طارق الغندور.. طبيب أنقذ وجه طفلة وحُرم من العلاج حتى الموت داخل السجون السيسي

- ‎فيحريات

كتب المستشار وليد شرابي علي حسابه الرسمي بموقع "الفيسبوك" كان هناك طفلة صغيرة وجميلة تبلغ من العمر سبع سنوات سقطت وهي تلعب مع أصدقائها على الأرض فأصيبت بجرح كبير في وجهها فأسرع الاب والام إلى أحد المستشفيات القريبة لخياطة الجرح وبعد الانتهاء من الخياطة تبين ان آثار الجرح كارثية على الطفلة إذ سبب الجرح تشوها سيدوم في وجه الطفلة المسكينة طيلة عمرها، وعند وصولي للمستشفى وجدت الأم منهارة والأب حزينًا ذلك لان الطفلة قد فقدت جمالها مبكرا.

فقمت بالاتصال بصديقي الشهيد طارق الغندور، فقد كان طبيبا ماهرا وشرحت له ما حدث فسألني أين أنتم الآن فأخبرته فقال لي اذهب الآن مع الطفلة وأسرتها إلى مستشفى …… بمصر الجديدة وانا سأقابلكم هناك.

ذهبنا جميعا وبالفعل كان الرجل في انتظارنا ومعه طبيبان آخران فأسرع واخذ الطفلة إلى غرفة العمليات لمدة ثلاث ساعات يعيد خياطة الجرح من جديد وانتهت العملية، تعاطف بشدة الطبيب الإنسان مع آلام الطفلة وانهيار الأم ورفض أن يأخذ أي مقابل مادي عن العملية سواء له او للفريق الطبي المعاون له وكان سعيدا جدا بما فعله.

أستشهد طارق الغندور في سجون العسكر بعد حرمانه من أدوية علاجه، والطفلة الآن أضحت فتاة جميلة تبلغ من العمر 20 عاما ولا أحد يمكن أن يراها ويعلم بإصاباتها إلا من شهد الواقعة فالإصابة لم يعد لها أي أثر لكن الأثر الوحيد الذي تبقى لها ولأسرتها هي السيرة العطرة للشهيد طارق الغندور.

سارت الحياة بعد 6 سنوات إلى الأفضل، وكأن الدكتور طارق الغندور، الشهيد رقم (88) الذي يموت داخل سجون الانقلاب إما بسبب التعذيب أو الإهمال الطبي حيًّا بيننا، يرزق، كما أخبرنا بذلك المصطفى، فالرجل الذي كان في طليعة شهداء القتل بالإهمال الطبي المتعمد بسجون عبد الفتاح السيسي كان واحدًا من أشهر الأطباء بالعالم.

اعتقلوه بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين، وسط فرحة الفسدة مؤيدي الانقلاب من زملائه بكلية الطب جامعة عين شمس، وعِوضا عن ذلك سرقوا كل أمواله وممتلكاته، وصادروا المستشفى الخاص التي كان يملكه، فكان شعاره: "عمر الظلم ما أخّر بكره.. وعمر السجن ما غيّر فكرة". وبعد مرور سنة على وفاته في السجن، أصدر قضاة الانقلاب السيسي حكماً ببراءته!

حياة الدكتور الغندور مجددا يمكنك أن تراها في صور أسرة الدكتور طارق من خلال حسابات زوجته وأبيها العلامة في الاقتصاد الإسلامي د. حسين شحاتة أو من خلال حسابات أبنائه وقد شب الأطفال ليصبحوا كبارا. وفي ذكرى وفاته في 12 نوفمبر، تذكره د. علي المشد وكيف كان الراحل الكريم نبراسا على الأخلاق والخير.

وقال المشد في منشور شاركه العشرات عبر حساباتهم "طارق الغندور.. ابتسامة تسع الكون! أخي وأستاذي الدكتور طارق الغندور.. تحية من عند الله مباركة طيبة، وبعد.. أكتب إليك، اليوم، وقد مر عام على صعود روحك الطاهرة إلى باريها، متمنياً على الله أن تكون قد استرحت، وأن الرفيق الأعلى الذي طالما حدثتنا عنه، وحببتنا فيه، وشوقتنا إلى لقائه، قد أكرم وفادتك، ولقيك راضياً غير غضبان، وأستحيى أن يعذب شيبتك التي شابت في العبادة والقرآن، وإرشاد الناس إلى الخير، وحداء أرواحهم إلى كتابك، فلم ألق أحداً في حياتي تلميذاً للقرآن مثلما كنت".

وأضاف "أريد أن أحكي عن هذه الروح التي لم ألق لها مثيلاً في دنيا الناس" أكتب إليك لأستشيرك، ماذا أقول للناس عنك في ذكرى رحيلك؟ هل أحدثهم عن بكائي يومها، حتى شرقت بالدمع، وأنا الذي لا أبكي بسهولة؟ عن صدمتي إذ علمت بوفاتك سجيناً مظلوماً، مريضاً نازفاً مهملاً، وأنت الذي لم تهمل مريضاً أتاك في أي من عياداتك التي كانت قبلة للمرضى والمستغيثين؟ أم أحدثهم عن بكائي، الآن، وأنا أكتب هذه السطور، لاستعادتي الشعور المؤلم بأنني لن أراك ثانية في دنيا الناس؟؟ وقد كانت رؤياك مما يبعث السرور والرضا لكل من يلقاك، وتطالعه ابتسامتك الحلوة الدائمة؟

 

تجريدة أمنية

أم أحدثهم عن تفاصيل حبسك الظالم، واعتداء التجريدة الأمنية على حرمة بيتك، واستيلائهم على أموال وممتلكات لك، ثم الحكم الجائر بالحبس خمس سنوات، لم يتركك الله تكمل منهم واحدة، فاختارك إلى جواره، ولما ينتصف عقدك السادس من العمر؟

هل أحدثهم عن الطبيب الكبير، أستاذ الأمراض الجلدية والتناسلية بكلية الطب جامعة عين شمس، المميز بعلمه، ممارساً وباحثاً، مدرساً وطبيباً وجراحاً؟ وهل يجهلك جاهل؟ بل هل يعرفك حقاً من يظن أنه يفعل؟ أما أنا، فأحسبني أعرفك حقاً، وإنني لأريد أن أتحدث عنك، فهلا سمحت لي؟

أريد أن أحكي عن هذه الروح التي لم ألق لها مثيلاً في دنيا الناس، الروح التي تشعر بعد دقائق من التعامل معها أنك تعرفها منذ زمن طويل، وأن لا كلفة بينكما، وأنك أمام قلب صبي، ونفس لا تشيب، نفس تألف وتؤلف، ووجه لا تفارقه الابتسامة الحلوة العذبة، وإن كنت لم أره يوماً مستجمعاً ضاحكاً قط، فلا يمكن أن ترى "لهواته"، وإنما كان يضحك في تبسم، وتتسع ابتسامته حتى تغمرك، وتشمل الكون من حولك.

 

رجل القرآن

كما أريد أن أحكي عن رجل القرآن، الذي حببني فيه، ورغبني في حفظه، والذي علمنا "كيف تحفظ القرآن فلا تنساه، وإن حاولت!" والذي كان يتهجد بالناس في العشر الأواخر، فيضرب في ثلاثة أجزاء في الليلة الواحدة، لا تمسك عليه خطأ وحيدًا. وتشعر وأنت معه أن القرآن لا يفارقه، فهو "معجون" به –إن جاز التعبير- وقّاف عنده، مستن بسنته، متخلق إلى درجة كبيرة بأخلاقه.

أما ما كنت أحبه، خصوصًا لملاقاته هواي، فقد كان ثقافتك العربية، وغرامك بالشعر والأدب واللغة، وذكاؤك اللغوي الحاد، الذي لم يكن يترك كلمة تقال دون رد "حارق"، يراعي نظيرها، في قدرة عالية على "القافية" كما نسميها في العامية المصرية، يجلس المرء معك، فكأنه بين دفتي كتاب من كتب التراث، اجتمع فيه نوادر العرب، مع الحكم، والقصص والأمثال، تتلوها في استرسال لا يعرف التلجلج، ولا يعرف معه جليسك السأم.

وكنا نختلف كثيرًا! فهل تذكر خلافاتنا؟ كنت تسمح لنا أن نختلف معك، ونجادلك، خصوصًا أنا وأخي محمد عفان، وكنا نحتد ونلج في الخلاف، وبيننا وبينك نحو عشرين عامًا، من رآنا قال عنا أقرانًا، ثم نكتشف أنك تستخدم آراءنا بحججنا في كلامك، وقد اقتنعت بها، فإذا سألناك عن هذا مندهشين قلت بابتسامتك الحلوة: إنما أتعلم منكما.

 

قتلوك يا أستاذنا.. قتلوا ابتسامة كانت تسع الكون كله

وعن رجل القرآن كتب علي الغندور  "رحمة الله على الدكتور طارق الغندور حامل القرآن بالقراءات العشر صاحب الدعوة التي أنفق في سبيلها النفيس والغالي صاحب القوافل الطبية للفقراء والمساكين".

 

احك عن شهيد

وارتقى الدكتور طارق الغندور يوم الأربعاء 12 نوفمبر 2014 شهيدا- داخل المعتقل، بعد تدهور حالته الصحية بشكل كبير، وقد تم حرمانه من العلاج وتعنتت إدارة سجن "شبين الكوم" في نقله لمستشفى معهد الكبد في شبين الكوم يتلقى فيها العناية التي تناسب ظرفه الصحي كمريض بالكبد، إلا بعد أن ساءت حالته الصحية بشكل كبير. فظل ينزف 6 ساعات دون أن يتمكن الفريق الطبي بالمستشفى من انقاذه، الأمر الذي أدى لاستشهاده رحمه الله.

واعتقل الشهيد من منزله يوم 18 ديسمبر 2013 ووجهت له تهمة الانتماء لجماعة إرهابية.

 

محبوب الجنائيين

وأحيا الدكتور طارق الغندور زنزانة 2 بسجن مدينة نصر، وقال عنه رفيقه إن الجنائيين كانوا يحبون الدكتور طارق حبا شديدا ويلجأون إليه في كل شيء ويستشيرونه في كل أمورهم، وكان هو يحسن إليهم في كل شيء ويأتي إليهم بالأطعمة المختلفة والحلويات حتى إنه ذات مرة فاجأ أحد الجنائيين وكان نبطشى الحجز "مسئول الحجز" في يوم ميلاده بـ"تورتاية" جميلة أهله أحضروها مخصوص في الزيارة لرضا الشهير بأبو الغضب المحبوس بتهمة السرقة ومش عارف أقولكم كان شعور رضا ازاى لما الدكتور طارق قال للناس: النهاردة يوم ميلاد رضا واحنا نقوله كل سنة وانت طيب ودى هدية منى له، لذلك كان رضا يحلف بحياة الدكتور طارق وكان رضا يصحى الفجر ويصحى الناس الفجر بالعافية.

وأراد ضباط القسم مرة تكدير الدكتور طارق فنقلوه لأسوأ زنزانة في القسم ومشهورة بعنبر الكفار لأن فيها عددا كبيرا جدا وفيها كبار الجنائيين وتدخل فيها متشوفش حد من دخان البانجو والحشيش والسجاير دخل قعد فيها 3 أيام وعمل فيها تغيير محترم، أول ما دخل الجنائيين وسّعوله وقعدوه على المصطبة وجمعهم وبدأ يحكي لهم قصص الأنبياء وقالهم ويوزع هدايا للمستمعين جيدا.

يقول محمد عبدالحفيظ: "يوم ترحيل الدكتور طارق لسجن أبو زعبل المساجين في القسم كلهم كانوا زعلانين جدا وفيه منهم اللى عيط على فراق الدكتور طارق، أنا قعدت بعده في القسم حوالى أسبوع قبل ما أترحل لأبو زعبل كل واحد في الزنزانة الدكتور طارق هاديه بحاجة واحد يقولك المرتبة دي غالية عليا قوى علشان الدكتور مدهالى والتانى معاه لبس والتالت معاه برفان وكله يقعد يحكى ذكرياته مع الدكتور طارق ويقولوا احنا حبينا الاخوان علشان الدكتور طارق الغندور".