على عكس التاريخ والاستراتيجية المصرية التي وضعت مصر في محور مناطق العالم العربي والشرق الأوسط والعمق الإفريقي، باتت مصر مهددة أكثر من أي وقت مضى، منذ انقلاب 3 يوليو 2013، وتحكُّم الحثالة العسكرية غير الوطنية في مصير البلاد، ولا يقصد هنا عموم المؤسسة العسكرية بقدر القيادات العسكرية التي تتحكم وتعمل لصالح بيزنس ضيق لا يستفيد منه عموم المصريين ولا عموم المؤسسة العسكرية ذاتها.
فمقابل أن تعود مصر للاتحاد الإفريقي بعد تعليق عضويتها إثر الانقلاب العسكري، وقّع السيسي على وثيقة الخراب والكوارث المائية لمصر مع إثيوبيا، والتي أنهت كل الحقوق التاريخية المحفوظة لمصر في مياه النيل، كما استرضى الأفارقة بالتوقيع على اتفاقية عنتيبي التي ظل المخلوع مبارك رافضًا توقيعها، ومتمسكًا بحق مصر التاريخي في مياه النيل.
وجاءت مواءمات إسرائيل والإمارات لدى الجانب الإفريقي لتحقيق مصالحهما بالأساس، فيما يجري إيهام السيسي المصريين بأنه يعمل لصالحهم.
في هذا الإطار جاءت ورقة بحثية نشرها موقع “الشارع السياسي” بعنوان “مستقبل القرن الإفريقي في ظل سحب إثيوبيا بساط النفوذ من مصر”، محذرة من مصير مصر المتردي بمنطقة القرن الإفريقي، التي تعد أبرز مناطق النفوذ المصرية التاريخية.
وقالت الدراسة، إن منظومة النفوذ في منطقة القرن الإفريقي ظلت محسومة لسنوات طويلة لمصر، في ظل هيمنتها على قضية المياه ومنها دول أعالي النيل من بناء أي سدود أو تغيير نظام تقسيم مياه النيل بموجب اتفاقيتي 1929 و1959، إضافة إلى تمدد نفوذها التقليدي وقوتها الناعمة (الأزهر + الدراما + السلع المصرية التقليدية)، إلى ما قبل انهيار نظام مبارك.
“اتفاقية عنتيبي”
وأشارت إلى أن تراجع نفوذ القاهرة التدريجي من القرن الإفريقي، جاء بفعل إهمال نظام مبارك للقارة، وكذا حالة السيولة السياسية التي شهدتها مصر عقب الانقلاب العسكري الذي وقع في 3 يوليو 2013، متزامنا مع خطوات إسرائيلية متصاعدة لبسط النفوذ في المنطقة للضغط على مصر بملف المياه وضمان الملاحة في البحر الأحمر، وذلك عبر استغلال نفس الأدوات المصرية في بسط النفوذ، خاصة إقامة مشروعات مائية وزراعية وتجارية مع دول أعالي النيل خصوصا.
وأوضحت أن التراجع المصري تزامن أيضا مع خطوات إثيوبية قادها رئيس الوزراء الراحل “ملس زيناي”، والحالي “أبي أحمد” لتحويل بلادهم إلى مركز قوة يناطح القاهرة، بدأت بطرح فكرة “الاتفاق الإطاري لدول حوض النيل” أو “اتفاقية عنتيبي” عام 2010، التي تلغي حقوق مصر التاريخية واتفاقي 1929 و1959، ويلغيان أي فيتو مصري على كيفية استخدام دول حوض النيل لمياه النيل ويجعلها بالتساوي ويسمح ببناء السدود، وانتهت هذه المرحلة ببناء “سد النهضة” الذي يسلب مصر حقوقها المائية التاريخية ويلغي نفوذها المائي القديم.
وذهبت الدراسة إلى أنه عقب قبول السيسي اتفاقية سد النهضة واعترافه بالتالي ضمنا بنهاية نفوذ مصر المائي وحقوقها التاريخية في اتفاقيتي 1929 و1959، بل وحضوره قمة دول اتفاقية عنتيبي عام 2017، وانحياز الخرطوم لمصالحها في بناء سد النهضة ضد مصالح مصر، تسرب النفوذ تماما في القرن الإفريقي من أيدي مصر إلى إثيوبيا.
مستقبل غامض
وارتبط القرن الإفريقي، الذي يشق مياه البحر في شرق إفريقيا إلى نصفين جنوب خليج عدن، بالعديد من الأزمات والمشكلات الإقليمية والدولية، حتى بات يعرف في الأدبيات السياسية بأنه جزء من “قوس الأزمة” التي تمتد لتشمل منطقة الخليج العربي، ولذلك أصبح يشكل أزمة أمنية وسياسية وأيديولوجية؛ نظرًا لأهميته الاستراتيجية والتدافع الدولي عليه قديما وحديثا طلبا للسيطرة والنفوذ، وخضع الإقليم بسبب ذلك لعمليات فك وتركيب “جيوستراتيجية” لم تنته بعد.
ويقول د. حمدي عبد الرحمن، أستاذ الشئون الإفريقية بجامعة القاهرة: إن القوى الدولية التي سعت لإعادة صياغة القرن الإفريقي بما يخدم مصالحها، أسهمت في خلق العديد من الأزمات، منها أزمة الصومال، وإريتريا وتقسيم السودان، فضلا عن التصارع على ملف مياه النيل والتدخلات الدولية والصهيونية في هذا الملف الحساس الذي يستهدف أعداء مصر، استخدامه ضدها كسلاح، عبر تشجيع إثيوبيا ومشاريعها المائية على النيل.
ويرى مراقبون أن رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد يسابق الزمن بمبادراته في الداخل والخارج، ويحاول عن عمد أو غير عمد إعادة صوغ هندسة إقليم القرن الإفريقي جيوستراتيجيا، لهذا ركز على السلام مع جيران بلاده أولا، وإنهاء حرب حدودية خاضتها إثيوبيا وإريتريا استمرت من 1998 حتى 2000، وأسفرت عن سقوط نحو 80 ألف قتيل، وفق الإحصائيات الدولية، ومع هذا فهو يواجه تحديات كبرى في سبيل فرض نفوذه.
الأزمات العربية
يمكن رصد أبرز التحديات التي تواجه القرن الإفريقي حاليا ومستقبلا، وتشابكها مع الصراع الخليجي والممرات البحرية على النحو التالي:
قد تكون مصر خسرت معركة النفوذ في القرن الإفريقي لصالح إثيوبيا (المدعومة إسرائيليا وأمريكيا) وخسرت أيضا معركة سد النهضة وحقوقها التاريخية في مياه النيل، بيد أنه لا يمكن إغفال ضرورة حل مشكلة توفير المياه الكافية لمصر، وإلا تحول الأمر لمسألة حياة أو موت تدفع الشعب لمواجهة سلطة الانقلاب وهدم المشاريع الصهيونية والأمريكية لدعم السيسي كأفضل خادم ومنفذ لمصالح الغرب وإسرائيل، لهذا سيكون على دول حوض النيل وإثيوبيا خصوصا حل هذه المشكلة.
مصر كانت تلعب بكروت إقليمية منها إرتيريا، للضغط على أديس أبابا في سد النهضة، ولكن تقارب البلدين، أفقد القاهرة ورقة مهمة في هذا الملف، لهذا فالحديث عن أن مساعدة الإمارات والسعودية في هذه المصالحة بين إرتيريا وإثيوبيا هو لصالح مصر يبدو غير منطقي، بل إن إيداع الإمارات وديعة تقدر بثلاثة مليارات دولار في البنوك الإثيوبية، بدعوى الإسهام في التقارب الذي حدث بين أديس أبابا وأسمرا، يثير تساؤلات، لأن هذا المبلغ الضخم ستستفيد منه إثيوبيا في بناء سد النهضة الذي يضر مصر.
كما أن المصالحة بين أديس أبابا وأسمرا إذا تم تنفيذ تفاصيلها بشكل كامل، وصمدت بمواجهة الأطراف المعارضة لها في الداخل ووكلائها في الخارج، ستدفع إلى تغيير نوعي في منطقة القرن الإفريقي التي تعيش منذ عقود على وقع صراعات عرقية تغذيها تدخلات خارجية متعددة، بل وقد تدفع في إطار حل مشكلات أخرى مثل الصومال وصراعات أخرى في المنطقة، إذ أن إنهاء حالة (الحرب الباردة) بين إثيوبيا وإرتيريا سيكون تأثيراته الإيجابية على الإقليم وعلى ملفات حاضرة مثل النزاع في جنوب السودان، ومستقبل الاتفاق على سد النهضة.
أزمة سد النهضة
أحد أخطر العقبات في مسار العلاقات المصرية الإثيوبية هي “سد النهضة”، الذي بات النظام في مصر يدرك، مع الوقت، أنه تورط في توقيع اتفاقية تشييده، إذ أن السد تحول إلى رمز قومي في إثيوبيا وهدف وطني ينظر له– مثل بناء مصر للسد العالي– على أنه قاطرة التقدم والتنمية في إثيوبيا ونقلها من حالة الفقر والمجاعة التي طالتها عدة مرات، إلى الرخاء وتصدير الكهرباء للعالم.
بالمقابل أصبح بناء السد وتشغيله، الذي يعني حجز أكثر من 75 مليار متر مكعب مياه عن مصر (حصتها السنوية 55 مليارا)، أزمة حياة أو موت بالنسبة للمصريين، وأصبح أمل نظام السيسي الوحيد هو موافقة إثيوبيا– بضغوط أمريكية – على إطالة أمد فترة ملء السد وتشغيله (أي حجز المياه عن مصر لملئه).
إذ طرحت إثيوبيا فترة 3 سنوات للملء، ما يعني حجز نصف كمية المياه (25 مليار متر مكعب) التي تصل سنويا لمصر من النيل، ومن ثم تعطيش مصر وتبوير أراضيها، خاصة أن ما تحصل عليه مصر حاليا (55 مليار متر مكعب + 18 مليارا أخرى هي حصة السودان التي لا تستخدمها وتذهب إلى مصر) لا يكفي احتياجات مصر.
بالمقابل تتحدث القاهرة عن 7 إلى 10 سنوات، ويطرح الوسطاء فترة 5 سنوات كحل وسط، وفي كل الأحوال ستعاني مصر من احتجاز كميات مياه سنويا من حصتها من مياه النيل سواء كان 25 مليار متر مكعب على 3 سنوات، أو 15 مليارا على 5 سنوات أو حتى 10 مليارات فقط سنويا لمدة 7 سنوات.
وما يزيد الأزمة المائية مصريا أن خبراء الري يؤكدون أن ما تعلنه إثيوبيا عن حاجتها إلى 75 مليار متر مكعب من مياه النيل غير صحيح، وأنها ستحتاج لكميات أكبر قد تصل إلى 100 مليار متر مكعب بسبب تشرب تربة السد لكمية لا تقل عن 25 مليار متر مكعب.
فضلا عن أن استمرار تدفق مياه النيل عبر الهضبة الإثيوبية غير مضمون كميته سنويا، وقد تشهد بعض الأعوام قلة في هطول الأمطار في إثيوبيا تقل بموجبها كميات المياه المتدفقة في النيل خلال سنوات حجب نسبة من حصة مصر المائية، ما يزيد الأزمة اختناقا ويهدد باندلاع حرب في أي لحظة، مع ما يتصل بهذا من تداعيات على القرن الإفريقي والخليج العربي.
وتبقى مصر الخاسر الأكبر من التراجع الخارجي، حيث باتت في عهد السيسي مطية يجري تحقيق الأهداف الدولية بها، كما يحدث حاليا بالأمم المتحدة، حيث يلاعب ترامب ونتنياهو السيسي بالوقوف جانبه ضد الانتهاكات الحقوقية والأزمة الاقتصادية في مصر، لتحقيق التصفية الكاملة لقضايا اللاجئين الفلسطينيين والقدس فيما يعرف بصفقة القرن.
