غرامة “مدى مصر” وخسائر “المتحدة”.. لماذا تستنفر اللجان الإلكترونية لمحاسبة الصحافة وتتجاهل إهدار مليارات المال العام؟

- ‎فيتقارير

احتجاز لينا عطا الله وغرامة 3 ملايين جنيه يعيدان ملف حرية الصحافة إلى الواجهة.. تساؤلات عن ازدواجية الرقابة بين تمويل موقع مستقل وخسائر إمبراطورية إعلامية تمولها أموال المصريين

أعادت الإجراءات القضائية التي استهدفت موقع «مدى مصر» ورئيسته لينا عطا الله فتح ملف حرية الصحافة في مصر، وسط انتقادات لما يصفه معارضون باستخدام القضايا القانونية للضغط على المؤسسات الإعلامية المستقلة، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات عن الرقابة على المال العام والخسائر المتراكمة داخل الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.

وبينما انشغلت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي بالتساؤل عن مصدر مبلغ الثلاثة ملايين جنيه الذي سددته «مدى مصر» لتغطية الغرامة المفروضة عليها، يرى منتقدون أن هذا التدقيق الانتقائي يتجاهل سؤالًا أكبر: أين تذهب مليارات الجنيهات التي تتحملها الدولة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لدعم منظومة إعلامية واسعة تهيمن عليها الشركة المتحدة؟

ولا تتعلق القضية، وفق هذا الطرح، بمجرد مقارنة مالية بين موقع صحفي وشركة إعلامية، بل تمتد إلى معايير المساءلة في المجال العام، وحدود استقلال الصحافة، ومدى خضوع المؤسسات المختلفة للقواعد نفسها من الشفافية والرقابة.

 

"مدى مصر".. غرامة بالملايين وحكم غيابي سابق

بحسب المعلومات الواردة في المادة الأصلية، استمر احتجاز لينا عطا الله، رئيسة تحرير موقع «مدى مصر»، حتى وقت متأخر من مساء الثلاثاء، عقب صدور حكم بإغلاق مقر الموقع ومصادرة المعدات والأجهزة وتغريمه ثلاثة ملايين جنيه، على خلفية اتهامه بإدارة موقع من دون ترخيص، قبل أن تتمكن من سداد الغرامة.

وتقول المادة إن عطا الله فوجئت خلال المحاكمة بوجود حكم غيابي بالحبس لمدة عام، يعود إلى عام 2024، في اتهامات تتعلق بنشر أخبار كاذبة وإدارة موقع من دون ترخيص.

وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن ضمانات المحاكمة العادلة، وحدود تكرار الملاحقة القضائية في وقائع متشابهة، ومدى تناسب العقوبات مع الأفعال المنسوبة إلى المتهمين، فضلًا عن أثر الإجراءات المتخذة بحق المؤسسة الصحفية على قدرتها على مواصلة العمل.

ووفقًا للمادة الأصلية، تواجه «مدى مصر» ما تصفه بست قضايا خلال ست سنوات، على خلفية اتهامات متقاربة. ويرى منتقدون أن تكرار الملاحقات يفرض النظر إلى القضية في سياق أوسع، يتجاوز كل إجراء منفرد إلى طبيعة البيئة التي تعمل فيها الصحافة المستقلة.

ويقدم الموقع نفسه، بحسب مؤيديه، باعتباره مؤسسة تعتمد على التحقيقات الاستقصائية والتقارير المعمقة التي تسعى إلى كشف جوانب مختلفة من الشأن المصري. ومن هذا المنطلق، يثير استهدافه مخاوف بشأن قدرة المؤسسات الصحفية المستقلة على ممارسة دورها الرقابي، خصوصًا عندما تتعلق تغطياتها بملفات سياسية أو اقتصادية حساسة.

 

ثلاثة ملايين جنيه.. لماذا تحول مصدر الغرامة إلى قضية رأي عام؟

أثار سداد الغرامة البالغة ثلاثة ملايين جنيه تساؤلات على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مصدر الأموال التي جرى جمعها خلال فترة قصيرة، في نقاش يراه منتقدو الحملة على «مدى مصر» محاولة لتحويل الأنظار من جوهر القضية القانونية إلى التشكيك في مصادر تمويل المؤسسة الصحفية.

والتحقق من مصادر تمويل المؤسسات الإعلامية مطلب مشروع، بل يمثل أحد عناصر الشفافية التي ينبغي أن تسري على مختلف المؤسسات العاملة في المجال العام. لكن هذا المبدأ، بحسب منتقدين، يفقد اتساقه عندما يُطبق بصرامة على مؤسسة صحفية مستقلة، بينما يغيب أو يتراجع عند مناقشة الإنفاق العام والخسائر التي تتحملها شركات إعلامية كبرى.

فالسؤال عن مصدر ثلاثة ملايين جنيه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن أسئلة أخرى تتعلق بمليارات الجنيهات، وأوجه إنفاقها، والجهات التي استفادت منها، ومدى خضوعها لرقابة فعالة.

ومن هنا، لا يدور الجدل حول حق الجمهور في معرفة مصادر تمويل المؤسسات الإعلامية، وإنما حول ما إذا كانت الشفافية ستظل معيارًا عامًا يُطبق على الجميع، أم ستتحول إلى أداة انتقائية تُستخدم لملاحقة مؤسسات بعينها، بينما تحظى مؤسسات أخرى بحماية سياسية أو إدارية تحول دون مساءلتها بالقدر نفسه.

 

الشركة المتحدة.. خسائر متراكمة وأسئلة عن المال العام

في المقابل، يطرح منتقدون ملف الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي تتمتع بنفوذ واسع داخل المشهد الإعلامي المصري، باعتباره نموذجًا يستحق قدرًا مماثلًا من التدقيق المالي والرقابي.

وتشير المادة الأصلية إلى خسائر متراكمة بمليارات الجنيهات، فضلًا عن مديونيات مستحقة لشركات حكومية أخرى، من بينها مدينة الإنتاج الإعلامي، تتجاوز نصف مليار جنيه تقريبًا، وفق الأرقام الواردة فيها.

وتفتح هذه الأرقام الباب أمام أسئلة تتعلق بأسباب الخسائر، وطبيعة الالتزامات المالية، وكيفية إدارة الموارد، ومدى الإفصاح عن النتائج المالية، وما إذا كانت هناك مراجعات مستقلة وفعالة لأداء المؤسسات التابعة أو المرتبطة بهذه المنظومة.

كما تثير تساؤلات عن العلاقة بين الخسائر التي تتكبدها المؤسسات الإعلامية والموارد العامة التي قد تتحمل جانبًا من تكلفتها، سواء عبر الموازنات أو الالتزامات المتبادلة مع شركات مملوكة للدولة.

لكن تحديد حجم الدعم الحكومي الفعلي، أو نسبة الخسائر التي يتحملها دافعو الضرائب، يتطلب بيانات مالية موثقة تكشف مصادر التمويل والتحويلات والالتزامات بين الجهات المعنية. فوجود خسائر أو مديونيات لا يكفي وحده لإثبات أن الموازنة العامة تغطيها بالكامل، لكنه يجعل الإفصاح والرقابة ضرورة لا يمكن تجاهلها.

 

من يتحمل مسئولية إدارة الإمبراطورية الإعلامية؟

لا تتوقف الأسئلة عند الخسائر والديون، بل تمتد إلى آليات الإدارة والرقابة داخل المؤسسات الإعلامية الكبرى.

وتشير المادة الأصلية إلى واقعة تتعلق بالرئيس السابق لقطاع الأخبار في الشركة المتحدة، وما أثير بشأن عقود منحها لشركات تابعة له، باعتبارها مثالًا على شبهات تستدعي الفحص والمساءلة.

ومثل هذه الوقائع، إذا دعمتها مستندات موثقة، تفرض أسئلة بشأن قواعد تضارب المصالح، وإجراءات إسناد العقود، ومدى الفصل بين المسئوليات الإدارية والمصالح الخاصة، ودور الأجهزة الرقابية في التحقق من سلامة القرارات المالية.

فإذا كانت المؤسسات الصحفية مطالبة بالكشف عن مصادر تمويلها، فإن المؤسسات التي تدير أصولًا أو تتعامل مع موارد عامة ينبغي أن تخضع بدورها لمعايير واضحة بشأن الإفصاح عن الحسابات والعقود والالتزامات المالية.

ولا ينبغي أن تتحول الانتماءات السياسية أو طبيعة الخطاب الإعلامي إلى معيار يحدد من يخضع للتدقيق ومن يُعفى منه؛ إذ إن جوهر الرقابة على المال العام هو حماية الموارد من الهدر، ومحاسبة المسئولين عن القرارات المالية، بصرف النظر عن مواقعهم أو المؤسسات التي يعملون فيها.

 

التمويل الأجنبي.. اتهام لا يعفي الحكومة من المساءلة

يضع منتقدو «مدى مصر» مسألة التمويل الأجنبي في مقدمة تساؤلاتهم بشأن الموقع، لكن هذه المسألة تفتح بدورها بابًا أوسع للمقارنة مع مصادر التمويل التي تعتمد عليها الدولة نفسها.

فالمادة الأصلية تنتقد توجيه اتهامات بالعمالة أو الارتهان للخارج إلى المؤسسات الإعلامية المستقلة، بينما تعتمد الحكومة المصرية، في ملفات مختلفة، على منح ومساعدات وتمويلات أجنبية.

غير أن المقارنة بين تمويل مؤسسة صحفية والتمويلات الحكومية لا تعني أن جميع أشكال التمويل متطابقة في طبيعتها أو شروطها؛ بل تفرض تطبيق معايير معلنة تتيح للجمهور معرفة مصادر الأموال وشروطها وأوجه استخدامها، سواء تعلقت بمؤسسة إعلامية أو بجهة حكومية.

فإذا كان التمويل الخارجي يُطرح باعتباره مسألة تمس الاستقلال أو المصالح الوطنية، فإن المعيار نفسه يستوجب مناقشة شروط التمويلات والمنح التي تحصل عليها الدولة، والالتزامات المترتبة عليها، ومدى تأثيرها في القرار العام.

أما استخدام اتهامات التمويل الأجنبي للتشكيك في الصحافة المستقلة من دون إتاحة المعلومات الكافية، فيفتح المجال أمام ازدواجية في المعايير، ويحول النقاش من الشفافية إلى تبادل الاتهامات.

 

محاكمة الصحافة واختبار استقلال القضاء

تمتد القضية، وفق منتقدي الإجراءات المتخذة بحق «مدى مصر»، إلى طبيعة العلاقة بين السلطات القضائية والأجهزة الأمنية، ومدى استقلال القضاء في القضايا التي تتصل بحرية التعبير والعمل الصحفي.

وتثير العقوبات المتعلقة بإغلاق المقر ومصادرة المعدات وتغريم المؤسسة، إلى جانب ما ورد بشأن الحكم الغيابي السابق، تساؤلات عن ضمانات الدفاع، وإجراءات إعلان الأحكام، والتناسب بين الاتهامات والعقوبات، ومدى احترام الحقوق القانونية للمتهمين.

ويرى معارضون أن تكرار الملاحقات في قضايا النشر قد يؤدي إلى تضييق المجال المتاح للصحافة المستقلة، خصوصًا عندما تقترن الإجراءات القضائية بتكاليف مالية أو تدابير يمكن أن تعرقل استمرار العمل.

لكن تقييم سلامة الإجراءات القضائية في هذه القضية تحديدًا يتطلب الاطلاع على منطوق الحكم وأسبابه، وملفات الاتهام، ومحاضر الجلسات، والإجراءات القانونية التي اتُّبعت. ومن ثم، فإن الانتقادات المتعلقة بالتدخل الأمني أو غياب المحاكمة العادلة تظل بحاجة إلى ربطها بأدلة ووثائق محددة، بدل الاكتفاء بالاستنتاجات السياسية.

ومع ذلك، تبقى حماية حرية الصحافة واستقلال القضاء من المسائل التي لا يمكن اختزالها في الموقف من مؤسسة إعلامية بعينها؛ فالمعيار الحقيقي هو ضمان حق المؤسسات الصحفية في العمل، وحق المتهمين في محاكمة عادلة، وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات ومساءلة السلطة.

 

2030 ومستقبل المجال العام في مصر

يربط منتقدو النظام السياسي الحالي بين التضييق على المؤسسات الصحفية المستقلة وبين المخاوف المتعلقة بمستقبل الحياة العامة في مصر، في ظل استمرار هيمنة الأجهزة الأمنية على قطاعات واسعة من المجال السياسي والإعلامي، بحسب توصيفهم.

وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الحديث عن انتهاء ولاية عبد الفتاح السيسي في عام 2030 باعتباره ضمانة كافية لانتقال سلمي للسلطة؛ إذ يتوقف الانتقال الديمقراطي، في جوهره، على وجود مؤسسات مستقلة، ومجال إعلامي تعددي، وقواعد سياسية تسمح بالمنافسة والمساءلة، لا على موعد دستوري وحده.

ويحذر معارضون من أن إضعاف الصحافة المستقلة يحد من قدرة المجتمع على مراقبة أداء الحكومة وكشف أوجه القصور والفساد، ويجعل الوصول إلى المعلومات أكثر اعتمادًا على روايات رسمية لا تتوافر دائمًا فرص مستقلة للتحقق منها.

كما أن حصر المجال العام في مؤسسات إعلامية محدودة النفوذ المستقل قد يُضعف النقاش بشأن القرارات الاقتصادية والسياسية، ويقلل فرص مساءلة المسئولين عن إدارة موارد الدولة ومقدرات المواطنين.

 

المعركة ليست على ثلاثة ملايين جنيه

في جوهرها، تكشف قضية «مدى مصر» عن صراع أوسع بشأن من يملك حق مساءلة السلطة، ومن يخضع بدوره للمساءلة، وما إذا كانت الشفافية ستُطبق على المؤسسات الإعلامية المستقلة وحدها أم ستشمل أيضًا الكيانات الكبرى التي تتعامل مع موارد الدولة وأصولها.

فثلاثة ملايين جنيه مبلغ يستحق التحقق من مصدره في إطار قواعد قانونية عامة وواضحة، لكن ذلك لا يلغي أهمية التدقيق في خسائر المؤسسات الإعلامية الكبرى، ومديونياتها، والعقود التي تبرمها، وأوجه إنفاق الأموال التي تتحملها جهات حكومية.

والمطلوب ليس إعفاء «مدى مصر» أو غيرها من المساءلة، ولا افتراض ثبوت مخالفات في حق الشركة المتحدة من دون مستندات؛ بل إخضاع الجميع لقواعد واحدة، تضمن الإفصاح المالي، واستقلال التحقيق، وحق الرد، والمحاسبة على أساس الأدلة.

فحين تتحول التساؤلات عن تمويل الصحافة المستقلة إلى حملة تشكيك، بينما تظل الأسئلة عن الخسائر والديون والإنفاق العام بلا إجابات كافية، تصبح المشكلة أعمق من غرامة مالية أو قضية ترخيص. إنها مشكلة تتعلق بتكافؤ المساءلة، وحرية الإعلام، وحق المصريين في معرفة كيف تُدار أموالهم، ومن يتحمل مسئولية إهدارها إن ثبت ذلك.