أدرجت منظمة "مراسلون بلا حدود" (RSF) المنقلب عبد الفتاح السيسي ضمن قائمتها لعام 2026، التي تضم 33 شخصية وجهة تصفها بأنها "أعداء حرية الصحافة"، وذلك بالتزامن مع اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين.
ويمثل إدراج السيسي المرة الأولى التي يظهر فيها اسمه ضمن هذه القائمة تحديداً، التي تستهدف تسمية المسؤولين والجهات التي ترى المنظمة أنها تتحمل مسؤولية مباشرة عن الاعتداء على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية المستقلة.
وضمت القائمة أسماء بارزة، من بينها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب شخصيات وجهات أخرى.
وصنفت المنظمة السيسي ضمن الفئة الأمنية، التي تشمل الجهات والشخصيات المتهمة بقتل الصحفيين أو الاعتداء عليهم أو سجنهم.
وقالت: "إن المنقلب حوّل مصر إلى أكبر سجن للصحفيين في الشرق الأوسط"، مستندة إلى اعتقال صحفيين من منصة "متصدقش"، وإغلاق موقع "مدى مصر"، واستمرار ملاحقة العاملين في المجال الإعلامي.
ويأتي الإدراج في ظل احتلال مصر المرتبة 169 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، وفق تصنيف المنظمة.
إغلاق "مدى مصر" واعتقال صحفيي "متصدقش"
لم يكن إدراج المنقلب السيسي منفصلاً عن التطورات المتلاحقة التي شهدتها الساحة الصحفية المصرية، إذ وضعت "مراسلون بلا حدود" ملفي "مدى مصر" و"متصدقش" في صدارة مبرراتها.
فبعد اعتقال ستة صحفيين من منصة التحقق من المعلومات "متصدقش"، انتقلت المواجهة إلى موقع "مدى مصر"، الذي صدر حكم قضائي بإغلاقه والتحفظ على أصوله وفرض غرامة مالية كبيرة على رئيسة تحريره.
وربطت المنظمة بين هذه الإجراءات وبين ما وصفته بتصعيد حملة السلطات المصرية ضد الصحافة المستقلة، معتبرة أن استخدام الاتهامات المتعلقة بنشر الأخبار الكاذبة أو إدارة المواقع دون ترخيص أصبح وسيلة لملاحقة المؤسسات الإعلامية والصحفيين.
3ملايين جنيه لإغلاق "مدى مصر"
وأصدرت محكمة جنح القاهرة الجديدة، في 27 أكتوبر 2026، حكماً بإدانة لينا عطا الله، الشريكة المؤسسة ورئيسة تحرير موقع "مدى مصر"، بتهمة "إدارة موقع إلكتروني دون ترخيص".
وقضت المحكمة بفرض غرامة قدرها ثلاثة ملايين جنيه، وهي الحد الأقصى للغرامة، مع إغلاق الموقع والتحفظ على ممتلكاته.
وجرى اقتياد عطا الله إلى الاحتجاز عقب الحكم، قبل الإفراج عنها بعد سداد الغرامة، إثر أكثر من سبع ساعات قضتها قيد الاحتجاز.
وقالت "مراسلون بلا حدود" "إن الموقع اتخذ الإجراءات اللازمة للحصول على ترخيص منذ عام 2018، دون تلقي رد من السلطات، حتى بعد تقديم طعن قانوني".
وانتقدت المنظمة إجراءات المحاكمة، مشيرة إلى رفض طلبات الدفاع للاطلاع على مستندات القضية واستدعاء الشهود، وتعيين محامٍ آخر لتمثيل عطا الله رغم اعتراضها.
وقال جوناثان داغر، رئيس مكتب الشرق الأوسط في المنظمة، "إن ما جرى يمثل إعلان حرب على الصحافة المستقلة"، مؤكداً أن الحكم صدر عقب محاكمة صورية شابتها مخالفات إجرائية خطيرة.
كما طالبت المنظمة بإلغاء الحكم والإفراج عن الصحفيين المحتجزين من منصة "متصدقش".
قائمة أعداء الصحافة
تختلف قائمة "أعداء حرية الصحافة" عن مؤشر حرية الصحافة السنوي؛ فالمؤشر يقيس أوضاع الصحافة في 180 دولة، بينما تستهدف القائمة تسمية الأشخاص والمؤسسات التي ترى المنظمة أنها مسؤولة عن الاعتداءات على الصحفيين ووسائل الإعلام.
وتقسم المنظمة القائمة إلى خمس فئات رئيسية:
الفئة السياسية: تشمل القادة والمسؤولين الذين يستخدمون سلطات الدولة لإسكات وسائل الإعلام وفرض الرواية الرسمية.
الفئة الأمنية: تشمل الجهات المتهمة بقتل الصحفيين أو الاعتداء عليهم أو اعتقالهم، وهي الفئة التي أدرج فيها المنقلب السيسي.
الفئة القانونية: تشمل المسؤولين والجهات التي تستخدم القوانين والإجراءات القضائية لملاحقة الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
الفئة الاقتصادية: تشمل أصحاب النفوذ والشركات التي تستخدم الضغوط المالية لإضعاف المؤسسات الصحفية واستقلالها.
الفئة الاجتماعية: تشمل الجهات والشخصيات التي تستهدف الصحفيين بالتشهير والتحريض ونشر العداء للإعلام المستقل.
وتؤكد المنظمة أن القائمة لا تستهدف حصر جميع أعداء الصحافة في العالم، وإنما تسليط الضوء على نماذج بارزة من المسؤولين والجهات التي استهدفت الصحافة خلال العام.
مؤسسات دولية أخرى تلاحق انتهاكات حرية التعبير
إدراج المنقلب السيسي في قائمة "أعداء الصحافة" لعام 2026 هو الأول له في هذه القائمة تحديداً، لكنه ليس المرة الأولى التي تتناول فيها مؤسسات دولية سجل مصر في حرية الصحافة أو تنتقد ممارسات السلطات المصرية.
وتعمل مؤسسات دولية أخرى على توثيق الانتهاكات ومراقبة حرية الإعلام والضغط من أجل الإفراج عن الصحفيين، وإن اختلفت أدواتها وتصنيفاتها عن قائمة "مراسلون بلا حدود".
لجنة حماية الصحفيين (CPJ) من أبرز المؤسسات الدولية المتخصصة في الدفاع عن الصحفيين، وتوثق حالات الاعتقال والقتل والاختفاء والتهديد، وتنشر تقارير دورية عن الدول التي تسجن الصحفيين.
وشاركت اللجنة مع 14 منظمة أخرى في مطالبة الاتحاد الأوروبي بالضغط على السلطات المصرية لتحسين أوضاع حقوق الإنسان وحرية الصحافة، مشيرة إلى استمرار احتجاز الصحفيين.
وهيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) والتي وثقت بدورها اعتقال فريق منصة "متصدقش"، وأصدرت بياناً طالبت فيه بإسقاط الاتهامات الموجهة إلى لينا عطا الله، كما تناولت إجراءات محاكمتها والحكم بإغلاق "مدى مصر".
وأشارت المنظمة إلى اعتقال ستة صحفيين من غرفة أخبار "متصدقش"، وإلى تحركات منظمات حقوقية للمطالبة بالإفراج عنهم.
وتعمل منظمة العفو الدولية (Amnesty International) على توثيق الاعتقالات التعسفية وملاحقة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتطالب بإنهاء احتجاز الأشخاص بسبب ممارسة حرية التعبير والعمل الصحفي.
ووفق المادة 19 (ARTICLE 19) تركز على حرية التعبير وحرية الإعلام، وتعمل على توثيق القوانين والممارسات التي تقيد النشر والصحافة، وتشارك في حملات دولية للدفاع عن الصحفيين.
ويتابع الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ) أوضاع الصحفيين والنقابات المهنية، ويدافع عن حقوق العاملين في وسائل الإعلام، ويشارك في التحركات الدولية المطالبة بحمايتهم.
تمويل "مراسلون بلا حدود"
أثار ملف تمويل المنظمة تساؤلات بشأن مصادر مواردها، خصوصاً أن جزءاً مهماً من تمويلها يأتي من حكومات ومؤسسات دولية، إلى جانب التبرعات والمنح الخاصة.
وتنشر المنظمة على موقعها الرسمي بيانات عن مصادر تمويلها، وتقول "إن حساباتها تخضع لمراجعة محاسب مستقل، وإن سياستها تقوم على تنويع مصادر التمويل".
وبحسب التقرير المالي لعام 2024، شكلت المنح العامة الحكومية والدولية نحو 65% من إجمالي إيراداتها التشغيلية، بقيمة بلغت 8.718 مليون يورو، مقابل 6.806 مليون يورو في 2023.
ومن أبرز الجهات الممولة التي وردت في بياناتها:
الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD): وقعت اتفاقية شراكة مع "مراسلون بلا حدود" بقيمة ثمانية ملايين يورو على مدى أربع سنوات، ساهمت الوكالة منها بـ5.6 مليون يورو. ويستهدف البرنامج دعم الصحافة في 66 دولة عبر التدريب والحماية والمساندة القانونية وتطوير المؤسسات الصحفية.
وزارة الخارجية الفرنسية: شاركت في اتفاقية الشراكة متعددة السنوات مع الوكالة الفرنسية للتنمية والمنظمة، وفق الإعلان الرسمي للوكالة.
الاتحاد الأوروبي: أظهر التقرير المالي للمنظمة حصولها على 2.472 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي خلال 2024.
وزارة الخارجية الهولندية: بلغت مساهمتها المسجلة في التقرير 2.289 مليون يورو خلال العام نفسه.
الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي (SIDA): قدمت 950 ألف يورو.
National Endowment for Democracy (NED): مؤسسة أمريكية تدعم برامج مرتبطة بالديمقراطية وحرية الإعلام، وتظهر ضمن الجهات الداعمة لأنشطة المنظمة.
Sigrid Rausing Trust: مؤسسة مانحة تدعم برامج حقوق الإنسان والحريات، ومن الجهات التي وردت في بيانات تمويل المنظمة.
أما مؤسسة Open Society Foundations المرتبطة بجورج سوروس وعائلته، وMacArthur Foundation، فيجب التمييز بين ورود اسميهما في سياق تمويل مؤسسات حقوقية وإعلامية عموماً وبين إثبات تقديمهما تمويلاً مباشراً لـ"مراسلون بلا حدود" خلال السنة المالية محل الاستعراض.
وتقول "مراسلون بلا حدود" "إن تنوع مصادر تمويلها والرقابة المالية المستقلة يضمنان استقلال عملها، بينما تظل بياناتها المالية المنشورة المرجع الأساسي للتحقق من مصادر الأموال وأوجه إنفاقها".
https://x.com/RSF_inter/status/2115166917296066909