رابعة العدوية: صرخات أبرياء لا تمحيها الذاكرة.. والحقيقة عصية على تزييف السيسي

- ‎فيتقارير

على مدار ثلاثة عشر عاماً، لا تزال دماء الشهداء في ميادين مصر تُلاحق الجلادين السيسي وعصابته، وما زالت صرخات الأبرياء الذين احترقوا بدم بارد تتردد في أروقة التاريخ، لتُشكل عائقاً أمام أي محاولة لتزييف الذاكرة أو طمس معالم الجريمة. والحديث عن رابعة العدوية ليس مجرد حديث عن "فض اعتصام"، بل هو محاكمة أخلاقية لنظامٍ استباح دماء شعبه في سبيل تثبيت أركان حكمه.

يرى المتابعون لهذا الملف، والفاعلون فيه، أن ما جرى في 14 أغسطس 2013 كان مذبحة مقصودة، خُطط لها بدم بارد، لغرض وحيد وهو التخلص من الفوضى المزعومة وتحويل "الإرهاب المحتمل" إلى واقعٍ دموي يصنعه عسكر الانقلاب لكسر إرادة الشعب وإعادته إلى "بيت الطاعة" بالقوة المسلحة والتضليل الإعلامي الذي انكشف تماما.

 

الانقلاب كهدفٍ نهائي

لم تكن المذبحة وليدة اللحظة، بل كانت تتويجاً لمسارٍ انقلابي بدأ في 3 يوليو 2013. يشير الصحفي الأمريكي ديفيد كيركباتريك في كتابه «في أيدي العسكر» إلى حقيقة يعلمها السيسي وشركاؤه، وهي أن القرار لم يكن فضّ اعتصام، بل سحق وترهيب.

وكان الهدف الحقيقي هو إبادة المجال العام ووأد ثورة 25 يناير في مهدها، وكسر إرادة الشعب المصري. لقد تم إفشال كافة الحلول السياسية، والمصالحات، والحوارات الوطنية، لأن طبيعة النظام القائم لم تكن قائمة على إدارة الدولة بالسياسة، بل بالرصاص، والسجون، والمقابر.

لقد كان المطلوب هو "السحق" لا الحل، وهو ما يُفسر الإصرار على ارتكاب المذبحة رغم معرفة السلطة مسبقاً بحجم الخسائر البشرية المهول. إن التاريخ لن يكتبه الجلاد، مهما حاول إعادة تدوير الروايات على منصات أكاديمية الشرطة أو غيرها؛ فالأرض التي تشربت دماء الآلاف من الشهداء والجرحى هي الشاهد الذي لا يمكن إسكاته.

 

الفصل الثاني: شهادة من قلب الجحيم

يصف الصحفي أحمد عبد العزيز، المستشار السابق لرئيس الجمهورية آنذاك د. محمد مرسي وأحد شهود العيان الذين عاشوا التجربة في قلب الميدان وفقد ابنته "حبيبة"، لحظات الرعب الأولى.

حيث كان الميدان ساحة حرب من طرف واحد. يقول عبد العزيز: "في السابعة صباحاً أيقظتني أصوات الاستغاثة وطلقات الرصاص". تحرك الرجل وسط الحصار والغاز المسيل للدموع ليصل إلى قلب الميدان، حيث كان الشهداء يمرون كالأمواج على أعناق الشباب.

ويروي أن قصة "حبيبة" هي نموذج مصغر لمأساة آلاف الأسر المصرية. حين تلقى الأب خبر استشهادها، شق طريقه عبر شارع "أنور المفتي" المفروش بفوارغ الرصاص، غير آبهٍ للقنص الذي كان يستهدف كل متحرك. جثا أمام جثمانها، قبل جبينها، ورفض عزاء ضابط القوات الخاصة الذي كان يُشارك في تنفيذ المجزرة. لم يكن الوصول للمستشفى سهلاً، بل تم تهريب الجثمان على عربة بائع متجول خشبية متهالكة وسط مرمى النيران.

الاعتصام على حد قوله "كان محاطا بكثير من المقار الحيوية للقوات المسلحة، وكانت المسيرات التي يقوم بها المعتصمون تضم الآلاف، وقد شاركت في عدد منها، ولم أشاهد معتصما يلقي "طوبة" على أي من هذه المباني، أو على مجند من الذين يحرسونها.. ولو فكر منظمو الاعتصام بطريقة أخرى، لأمكنهم الاستيلاء على هذه المقار بسهولة، وبأقل الخسائر في الأرواح، لكن فكرة المواجهة لم تكن واردة في أذهان منظمي الاعتصام من الأساس..".

حتى في اللحظات الأخيرة، واجه الأب تعنتاً رسمياً، إذ اضطر لتدوين أسماء قادة الانقلاب في محضر الشرطة، وهم: عدلي منصور، حازم الببلاوي، عبد الفتاح السيسي، ومحمد إبراهيم، في تحدٍّ أخلاقي وقانوني يُثبت أن الجريمة لا تسقط بالتقادم.

مع تأكيده أنه لا اعتراف بسلطة الانقلاب، ولا حوار مع القتلة، ولا عفو عن أولئك المجرمين الذين ارتكبوا هذه الجريمة الشنعاء، عن سابق قصد وتصميم، بهدف الصدمة والترويع؛ لإظهار سيطرتهم (التامة) على مقاليد الأمور، في البلاد.. فمكان هؤلاء أقفاص الاتهام، لا حول موائد الحوار.

 

آلة القتل.. التخطيط والوحشية

وتتطابق الروايات الميدانية والتقارير الحقوقية في وصف الفظائع التي ارتكبت من جانب (الاستهداف المباشر) واستخدام الطائرات الهليكوبتر، والقناصة على الأسطح، والرشاشات الثقيلة ضد معتصمين عُزَّل لم يمتلكوا سوى إرادتهم.

ومن خداع "الممر الآمن": الذي أعلنت عنه القوات (المحاصرة شرطة وجيش) عبر مكبرات الصوت عن خروج آمن، لكنها حوّلته إلى فخ للموت، حيث تمت تصفية الخارجين بدم بارد.

ومن جانب (إبادة المستشفيات الميدانية) بعد اقتحام المساجد والمستشفيات، وحرقها بالجرحى والأحياء، وإعدام الكوادر الطبية التي رفضت ترك مرضاها، وهو سلوك وحشي يهدف إلى محو أي دليل على حجم الجريمة.

يؤكد "عبدالعزيز" ما سبق وأعلن عنه "دعم الشرعية" ود. عصام العريان ود. محمد البلتاجي من جانب (الأرقام الحقيقية) وأنه بينما حاولت الحكومة الترويج لأرقام هزيلة، تؤكد الشهادات أن عدد الشهداء يتراوح بين 5000 إلى 6000 شهيد، تم دفن الكثير منهم في مقابر جماعية أو تجريف جثامينهم بالبلدوزرات، وهو ما جعل الحقيقة محجوبة لأهالي الشهداء الذين ما زالوا يبحثون عن رفات ذويهم.

 

هل كان المعتصمون مسلحين؟

وتُفنّد الشهادات الميدانية كذبة "تسليح الاعتصام". فبعد الفض، أعلنت السلطة أنها وجدت 10 إلى 15 قطعة سلاح فقط، وهو رقم سخيف لا يُبرر إبادة آلاف البشر إن وجد ولكنه  لم يوجد مطلقا.

تؤكد منظمة "هيومن رايتس ووتش" (مقرها نيويورك) أنها لم تجد أي دليل على استخدام واسع للسلاح من قبل المعتصمين. كان الاعتصام يهدف للصمود السلمي، وكان المعتصمون يُمارسون حياتهم اليومية، يصلون، ويرددون الشعارات، ويحمون أنفسهم بـ"الهراوات" فقط تحسباً لهجمات البلطجية على غرار "موقعة الجمل" في 2011. إن الترويج لفكرة الإرهاب كان "ادعاءً حقيراً" لتبرير عقود من الاضطهاد.

 

رابعة كعنوانٍ للحق الضائع

إن ما حدث في 14 أغسطس 2013 لم يكن نهاية القصة، بل كان البداية لعهدٍ جديدٍ من القمع. لقد رسخت المذبحة سياسة "الخوف والدم" كوسيلة وحيدة للحكم. لقد أصبح السيسي غارقاً حتى أذنيه في دماء الأبرياء، ويحاول عبر كوابيسه والمهزوزة نفسياً أن يهرب من هذه الحقيقة. لكن كل محاولة للتبرير هي اعتراف جديد بفداحة الجريمة.

إن عشرات الآلاف من المعتقلين في السجون اليوم ليسوا مجرد أرقام؛ إنهم شهود عيان، وأصحاب حق، ومظلومون يُراد لهم أن يموتوا ببطء لأنهم يعرفون ما جرى. إن بقاء هؤلاء أحياء يفضح الكذبة الكبرى التي سوّقها إعلام السلطة لسنوات.

وما زالت دماء الشهداء في الميادين تلاحقه، وما زالت صرخاتهم وهم يحترقون تُقضّ مضجعه. سيطارده التاريخ وتلعنه الذاكرة. في كل مناسبة يعتذر مرّةً أو مرّتين، والمعاذير لا تغسل الدم، وكل عذر اعترافٌ آخر بفداحة الجريمة. غيرَ أنّ دم الأبرياء شاهد لا تَسقط روايتُه. تتبدّل الروايات ويبقى أفصحَ الشهادات.

كلما أسرف فرعون في التبرير، جدّد في الأذهان صورة المذبحة. “رابعة” أقوى من النسيان والبهتان. يومُ القصاص آتٍ لا ريبَ فيه. ذات صباح، ستنجلي الغمّة عن أرض الكنانة، ويتذكرُ الناس الشهداء ، ويتوّجونهم أبطالاً وأيقونات.. الأكاديمي السعودي أحمد بن راشد بن سعيّد @TheLoveLiberty

المذبحة مقصودة، خُطِّط لها بدمٍ بارد، بتحريض مباشر من نظام الإمارات ووزير خارجيتها عبدالله بن زايد، لأن المطلوب لم يكن حلًا سياسيًا، بل السحق والترهيب. وكانت المذابح، والاعتقالات، وإبادة المجال العام، ووأد ثورة 25 يناير، هي الهدف الحقيقي للانقلاب.

لقد كان المطلوب كسر إرادة الشعب، وإعادته إلى بيت الطاعة بالخوف والدم، لتكريس حكم الفرد الفاشي ووأد الديمقراطية في مهدها. ولهذا أُفشل كل حديث عن “مصالحة” أو “حوار” أو “حل سياسي”؛ لأن السيسي لم يأتي ليحكم بالسياسة، بل بالرصاص والسجون والمقابر والسجون.

اليوم، وبعد أكثر من 13 عامًا على الانقلاب، يحوم السيسي حول جريمته مهزوزًا نفسيًا، يبدو أنه يرى في كوابيسه آلاف الضحايا الذين قتلهم، وهو يعلم أنه غارق حتى أذنيه في دماء الأبرياء. يحاول إعادة كتابة التاريخ وتبرئة نفسه من منصة أكاديمية الشرطة… لكن الحقيقة عصيّة على التزييف.

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid02PKjmnoBW5fihVQsdeuVCMhZteu9EGdhT4JerBjgaioUsRNb1GDxSPVDC2cBbdFdhl&id=61580267853135&locale=ar_AR

 

https://www.facebook.com/AAAzizMisr/posts/pfbid0VdGNwapScAGxF5sRNH9ZmHnoy5EQcVEcXdYij8NkjBQ8yXGCRAQrPh1ChkEGR1odl?locale=ar_AR

https://www.facebook.com/Ihtiram.Official/posts/pfbid02uhjXxe5LPxJmbPUV7RHqxVr63fD8xRhzsZBDgka3SXmEg1i7Hn8Uv2WbSDYJqrx3l?locale=ar_AR