من أبرز علماء الجيولوجيا .. “رشاد البيومي” سجين كل العصور و فجور فى الخصومة من المنقلب السيسى

- ‎فيلن ننسى

كيف يُتهم عالم مثل الدكتور محمد رشاد البيومي بهذا التاريخ ب"الإرهاب" فجأة، ويسجن بتهم مسيسة، ولماذا كتب على مصر أن تهين أنبيائها وتطردهم، وعلماءها  وتزج بهم في السجون بدل تكريمهم؟

فمنذ انقلاب الثالث من يوليو 2013، الذي أطاح بأول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، شنت أجهزة الأمن حملة اعتقالات واسعة ضد قيادات جماعة الإخوان المسلمين، كان الدكتور البيومي في مقدمة هؤلاء، حيث وُصف بأنه أول معتقل للانقلاب، في 4 يوليو 2013 ليصبح رمزًا لمعاناة ممتدة من التنكيل والإقصاء.

 

(17) عاما في سجون عبد الناصر ومرتين اعتقال في عهد مبارك و12 سنة في عهد عبد الفتاح السيسي بحق البروفيسور المرموق أستاذ الجيولوجيا سجين كل العصور أ.د.رشاد البيومي.

 

 

معايشة مع إخوانه

وعنه الدكتور كتب هاشم أمين في أغسطس 2013 مقالًا بعنوان "د. رشاد البيومي.. الإرهابي الذي أعرفه"، أعاد تساؤلات مقدمة التقرير وتساءل أيضا عن أثر ذلك على مستقبل مصر العلمي وهجرة العقول؟ ومن المستفيد من تغييب الكفاءات الوطنية خلف الأسوار؟

 

وختم باستشهاد بأبيات من نونية الشيخ د.يوسف القرضاوي التي تصف قسوة الظالمين على العلماء والمفكرين، مؤكدًا أن ما يحدث يمثل خسارة فادحة لمصر ولأجيالها القادمة.

وتناول هشام أمين، في مقاله التجربة الشخصية مع نائب المرشد العام للإخوان المسلمين أثناء فترة اعتقاله في سجن مزرعة طرة، المقال يعرض صورة مغايرة للاتهامات الرسمية، حيث ركّز على جوانب إنسانية وعلمية في شخصية البيومي ومنها تواضع القيادة وأنه رغم مكانته، كان البيومي متواضعًا مع رفاقه في الزنزانة، واختار النوم بجوار الباب ليكون أول من يواجه أي خطر محتمل، معتبرًا أن القيادة تكليف وليست تشريفًا.

 

ويشير "أمين" إلى خدماته الذاتية حيث كان يقوم بأعمال شاقة مثل ملء براميل المياه، وتنظيف المكان بنفسه رغم تجاوزه السبعين من العمر، دون أن يكلّف الشباب بذلك.

ويحكي عنه بعض من الذاكرة المؤلمة، حيث كان يروي "د. البيومي" قصصًا من تاريخ الجماعة، منها حادثة تعذيب شاب حتى الموت في عهد عبد الناصر، والتي ظل أثرها النفسي يلازمه.

وامتلك حسًا شعريًا أدبيا مرهفًا، وكان يكتب قصائد تدخل السرور على المعتقلين.

 

ويلفت إلى أن د.البيومي من كبار وأبرز خبراء الجيولوجيا في مصر، وأشرف على العديد من الرسائل العلمية، وأجرت معه جريدة الأهرام حوارًا وقت كارثة صخرة الدويقة باعتباره مرجعًا علميًا.

 

تدهور الحالة الصحية

ولأسباب كثيرة، تناول ناشطون وحقوقيون ومنظمات على ذات الغرض تدهور الحالة الصحية للبروفيسور رشاد محمد البيومي، البالغ من العمر 90 عامًا، والمعتقل منذ 12 عامًا، حيث يقبع حاليًا في مستشفى سجن بدر. وهو الأستاذ المتفرغ بقسم الجيولوجيا في كلية العلوم بجامعة القاهرة، باعتباره أول معتقل سياسي للانقلاب.

البيومي سبق أن أجرى عمليات قلب مفتوح وتغيير صمامات وتركيب دعامات للشرايين، ورغم حالته الصحية الحرجة رفضت السلطات الإفراج الصحي عنه كما تفعل مع السجناء الجنائيين، ليبقى محكومًا بالمؤبد في ظروف قاسية وغير إنسانية.

ويتعرض البيومي، لسياسة ممنهجة من الإهمال الطبي داخل السجون المصرية  وبين الحين والآخر، يُترك في زنزانة انفرادية باردة محرومًا من الزيارة والعلاج، وهذا المشهد يعكس قسوة غير مسبوقة في التعامل مع كبار السن والرموز الوطنية، ويثير مخاوف جدية بشأن الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.

الحقوقي هيثم أبو خليل  في أكتوبر الماضي حذر من أنه "في آخر سنوات كان محبوسا داخل مستشفى السجن لا يغادرها لحالته الصحية الدقيقة".
 

https://www.facebook.com/haythamabokhalil/posts/pfbid02WujutCUWCnvz7iNsbKrQhYktBPcmHKEg2AS1EmALVd2qAqGniYTrUyBpa65XZyrNl

 

يشير الناشطون إلى أن السلطات تجاهلت التحذيرات المتكررة من خطورة حبس كبار السن والمرضى والأكاديميين بتهم سياسية ملفقة، وهو ما يمثل انتهاكًا صارخًا للحقوق الإنسانية.

وقد اعتبره كثيرون رمزًا للخلق والعلم والوطنية، إذ شارك في مؤتمرات علمية دولية وأشرف على عشرات الرسائل العلمية، كما شغل منصب وكيل نقابة العلميين.

 

وأطلق عليه ناشطون لقب "عميد المعتقلين السياسيين في مصر"، حيث ظل محرومًا من حقوقه الأساسية طوال 13 رمضان متتاليًا خلف القضبان.

وكتب حقوقيون وشخصيات عامة أن وجود سجين رأي في هذا العمر، يعاني من أمراض مزمنة بينها مشكلات بالقلب، يمثل مكايدة سياسية غير إنسانية.

 

مسيرة علمية رائدة

وإلى جانب مسيرته السياسية، ترك البيومي بصمة علمية بارزة، سافر إلى الإمارات، حيث أشرف على رسائل علمية عدة ونشر 12 بحثًا في جيولوجية المنطقة، ثم عاد إلى القاهرة ليتدرج أكاديميًا حتى أصبح أستاذًا متفرغًا عام 1995، أشرف على 16 رسالة دكتوراه و14 رسالة ماجستير، وشارك في مؤتمرات دولية عدة، كما كان عضوًا في الجمعية الجيولوجية المصرية والجمعية الأميركية للجيولوجيا، وسافر في مهام بحثية إلى كندا وألمانيا.

إلا أنه في 3 ديسمبر 2017 أعلنت جامعة القاهرة (بظل الانقلاب) إنهاء خدمة 5 من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، لانتمائهم لجماعة الاخوان المحظورة، وشمل القرار كلا من الدكتور رشاد محمد علي البيومي أستاذ بكلية العلوم، والدكتورة باكينام رشاد حسن الشرقاوي أستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والدكتور عصام الدين عبد الحليم حشيش أستاذ بكلية الهندسة، كما شمل القرار الدكتور أحمد محمد الزهيري أستاذ بكلية الزراعة، والدكتور عبد الرحمن عمر الشبراوي أستاذ بكلية الصيدلة.

وجاء قرار مجلس جامعة القاهرة في إنهاء خدمتهم، تطبيقا لأحكام قانون الانقلاب رقم 8 لسنة 2015 في شأن قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين.

نداءات استغاثة دولية

وفي مارس 2021، أطلقت مؤسستا عدالة لحقوق الإنسان والشهاب لحقوق الإنسان نداءً عاجلاً إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، مطالبتين بإلزام السلطات المصرية باحترام الحق في الحياة ووقف الانتهاكات الجسيمة ضد السجناء السياسيين، وقد حذرت المنظمات من خطورة الإهمال الطبي الذي يواجهه البيومي، مؤكدة أن نقله لاحقًا إلى أحد المستشفيات الحكومية لم يرقَ إلى الحد الأدنى من الرعاية الطبية اللازمة.

وقضى البيومي ثماني سنوات (بين 12 سنة اعتقال) داخل سجن العقرب شديد الحراسة، سيئ السمعة، قبل أن يتم نقله إلى مجمع سجون بدر، خلال تلك الفترة تدهورت صحته بشكل كبير، وسط مخاوف من أن يلقى نفس مصير قادة الجماعة الذين رحلوا داخل المعتقلات، مثل الرئيس الشهيد د.محمد مرسي والمرشد الأسبق الأستاذ محمد مهدي عاكف.

 

في سياق اعتقالات جماعة الإخوان المسلمين عام 1965، كان شمس بدران وزير الحربية آنذاك هو المسؤول المباشر عن حملات القمع والتعذيب التي طالت المئات، بزعم أن الجماعة كانت تعيد هيكلتها بهدف الاستيلاء على الحكم عبر أعمال تخريبية واغتيالات، لكن شهادات المعتقلين، ومن بينهم الدكتور رشاد محمد البيومي نائب المرشد العام، تكشف جانبًا آخر من الحقيقة.

 

ويؤكد البيومي أن كل ما قاله بدران عن عدم وجود تعذيب هو كذب، مشيرًا إلى أنه شخصيًا تعرض للتعذيب على يده. ويروي أنه قال له يومًا: "اتقِ الله"، فرد بدران بوقاحة: "ما تجيبش سيرة ربنا… ولو نزل من السما هحبسه في الزنزانة اللي جنبك."

ويحكي عن أساليب التعذيب ومن أبرزها ما عُرف بـ"عروسة التعذيب"، وهي خشبة يُصلب عليها المعتقلون ويُجلدون، يذكر البيومي أن أحد أبطال حرب 1948 جُلد 40 جلدة، وقيل له إنها "هدية من الرئيس"، ثم رُشّ جسده بالبنزين.

وشملت الزنازين المغمورة بالماء حتى متر ونصف، إطلاق الكلاب المسعورة على المعتقلين، وتعليق البعض على المشانق لمجرد رفضهم ترديد أناشيد تمجّد عبد الناصر.

سيرة ومسيرة

وكان البيومي التحق بكلية العلوم جامعة القاهرة عام 1951، ثم ما لبث أن اعتقل عام 1954 عقب حادثة المنشية، فيما عُرفت تلك المرحلة بـ"المحنة الأولى"، قضى 18 عامًا متنقلاً بين سجون طرة والواحات وأسيوط والمحاريق، وتعرض لتعذيب شديد وصفه بأنه "لا يتحمله بشر"، خرج عام 1972 ليستكمل دراسته، وتخرج متفوقًا عام 1974، ثم حصل على الماجستير عام 1977 والدكتوراه عام 1980 بإشراف مشترك بين جامعتي القاهرة و"لندن أونتاريو" بكندا.

 

ولد البيومي صاحب الكفاءة العلمية والعطاء في 8 يوليو 1935 بقرية الحريزات الغربية بمحافظة سوهاج، ارتبط منذ طفولته بقضايا الأمة، وتأثر بمشاهد المتطوعين المتجهين إلى فلسطين عام 1948، شارك بنفسه في معركة القنال ضد الاحتلال البريطاني عام 1951 إلى جانب رموز من الإخوان المسلمين، بعد إلغاء معاهدة 1936.

ويشير الأكاديمي سامي حسن Samy Hassan إلى أن المعلومة الأهم عن الدكتور رشاد البيومي ليست أنه أكبر معتقل ولا أنه أستاذ جامعي، وأن الدكتور كان ممن قاوموا الاحتلال البريطاني في القناة وقت كان الجيش المصري يعمل تحت إمرة الإنجليز،  وأنه بطل قومي قاتل لتحرير مصر من الاحتلال وغيره، لم يطلق طلقة إلا على الاحتلال.

 

https://www.facebook.com/photo/?fbid=10234976131957082&set=a.4086518914134

والتحق بمراحل التعليم حتى نزح من بلدته إلى القاهرة ليلتحق بقسم الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة القاهرة عام 1951م، وقبل ذلك كان قد تعرف على جماعة الإخوان المسلمين، وأثناء الدراسة تولى البيومي مسئولية الطلاب بكلية العلوم في أوائل 1954م، وتوقف عن الدراسة بعد اعتقاله عام 1954م ثم عاد للكلية مرة أخرى في 5/1/1972م، بعد أن أُفرج عنه عام 1972م، وسجل بالفرقة الثانية، وتخرج معيدًا بالكلية عام 1974م.

وأنهى رسالة الماجستير عام 1977م، وحصل على الدكتوراه عام 1980م، تحت إشراف مشترك بين جامعة القاهرة وجامعة لندن إنتاريو بكندا.

وبعد أن أنهى رسالة الدكتوراه سافر لدولة الإمارات حيث قضى بها خمس، أشرف فيها على ثلاث رسائل دكتوراه ورسالة ماجستير ، ونشر 12 بحثًا عن جيولوجية الإمارات, ثم تدخل وزير الداخلية الأسبق "زكي بدر" لإنهاء إعارته بعد أن رُقي أستاذًا مساعدًا في عام سنة 1986م.

وعاد إلى جامعة القاهرة، وأشرف على 16 رسالة دكتوراه و14 رسالة ماجستير، ورُقي إلى درجة أستاذ 1992م, ثم أستاذًا متفرغًا في عام 1995م، ثم أستاذًا غير متفرغ منذ عام 2005م.

وشغل موقع عضو الجمعية الجيولوجية المصرية، ووكيل أول نقابة العلميين منذ عام 1991م حتى الآن، كما أنه عضو الجمعية الجيولوجية الأمريكية.

وشغل موقع نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين واعتقل  فجر 4 يوليو 2013

وتمثل قضية الدكتور رشاد البيومي نموذجًا صارخًا لانتهاك حقوق الإنسان في السجون المصرية، حيث يُحرم كبار السن والرموز الوطنية من أبسط حقوقهم في العلاج والزيارة، في ظل سياسة ممنهجة من التنكيل والإقصاء، إن استمرار هذا الوضع يضع السلطات المصرية أمام مسؤولية مباشرة تجاه التزاماتها الدولية في احترام الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.