنين يثير أسئلة عن أولويات الإنفاق العام.
وتتجاوز هذه الاعتراضات الجدل بشأن مشروع واحد، لتطرح قضية العدالة في توزيع الموارد: هل تُقاس نجاحات الحكومة بعدد المشروعات الكبرى التي تنفذها، أم بمدى انعكاس الإنفاق على حياة المواطنين، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وزيادة الإنتاج المحلي؟