المهندس خيرت الشاطر.. سنوات خلف القضبان وحكاية رجل حملته السجون بعيدًا عن أسرته

- ‎فيحريات

خلف الأسماء السياسية والشعارات والخلافات التي أحاطت بحياة القيادي في جماعة الإخوان المسلمين خيرت الشاطر، تقف حكاية إنسانية لرجل أمضى سنوات طويلة من عمره متنقلًا بين السجون والملاحقات، بينما كانت أسرته تدفع هي الأخرى ثمنًا باهظًا لمسيرته السياسية والتنظيمية.

لم تكن حياة الشاطر، الذي ولد في 4 مايو 1950 بقرية كفر الترعة القديم التابعة لمركز شربين بمحافظة الدقهلية، مسارًا سياسيًا مستقيمًا، بل رحلة جمعت بين الدراسة والعمل والتجارة والنشاط العام، قبل أن تتحول السجون إلى فصل طويل من حياته.

ومع مرور السنوات، أصبحت عائلته جزءًا من هذه الحكاية؛ زوجة وأبناء وأحفاد عاشوا فترات من حياتهم في ظل غيابه، وواجه بعض أفراد الأسرة بدورهم إجراءات أمنية واتهامات مرتبطة بنشاطه وانتمائه السياسي.

 

من مقاعد الهندسة إلى السجن

بدأ الشاطر حياته العلمية من كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية، حيث تخرج في قسم الهندسة المدنية عام 1974، ثم حصل على ماجستير في الهندسة بتخصص الري والصرف من جامعة المنصورة.

وعمل في المجال الأكاديمي، قبل أن يغادر مصر إلى بريطانيا عام 1983 لمواصلة دراسة الدكتوراه، لكنه لم يستكملها، واتجه لاحقًا إلى عالم التجارة والأعمال.

ولم تتوقف رحلته التعليمية عند الهندسة، إذ حصل كذلك على ليسانس الآداب من جامعة عين شمس في قسم الاجتماع، إضافة إلى دبلوم الدراسات الإسلامية، ودبلوم المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، إلى جانب دبلوم إدارة الأعمال ودبلوم التسويق الدولي.

كان التعليم بالنسبة إليه مسارًا ممتدًا، جمع بين العلوم الهندسية والاجتماعية والدراسات الإسلامية والإدارة، في حياة اتخذت لاحقًا منحى سياسيًا وتنظيميًا شديد التعقيد.

 

البدايات.. طالب يبحث عن طريقه

بدأ الشاطر نشاطه العام في سنوات شبابه، وشارك في النشاط الطلابي خلال فترة الدراسة. وتقول سيرته إنه انضم في مرحلة مبكرة إلى منظمة الشباب الاشتراكي، قبل أن يتجه إلى النشاط الإسلامي عام 1967، ثم شارك في بدايات العمل الإسلامي بجامعة الإسكندرية خلال سبعينيات القرن الماضي.

وفي عام 1974 انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين، ليصبح لاحقًا واحدًا من أبرز قياداتها، وعضوًا في مكتب الإرشاد منذ عام 1995.

ومع مرور الوقت، أصبح الشاطر أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا داخل الجماعة، وتولى منصب النائب الثاني للمرشد السابق محمد مهدي عاكف، ثم النائب الأول للمرشد محمد بديع.

لكن الصعود التنظيمي والسياسي كان له ثمن شخصي كبير، إذ ارتبط اسم الشاطر على مدى عقود بالسجون والمحاكمات والملاحقات الأمنية.

 

 قضى ربع قرن من عمره خلف القضبان

تقول الرواية المتداولة عن حياته إنه أمضى نحو 25 عامًا في السجون المصرية، وهي سنوات تمثل قرابة ثلث حياته حتى بلوغه منتصف السبعينيات من العمر.

وبينما تختلف التفاصيل والأحكام والظروف القانونية من قضية إلى أخرى، فإن السجن ظل حاضرًا بصورة متكررة في مسيرته، يفصل بينه وبين أسرته ويقطع عليه مسارات العمل والحياة الطبيعية.

وكانت فترات الاعتقال المتكررة تعني بالنسبة لأسرته أكثر من مجرد غياب رب الأسرة؛ فقد كانت تعني أبناء يكبرون بعيدًا عنه، ومناسبات عائلية تمر دون وجوده، وحياة يومية تتحول فيها الزيارات والسؤال عنه إلى جزء من الروتين الأسري.

 

الأسرة.. الوجه الآخر للمحنة

تزوج خيرت الشاطر من عزة أحمد توفيق، التي كانت زميلة له في كلية الهندسة وشاركت في النشاط الإسلامي خلال سنوات الجامعة. وأنجبا عشرة أبناء، ثماني بنات وولدين، ولهما عدد من الأحفاد.

لكن الأسرة لم تبق بعيدة عن تداعيات مسيرته السياسية؛ فقد تعرضت زوجته وبناته وأزواج بعض بناته لإجراءات أمنية واتهامات في فترات مختلفة، قبل أن يُخلى سبيل بعضهم لاحقًا. وهكذا، لم يعد السجن تجربة يعيشها الرجل وحده، بل أصبح حدثًا ينعكس على أسرة كاملة، ويترك أثره في تفاصيل الحياة اليومية للأبناء والزوجة.

كانت الأسرة تتعلم، بمرور الوقت، كيف تتعامل مع الغياب، وكيف تواصل حياتها بينما أحد أكثر أفرادها حضورًا في حياتهم يقضي سنوات طويلة خلف الجدران.

 

حين يصبح السجن حياة موازية

السجن الطويل لا يُقاس فقط بعدد السنوات التي يقضيها الإنسان خلف القضبان، وإنما بما يفوته خارجها، فالأبناء يكبرون، والأحفاد يولدون، والوجوه تتغير، والأصدقاء يرحلون، والمجتمع يتبدل، فيما يظل السجين في مساحة زمنية مختلفة.

وفي حالة الشاطر، تداخلت سنوات السجن مع تحولات سياسية كبرى شهدتها مصر؛ من عهد الرئيس أنور السادات، مرورًا بعهد حسني مبارك، ثم ثورة يناير، وصولًا إلى صعود جماعة الإخوان إلى الحكم  والانقلاب عليها، وما أعقب ذلك من موجة اعتقالات ومحاكمات واسعة. وبذلك، لم يكن السجن مجرد مكان في حياته، بل أصبح شاهدًا على تحولات سياسية متعاقبة عاشها من داخله.

 

حلم الرئاسة الذي لم يكتمل

بعد ثورة يناير 2011، خرج الشاطر إلى المجال السياسي بصورة أكثر وضوحًا، وأصبح واحدًا من أبرز وجوه الجماعة في المرحلة الانتقالية. وفي عام 2012 اختارته جماعة الإخوان المسلمين مرشحًا لها في انتخابات الرئاسة، لكن ترشحه لم يستمر بعد استبعاده من السباق الانتخابي، ليحل محمد مرسي مرشحًا للجماعة ويفوز لاحقًا بالرئاسة.

كان ذلك فصلًا قصيرًا في مسيرة رجل قضى عقودًا في التنظيم والسجن والعمل العام، ثم وجد نفسه في قلب أكبر تحول سياسي شهدته مصر خلال عقود.

لكن التجربة لم تدم طويلًا، فعقب الانقلاب علي الرئيس الشهيد محمد مرسي في يوليو 2013، عاد الشاطر إلى السجن، وهذه المرة في سياق سياسي وأمني أكثر قسوة، مع فتح سلسلة من القضايا والمحاكمات بحق قيادات الجماعة.

 

بين الأب والقيادي

وراء صورة القيادي السياسي والتنظيمي، بقيت صورة أخرى أقل ظهورًا في الإعلام: صورة الأب والزوج، فالرجل الذي كان حاضرًا في اجتماعات التنظيم وملفات السياسة والاقتصاد، كان غيابه في البيت أكثر حضورًا من أي وقت مضى.

كانت الأسرة تنتظر الزيارة، وتحاول التواصل، وتعيش تحت ضغط الأخبار والأحكام والقضايا، بينما يظل الأب خلف القضبان.

وفي الروايات التي نُقلت عن أسرته، تظهر محاولات للتعامل مع هذه السنوات باعتبارها ابتلاءً ينبغي الصبر عليه، لا سيما مع تكرار الاعتقال وتعدد القضايا.

 

سنوات السجن.. اختبار للعائلة أيضًا

لا يختبر السجن قدرة المعتقل على التحمل وحده؛ فالعائلة تخوض بدورها اختبارًا طويلًا؛ حيث تتحمل الزوجة مسئوليات الأسرة، والأبناء يواجهون غياب الأب، والأحفاد يعرفون جدهم من خلال الزيارات والرسائل والصور.

وفي حالة عائلة الشاطر، زادت صعوبة التجربة مع تعرض بعض أفرادها أنفسهم للاحتجاز أو الملاحقة، وفق ما ورد في روايات وتقارير عن الأسرة. وبذلك أصبحت الحدود بين حياة الرجل السياسية وحياة أسرته الخاصة شبه غائبة؛ فما يحدث له كان ينعكس عليهم بصورة مباشرة.

 

إنسان خلف الاسم السياسي

قد يختلف المصريون جذريًا حول خيرت الشاطر ودوره السياسي والتنظيمي ومشروع جماعة الإخوان المسلمين، لكن خلف الاسم السياسي توجد حياة إنسانية كاملة.

رجل بدأ حياته مهندسًا، ثم أكمل دراساته في مجالات متعددة، وخاض عالم التجارة والأعمال، وتزوج وأنجب، ثم أمضى سنوات طويلة من عمره داخل السجون.

وفي نهاية المطاف، تختزل السيرة الإنسانية للشاطر مفارقة قاسية: كلما اتسع حضوره السياسي والتنظيمي، ضاقت مساحة حياته الخاصة؛ وكلما ازداد اسمه حضورًا في المشهد العام، ازداد غيابه عن أسرته.

لقد مرّت عليه سنوات كان يمكن أن تكون سنوات عمل واستقرار ووجود إلى جوار أبنائه وأحفاده، لكنها تحولت إلى سنوات من الاعتقال والمحاكمات والانتظار.

وهكذا، بعيدًا عن السياسة التي صنعت شهرته والجدل الذي أحاط به، تبقى في سيرته قصة أخرى: قصة إنسان دفعت حياته الخاصة ثمنًا باهظًا لسياسيات أنظمة حاكمة لا تعرف للعدالة طريقا فمن العدالة ان تستفيد الدولة من خبرات الرجل المتعددة، خصوصا وانه طوال مسيرته العملية لم يرتكب جرما ولم يدعُ الي العنف، وأسرة وجدت نفسها تعيش سنوات طويلة على وقع السجن والغياب والانتظار.