في انتهاك جديد لحقوق الإنسان ومخالفة قانونية غير مسبوقة، شهدت دوائر ما يسمى بجنايات الإرهاب خلال الأيام الماضية قرارات بتجديد حبس معتقلين على ذمة قضايا سياسية مفبركة، دون حضورهم من محبسهم أو السماح للمحامين وأعضاء هيئة الدفاع بإبداء الدفوع وتقديم الطلبات.
ورغم المطالبات المحلية والدولية بإطلاق سراح المعتقلين لإنقاذهم من وباء فيروس كورونا المستجد، إلا أن نظام الانقلاب يتجاهل هذه المطالبات ويواصل حملات الاعتقال وتجديد قرارات الحبس وتجاوز مدد الحبس الاحتياطي لعدد كبير من المعتقلين فى تحد واضح لحقوق الإنسان.
وأكد قانونيون أن تجديد حبس أي متهم دون حضوره من محبسه ومثوله أمام القاضي غير قانوني، معتبرين أن أي قرار يصدر عن القاضي في مثل هذه الحالات باطل ويخالف صحيح القانون.
كانت الدائرة الثانية جنايات الجيزة (إرهاب) في محكمة جنايات القاهرة برئاسة معتز خفاجي قد قررت خلال جلستي 4، 5 مايو الجاري استمرار حبس 1275 معتقلا 45 يومًا احتياطيًا على ذمة 125 قضية تقوم نيابة أمن الدولة العليا بالتحقيق فيها، وذلك دون حضور المعتقلين من محبسهم أو السماح لدفاعهم بحضور جلسة نظر تجديد الحبس، وهو ما يطلق عليه المحامون “مصطلح التجديد على الورق”، وذلك في أول جلسات غرف المشورة بعد توقفها لأكثر من شهر ونصف في إطار الإجراءات الاحترازية لمواجهة وباء فيروس كورونا المستجد.
يشار إلى أن هذه الجلسات جاءت بعد صدور القرار رقم 45 لسنة 2020 من المستشار بدري عبدالفتاح رئيس محكمة استئناف القاهرة في 28 أبريل الماضي والذي أكد مباشرة دوائر الجنايات عملها منذ الأسبوع الأول من شهر مايو الجاري على أن يقتصر العمل على يومين فقط من أيام الدورة المقررة 6 أيام، وذلك للنظر في أوامر تجديد الحبس، سواء في استمرار الحبس أو إخلاء السبيل، طبقا لظروف وملابسات كل دعوى على حدة، لكن دون حضور المتهمين من محبسهم.
تعامل معكوس
من جانبها استنكرت “الجبهة المصرية لحقوق الإنسان” قرارات تجديد الحبس مشيرة إلى أنه في جلسة 4 مايو كان المحامون موجودين بقاعة المحكمة بمعهد أمناء الشرطة ويستعدون للحضور والقيام بدورهم في الدفاع عن موكليهم وعددهم 556 معتقلا، إلا أن الدائرة قامت بانتداب اثنين من المحامين فقط للدخول لقاعة المداولة، وأخبرتهم بصدور القرار باستمرار حبس جميع المعتفلين 45 يوما احتياطيًا، وذلك في غيبة المعتقلين ومحاميهم.
وقالت الجبهة، في بيان لها: إن ذلك تكرر في جلسة 5 مايو حيث طلبت المحكمة انتداب 5 محامين فقط للدفاع عن 719 معتقلا، وأبدى المحامون رفضهم لهذا وفسروا اعتراضهم على ذلك، قائلين إن العدد المعروض كبير، والمحامون الخمس غير ملمين بمواقف جميع المعتقلين، فكان رد الدائرة هو حبس جميع المعتقلين 45 يوما دون تمكين المحامين الحاضرين من القيام بدورهم في الدفاع عن المعتقبين الغائبين.
وأكدت أن هذا الإجراء مخالف لما نصت عليه المادة 136 من قانون الإجراءات الجنائية والتى نصت على أنه (يجب على قاضى التحقيق قبل أن يصدر أمر بالحبس أن يسمع أقوال النيابة العامة ودفاع المتهم) وما نصت عليه المادة 143 من ذات القانون بأنه ( إذا لم ينته التحقيق ورأى القاضى مد الحبس الإحتياطى وجب إحالة الأوراق إلى محكمة الجنح المستأنفة منعقدة فى غرفة المشورة لتصدر أمرها بعد سماع أقوال النيابة العامة والمتهم بالحبس مدد متعاقبة لا تزيد كل منها عن 45 يومًا).
وأشارت الجبهة إلى أنه في ظل هذه الظروف غير الاعتيادية وما تشكله أماكن الاحتجاز من خطر يتهدد حياة المحتجزين، وفي ظل مدد حبس تطول على إثر هذه الجائحة كان حريًا على الدائرة أن تفحص بدقة أوراق المعتقلين المعروضة أمامها، والتأكد من الاستماع لدفاعهم في ظل عدم حضورهم، وعدم الاكتفاء بالاستماع لرأي النيابة العامة في تحديد قرارات تجديد حبسهم، منتقدة تعامل الدائرة مع الحبس الاحتياطي كأنه الوضع الافتراضي والإفراج وإخلاء السبيل هو الأمر الاستئنائي.
كورونا والتنكيل
ونددت “الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان” بتجديد حبس المعتقلين احتياطيا دون حضور ودون دفاع، ومنع السجناء والمحبوسين احتياطيا من زيارة ذويهم ومحاميهم بالسجون.
وقالت الشبكة فى بيان لها إن وباء فيروس كورونا المستجد تحول إلى أداة أو وسيلة إضافية لزيادة التنكيل بالسجناء عموما، والمحبوسين احتياطيا من سجناء الرأي بوجه خاص.
وطالبت بإخلاء سبيل المحبوسين احتياطيا لا سيما في قضايا الرأي والجرائم غير الخطيرة، والتوقف عن إهدار حقوق المعتقلين بما يسمى “التعذرات الأمنية”، وفتح الزيارات للسجناء مع اتخاذ أي اجراءات وقائية تقرها نقابة الأطباء.
وكشفت الشبكة عن أن قرارات رئيس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولي الصادرة في 24 مارس الماضي، لم تتضمن تعليق العمل في المحاكم والنيابات، إلا أن وزير العدل بحكومة العسكر عمر مروان، وبعض رؤساء المحاكم استبقوا هذه القرارات، بتعليق العمل في كافة المحاكم والجلسات، وتأجيلها دون حضور أطراف القضايا، منذ 16مارس الماضى، خوفا من تداعيات محتملة لفيروس كورونا المستجد.
وأشارت الى أن وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب كانت قد قررت تعليق الزيارات بجميع السجون لمدة عشرة أيام اعتباراً من الثلاثاء 10 مارس الماضي، بزعم الحرص على الصحة العامة وسلامة النزلاء، لكن «القبض على المواطنين لم يتوقف، وتجديد حبس المحبوسين لم يتوقف، مؤكدة أن التجديد يتم على الورق .
وأوضحت الشبكة أن تجديد الحبس يجرى الآن دون حضور المعتقلين، دون حضور محاميهم، دون تقديم دفاع ليصبح الوضع؛ منع السجناء والمحبوسين احتياطيا من زيارة ذويهم ومحاميهم بالسجون، وتجديد حبس المحبوسين احتياطيا دون حضور ودون دفاع، وتساءلت الشبكة مستنكرة «هل يجوز ذلك؟”.
وشددت على أن الحبس الاحتياطي «إجراء بغيض» يتعارض مع مبدأ «المتهم برئ حتى تثبت إدانته»، مشيرة الى ان التشريعات الدولية والمحلية اهتمت بتقييد الحبس الاحتياطي وحددت له مبررات وشروط ومدد يجب مراعاتها وإلا يسقط، مما يوجب الافراج عن المحبوس احتياطيا.
إسراف غير مبرر
وقال الدكتور محمود رجب فتح الله المحامي أمام الجنايات إن الحبس الاحتياطي إجراء خطير يجب ألا يتم اللجوء إليه إلا في جرائم على جانب كبير من الأهمية، موضحا أن الوضع الحالي أدى إلى الإسراف في الحبس الاحتياطي دون مبرر .
وأضاف فتح الله في تصريحات صحفية أن بعض التشريعات الأجنبية اشترطت لجواز الحبس الاحتياطي أن تكون الجريمة الصادر بشأنها الحبس معاقبا عليها بمدد أكبر من المذكورة في القانون المصري، مثل التشريع الفرنسي، الذي لا يجيز الحبس الاحتياطى إلا في الجرائم التي يصل الحد الأقصى للعقوبة فيها إلى ثلاث سنوات على الأقل. بل إن قانون تحقيق الجنايات الأهلي المصري ذاته كان لا يجيز الحبس الاحتياطي إلا إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة معاقب عليها كحد أقصى بالحبس سنتين على الأقل أو كانت جنحة من الجنح الواردة على سبيل الحصر فى المادة 36/ من هذا القانون.
وطالب بضرورة أن ينص القانون على أن تكون الجرائم التي يجوز فيها الحبس الاحتياطي في التشريع المصري ـ فى الوقت الحاضر على الأقل ـ معاقبا عليها بالحبس الوجوبي الذي يزيد حده الأقصى على سنة واحدة أو الحبس التخييرى الذي تزيد مدته على سنتين.
وأشار فتح الله إلى أن هناك بعض الأحوال حظر فيها القانون الحبس الاحتياطى حتى ولو توافرت شروطه، من ذلك ما نصت عليه المادة 41 من القانون رقم 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة من أنه “لا يجوز الحبس الاحتياطي في الجرائم التي تقع بواسطة الصحف إلا في الجريمة المنصوص عليها فى المادة 179 من قانون العقوبات”، موضحا أن حظر الحبس الاحتياطي في الجرائم التي تقع بواسطة الصحف الغرض منه كفالة حرية الصحافة حتى لا يهدد أصحاب الرأي بإجراء خطير مثل الحبس الاحتياطي.
وتابع: لكن هذا لا يمنع القبض على المتهم فى هذه الجرائم ، ذلـك أن المادة 130 من قانون الإجراءات الجنائية أجازت القبض على المتهم ولو كانت الجريمة مما لا يجوز فيها الحبس الاحتياطي في الأحوال التي ذكرتها، فإذا وجه إلى المتهم باحدى هذه الجرائم أمر بالحضور فلم يمتثل، فيجوز للمحقق إصدار أمر القبض عليه واحضاره، ثم يصدر المحقق بعد سؤاله أمرا بالافراج عنه، ولا يصدر أمرا بحبسه احتياطيا.
