في الوقت الذي انتهت فيه رسميًا رحلة شركة النقل والهندسة، صاحبة علامة «نسر» التاريخية في صناعة الإطارات، وفي الوقت الذي كانت الحكومة قد أعلنت فيه عن خطة لإحياء الصناعة وإعادة إنتاج الإطارات على أرض الشركة في العامرية، تظهر في سبتمبر 2026 تطورات جديدة تحمل اسمًا صينيًا واضحًا: شركة Shandong Linglong Tire تعلن استثمار 270 مليون دولار لإنشاء مصنع في برج العرب بالإسكندرية بطاقة مستهدفة تبلغ 6 ملايين إطار نصف فولاذي سنويًا، موجهة أساسًا لسيارات الركوب والمركبات التجارية الخفيفة.
المشروع الصيني ليس دليلًا بذاته على وجود مؤامرة، لكنه يجعل السؤال الاقتصادي والسياسي أكثر حساسية: هل كانت مصر ستصل إلى النتيجة نفسها لو أُعيد تشغيل «نسر» وتحديثه بدل تصفيته؟ ومن المستفيد من الفجوة الزمنية بين إغلاق المصنع القديم وظهور الطاقة الإنتاجية الأجنبية الجديدة؟
الاستيراد ليس هامشيًا
بحسب بيانات التجارة الدولية لعام 2024، استوردت مصر نحو 3.7 مليون إطار لسيارات الركوب بقيمة تقارب 225 مليون دولار، وفي فئة إطارات الشاحنات والحافلات بلغت الواردات نحو 2.03 مليون إطار بقيمة 331.3 مليون دولار، وكان نصيب الصين منها نحو 140.6 مليون دولار.
والصين ليست وافدًا جديدًا إلى سوق الإطارات المصرية؛ هي بالفعل لاعب رئيسي في الواردات.
أما رقم «3 مليارات دولار سنويًا» المتداول في بعض المنشورات، فلا تؤيده الأرقام التجارية المتاحة للإطارات المصرية في 2024. والرقم الحكومي الذي أعلنه وزير قطاع الأعمال في مارس 2025 كان أن مصر تستورد نحو 15 مليون إطار سنويًا بتكلفة تتراوح بين 400 و500 مليون دولار.
وبالتالي، فإن القضية أقوى عندما تُبنى على الأرقام الصحيحة، لا على رقم مبالغ فيه يمكن أن يهدم الحجة بدل أن يقويها.
مصنع مصري يُصفّي
في مارس 2025 أعلنت الحكومة أن شركة النقل والهندسة تمت تصفيتها، مع تأكيد وزير قطاع الأعمال في الوقت نفسه أن صناعة الإطارات نفسها صناعة مجدية، وأن هناك خطة لإحياء العلامة التجارية «نسر» وإنشاء مصنع جديد على أرض العامرية البالغة نحو 183 ألف متر، بالتعاون مع القطاع الخاص.
مافيا الاستيراد.. اتهام يحتاج إلى دليل
فالسوق الذي تبلغ وارداته مئات الملايين من الدولارات سنويًا يخلق بطبيعة الحال مصالح تجارية مرتبطة بالاستيراد والتوزيع والتمويل والنقل والتجارة، وكلما تأخر الإنتاج المحلي، استمرت هذه المصالح في العمل.
ففي 2 سبتمبر 2026 أعلنت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية المصرية توقيع خطاب نوايا مع شركة ZC Rubber الصينية لدراسة إقامة مجمع متكامل لصناعة الإطارات باستثمارات تقديرية تبلغ 500 مليون دولار، مع توجه لتصنيع الإطارات ومدخلات الصناعة.
ثم جاء إعلان Linglong بمشروع محدد بقيمة 270 مليون دولار وطاقة 6 ملايين إطار سنويًا، وهذا يعني أن المنافسة لم تعد فقط بين إطار مصري وإطار صيني على رف متجر، بل نحن أمام احتمال نشوء قاعدة تصنيع إطارات صينية داخل مصر.
وهنا يصبح السؤال الصناعي أكبر من قضية «النقل والهندسة»: هل ستكون مصر صاحبة صناعة إطارات وطنية قوية تستفيد من الاستثمار الأجنبي، أم تتحول إلى قاعدة إنتاج لشركات أجنبية بينما تظل القيمة المحلية المضافة محدودة؟
وإذا جاء المستثمر الصيني بتكنولوجيا حديثة، ونسبة مرتفعة من المكون المحلي، وتدريب للعمالة المصرية، وسلاسل توريد محلية، وتصدير، ومدخلات إنتاج مصنعة داخل مصر، فقد يتحول الاستثمار إلى إضافة حقيقية للصناعة المصرية.
أما إذا اقتصر الأمر على تجميع أو إنتاج محدود القيمة المضافة، مع استمرار اعتماد السوق على الواردات في أجزاء كبيرة من سلسلة القيمة، فإن مصر تكون قد عالجت جزءًا من مشكلة الاستيراد دون أن تبني بالضرورة صناعة وطنية متكاملة.
مخاوف الناس
بعيدًا عن البيانات الرسمية والقرارات الحكومية، هناك جانب آخر من القصة يستحق التوقف عنده: ما يقوله الناس وما يثيره المشهد من مخاوف وتساؤلات.
فالتصفية الرسمية لشركة النقل والهندسة، التي تأسست عام 1946 وبدأت إنتاج الإطارات عام 1956، جاءت بعد سنوات من توقف النشاط وتراكم الخسائر، ثم تبعتها تصريحات حكومية تؤكد أن صناعة الإطارات نفسها ما زالت مجدية، وأن هناك خطة لإحياء علامة «نسر» وإنشاء مصنع جديد على أرض الشركة في العامرية.
هذه المفارقة تحديدًا هي التي دفعت البعض إلى طرح أسئلة أكثر حدة من مجرد سؤال الخسائر والأرباح. فكيف تنتهي شركة وطنية عريقة إلى التصفية بسبب أوضاعها الاقتصادية، بينما تؤكد الحكومة في الوقت نفسه أن السوق المصرية تحتاج إلى نحو 15 مليون إطار سنويًا، وأن فاتورة الاستيراد تتراوح وفق التصريحات الرسمية حول هذا الملف بين 400 و500 مليون دولار سنويًا؟
ومن بين الأصوات التي عبّرت عن هذه المخاوف، كتبت 🇪🇬 ليلى وهبي يوسف @lolafighter متسائلة: «إزاي بلد محتاجة كل دولار… تختار بإرادتها إنها تحرق مليارات الدولارات في الاستيراد، وفي نفس الوقت تتخلى عن قلعة صناعية وطنية؟» ثم انتقلت إلى السؤال الأكثر حساسية: «مين المستفيد من فتح أبواب الاستيراد على هذا النحو؟»، مطالبة بكشف تفاصيل القرار للرأي العام.
https://x.com/lolafighter/status/2103065052370899287
وفي الاتجاه نفسه، ذهب شريف سرحان @SarhanSher99318 إلى طرح تفسير أكثر حدة، معتبرًا أن إغلاق الشركة يفتح المجال أمام ما وصفه بـ«مافيا الاستيراد»، ومتسائلًا عن سبب عدم تطوير المصنع بدلًا من تركه يتدهور حتى الوصول إلى التصفية، وهذه، بطبيعة الحال، وجهة نظر واتهام يحتاجان إلى أدلة مستقلة لإثباتهما، وليس مجرد تداولهما على مواقع التواصل.
أما سلامة @FattahFattahh، فقد أعاد نشر الفكرة بصورة أكثر مباشرة، متسائلًا عن جدوى إغلاق مصنع تاريخي في الوقت الذي تستمر فيه الحاجة إلى الإطارات والاستيراد، ومستخدمًا تعبير «مافيا المستوردين» لوصف ما يراه تناقضًا في السياسة الصناعية.
هذه المخاوف لا تعني أن ما يقال على مواقع التواصل يمثل حقيقة مثبتة، لكنها تكشف أزمة ثقة حول تفسير القرار.
فالوثائق الرسمية المنشورة بشأن التصفية تشير إلى أسباب قانونية ومالية واضحة، من بينها توقف نشاط الشركة منذ سنوات، وتراكم الخسائر، وعدم توافر مستثمرين للدخول في مشروع إنشاء مصنع جديد للإطارات في ذلك الوقت، فضلًا عن الإشارة إلى تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات، كما نص القرار على حل الشركة وتصفيتها.
لكن في المقابل، يبقى السؤال الذي يغذي مخاوف الجمهور قائمًا: إذا كانت المشكلة في الشركة وليست في صناعة الإطارات، فلماذا لم تنجح الدولة في إيجاد المستثمر والشريك التكنولوجي قبل التصفية؟
فبعد أيام من إعلان التصفية، أعلنت الشركة القابضة للصناعات الكيماوية أنها تتفاوض مع مستثمرين لإنشاء مصنع جديد وإحياء علامة «نسر»، وأكد وزير قطاع الأعمال أن الصناعة نفسها «مجدية».
وهنا تحديدًا تتشكل المخاوف الشعبية: هل نحن أمام إعادة بناء فعلية لصناعة وطنية، أم أمام فترة انتقالية طويلة يظل خلالها السوق معتمدًا على المستورد؟
فكل شهر تأخير في إقامة الطاقة الإنتاجية المحلية يعني استمرار الاعتماد على الواردات، بينما تظل علامة «نسر» مجرد وعد بإعادة الإحياء.
ففي مارس 2025 أُعلن رسميًا عن خطة لإعادة إحياء علامة «نسر» وبناء مصنع جديد على أرض الشركة بالعامرية بالتعاون مع القطاع الخاص.
وفي يوليو 2025، كانت هناك تقارير عن أن تصفية الشركة قد تمتد إلى عشر سنوات بالتوازي مع تقييم الأصول وتجهيز أرض العامرية لمشروع مصنع الإطارات الجديد.
وتزداد المخاوف من أن يتحول تأخر مشروع «نسر» إلى فرصة دائمة ومفتوحة للمستوردين للتحكم في السوق. ويتساءل الشارع بقلق: «هل يمكن أن يجد المستثمر الأجنبي طريقه إلى السوق المصرية ويستحوذ عليه أسرع من عودة العلامة الوطنية؟».
ولماذا يملك الرأي العام تفاصيل الاستثمار الصيني الجديد بقيمة 270 مليون دولار، بينما يغيب المصير النهائي لعلامتهم الوطنية «نسر» في غموض تام؟
وتعجبت الصحفية هاجر صلاح، الكاتبة في جريدة الأهرام، في مقالها من كيف لمصنع ينتج سلعة لا يتوقف الطلب عليها أبدًا، كالإطارات، أن يحقق خسائر تودي به إلى التصفية، خاصة في وقت تؤكد فيه الحكومة رغبتها في تقليل فاتورة الاستيراد.
ووفقًا لأرقام 2024، استوردت مصر نحو 3.7 مليون إطار ملاكي بقيمة 225.2 مليون دولار، في وقت وصلت فيه واردات إطارات الشاحنات والأتوبيسات إلى 2.03 مليون إطار بقيمة 331.3 مليون دولار.
وتوضح هذه الأرقام أن السوق المصرية ما زالت تستوعب كميات كبيرة من الإطارات المستوردة، بما يعكس وجود طلب مستمر على المنتج، ويطرح سؤال القدرة الإنتاجية المحلية ومدى إمكانية إحلال جزء من الواردات بإنتاج مصري.
كما تحتاج صناعة الإطارات إلى سياسة صناعية متكاملة تتعامل مع تقلبات سعر الصرف وتوفر جزءًا أكبر من مدخلات الإنتاج محليًا، مثل المطاط الصناعي وأسلاك الصلب والمنسوجات وأسود الكربون والزيوت والمواد الكيميائية، إلى جانب وضع قواعد واضحة لمواجهة الإغراق وحماية المنافسة.