سما حسن / تكتب :الطفلة التي خرجت ولم تعد

- ‎فيمقالات

يمكنك أن تكتب حكاية مؤلمة من غزّة، ولكنها مختصرة، فتكتب مثلاً أن هناك عدة كتب مبعثرة على الأرض تنتظر صاحبتها التي لن تأتي، وهنا يمكن لخيالك أن يستنتج أن الطفلة قد قُتلت إذا كنت مقيماً فعلاً في غزّة، أو إذا كنت متابعاً، رغم بعدك، أخبار الحرب التي لم تتوقّف، سوف تفهم من دون أن تقرأ خبراً كاملاً، وستعرف أن الكتب لا تبقى في أماكنها المعتادة، أي داخل الحقائب المدرسية الملوّنة المغلقة، ولا يمكن، بطبيعة الحال، أن تتشبّع برائحة مميزة نذكرها منذ كنّا صغاراً، وهي رائحة أقلام الرصاص ورائحة الشطيرة التي أعدّتها الأم ووضعتها في جيب مستقل أو ربما في صندوق بلاستيكي صغير. ورغم ذلك، فالكتب والكراسات سوف تتشبّع بهذه الرائحة التي لا يمكن أن توصف، ولكنها تبقى ذكرى محبّبة عالقة مع حنين لا ينقطع مهما كبرنا.

 

لم يحدُث ذلك أبداً للكتب والكرّاسات التي كانت داخل الحقيبة المدرسية للطفلة وفاء، التي حين خرجت من المنزل نحو يومها الأول في المدرسة لم تكن تعرف أنه يومها الأخير في الحياة، وأنها لن تحتفل من الأساس بعيدها التاسع بعد شهريْن، وأنها تودّع أمها للمرّة الأخيرة، وأنها قد ودّعت صديقاتها الصغيرات في باحة المدرسة، قبل أن تنطلق نحو البوّابة لكي تلتقي بأبيها، وهي لا تحلم سوى بحضن الأم الدافئ مع وجبة لا تقل دفئاً عن الحضن.

 

في صباح السادس من سبتمبر/ أيلول الجاري، ارتدت الطفلة وفاء زيّها المدرسي، وحملت معها ما يحتاجه أي طفل في يومه الأول من العام الدراسي؛ كتبها وأدواتها، والكثير من الحماس والشغف، الذي حاولت أن تتناسى معه خوفاً مبهماً وقلقاً مستتراً، رغم صغر سنها، فهي لم تنسَ أبداً ولا في أي لحظة أنها في بقعة يعربد فيها الموت طوال الوقت، ويمارس الدم هوايته في الانتشار والتناثر طوال الوقت، وتنتشر رائحة البارود، ويتناثر غبار الركام طوال الوقت أيضاً، وتتحوّل الحياة التي تسير على عكازين وبكل صعوبة إلى موت حقيقي.

 

تناثرت في المكان الذي قتلت فيه الطفلة وفاء أشياء تبدو صغيرة جدّاً وتافهة إلى درجة لا توصف أمام الموت، فلم يقم لها اعتباراً، وقد هبط ثقيلاً على حلم وحياة طفلة، فلم يكترث لكتب طفلة، ولا لأدواتها المدرسية، ولا حتى لبقايا شطيرة شهية بدأت أطرافها تجفّ بعد أن التهمت جزءاً كبيراً منها، وقد أوصتها أمها بأن تعيدها إلى المنزل.

 

قُتلت الطفلة وفاء في اليوم الذي شُيّع فيه عشرات الأطفال من حيّها الذي تنحدر منه عائلتها، حي الزيتون، وبعد أن انتُشلت أشلاؤهم التي جفت فيها الدماء، لكي تكتشف أن الحرب أحياناً لا تحتاج صور الدماء كي تقول كل شيء عن بشاعتها، فهناك أشياء مؤلمة تفعلها الحرب أكثر من أن تقتل البشر في لحظة، وأن تدمر منزلاً في لحظة، فيكفي أن ترى كفناً فارغاً إلا من رفات لا يتجاوز وزنه ما يملأ قبضتي اليد، أو أن ترى حقيبة مدرسية ملقاة في مكانٍ لا ينبغي أن تكون فيه، أو كتاباً مفتوحاً لم يعد صاحبه قادراً على قراءته، لأن صفحاته قد أصبحت ملطّخة بالدم.

 

قُتلت وفاء، وربما كانت تعتقد أنها قد نجت من المجزرة التي ارتُكبت بحقّ أهل حيها، حيث قُتل نحو 70 طفلاً في لحظة واحدة، وبقي كثيرون تحت الأنقاض، لم يستطع ذووهم انتشالهم، وحين كان أهل حيها يشيعون ما استطاعوا انتشاله، فيما لا يزال كثيرون تحت الأنقاض، وفيما كانت الأحزان تتجدّد في قلوبهم وهم يضعون ما تبقى من فلذات أكبادهم وأحبّتهم في قبور جماعية، بعد أن اصطفّوا في طوابير تشبه طوابير المدرسة لوداعهم. كانت وفاء فعليّاً، ومن دون أن تدري، تستعد لكي تلحق بهذه الكوكبة من الأطفال، وكأن قدر أطفال غزّة ألا يكبروا، وأن تكون المدرسة حلمهم البعيد، وأن يكون الموت أقرب كوابيس صحوهم ومنامهم.