..شعرة معاوية لا تزال قائمة لأنهم جدار قوي يستند عليه النظام
سلسلة تطورات شهدها الأردن في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين، يصعب عدم الربط بينها، تمثلت في عدم الاعتراف الرسمي والقضائي بالجماعة الأم واعتبارها محلولة في آخر حكم لمحكمة التمييز منتصف يونيو 2020 الماضي، ثم ما تردد عن دعم دول محسوبة على الثورة المضادة لخطة أردنية للإجهاز على الجماعة، وأخيرا الربط بين الجماعة واحتجاجات المعلمين الأردنيين الاخيرة التي انتهت باعتقال كل أعضاء مجلس النقابة وغالبيتهم من الإخوان.
قبل هذا انتشرت جملة ملكية قالها الملك عبد الله ملك الأردن، قوامها إن "عمان تنسّق مواقفها مع مصر والإمارات"، ما يعني ضمنا تنسيقا ثلاثيا ضد جماعة الإخوان المسلمين، بلورها استقبال عاهل الأردن ووزير خارجيته، وزير الخارجية المصري سامح شكري، ثم زيارة الملك عبد الله الثاني للإمارات، والتي أعقبها صدام وحل الحكومة الأردنية لمجلس نقابة المعلمين لمدة عامين رغم أنه مجلس منتخب.
مؤشرات الحسم ضد الإخوان
هذه التطورات جعلت البعض يقول إن عمان حسمت أمرها وقررت خنق جماعة الإخوان بدعم من محور الثورة المضادة، أو أن خصوصية العلاقة بين الدولة الأردنية والإخوان انتهت على ما يبدو.
وأن من مظاهر هذا التحرك حكم القضاء الأردني بعدم الاعتراف بالجماعة الأم والاعتراف فقط بجماعة منشقة عنها (جمعية الإخوان المسلمين)، والدخول في صدام مع مجلس نقابة المعلمين الذي فازت به جماعة الإخوان في آخر انتخابات.
وقيل إن هذا التحرك جاء في سياق الحلف الإماراتي المصري الأردني الجديد، وعدم إخفاء الصدام مع الجماعة الذي تأخر منذ انهيار الربيع العربي، وأن أحد اسبابه هو دعم الإمارات للأردن اقتصاديا (للتغلب على الأزمة الاقتصادية التي استفحلت مع فيروس كورونا) وسياسيا (بدعم الأردن في مواجهة معركة الضم لغور الأردن وعدم ضم الكيان الصهيوني له).
فالأردن يعاني من أزمة مالية واقتصادية خطيرة للغاية ووصلت إلى مراحل مسدودة، خاصة بعد أزمة كورونا، لذلك لجأ إلى الإمارات لحل الإشكالية الحالية، والزيارة الوحيدة الخارجية للملك عبد الله منذ أزمة كورونا وحتى اليوم كانت للإمارات، لهذا قيل إنه واكبها طلب إماراتي بإجراء بشأن جماعة الإخوان بالأردن.
وعزز هذه الآراء حفاوة وسائل الإعلام الإماراتية بقرار محكمة التمييز بحل الجماعة، والقرار الذي اتخذ ضد نقابة المعلمين، وفسره البعض على أنه استجابة أردنية.
مؤشرات عدم تكسير العظام مع الإخوان
بالمقابل يرى مراقبون أن الأردن صعب عليها أن تحسم الصراع مع جماعة الإخوان على غرار التجربة المصرية والإماراتية، أو أن تسير في ركاب الدول التي دعمت الثورات المضادة في مصر وليبيا وتونس، لأسباب تاريخية وقبلية.
فالإخوان كانوا الجدار الذي استند عليه النظام بالأردن في الأزمات المختلفة والذين يعتمد عليهم في الحشد الشعبي لمعاركه ضد ضم تل أبيب لغور الأردن، كما أنهم دعموا الحكم الملكي بصرف النظر عن الانتقادات أو المظاهرات التي ينظمونها ضده مثل دعمهم مظاهرات المعلمين الأخيرة، ولذلك يبدو أن الرهان لن يصل إلى مرحلة "كسر العظم" معهم على غرار ما فعلته أنظمة الثورات المضادة الأخرى.
ويرى أنصار هذا الرأي أن جماعة الإخوان المسلمين في الأردن تراهن على شراكة تمتد لفترة طويلة مع مؤسسة العرش والنظام، وأن التحالف بينهما ليس من السهل أن تنقطع عراه، فالإخوان في مفاصل تاريخية كثيرة كانوا الجدار الذي استند عليه النظام لمواجهة الأزمات الداخلية والخارجية.
وما يساعد على هذا أن هناك ذراعين للإخوان المسلمين بالأردن، (الذراع الأولى) حزب جبهة العمل الإسلامي، وهو حزب مرخص ويعمل وفق قانون الأحزاب الأردنية، و(الذراع الثانية) تتمثل في "جمعية الإخوان المسلمين" وهي مرخصة كذلك من خلال وزارة الشئون السياسية والبرلمانية وتمارس عملها.
أما جماعة "الإخوان المسلمين" الأم فأصبحت فاقدة لشرعيتها في الوقت الحالي من وجهة نظر النظام، وهو ما يمكن التحجج به أمام دول الثورة المضادة التي تطالب بإنهاء معركة الصدام مع الإخوان بشكل نهائي.
ماذا تعني معركة "المعلمين"؟
حظيت المعركة الاخيرة التي حدثت بين الدولة الأردنية والمعلّمين قبل عيد الأضحى بتفسيرات مختلفة، فهناك من اعتبرها جزءا من معركة خنق جماعة الإخوان بدعم من محور الثورة المضادة، باعتبار أن نقابة المعلمين (النقابة الأكبر في الأردن 200 ألف عضو تقريباً) يسيطر على غالبية مجلسها جماعة الإخوان المسلمين منذ انتخابات مارس 2016.
وهناك بالمقابل من يعتبر أن المعركة أكبر من جماعة الإخوان المسلمين، حتى ولو كان نائب نقيب المعلمين، المعتقل حالياً، ناصر النواصرة، هو ابن جماعة الإخوان المسلمين، والجماعة تسيطر على 164 مقعدا من أصل 316 من المقاعد بنسبة 52%.
فالنقيب الراحل أحمد الحجايا، الذي توفي في حادثة سير (اغسطس 2019)، ليس محسوباً على الإخوان، من قريب أو بعيد، وكان هو الذي يقود التصعيد مع الدولة قبل وفاته، فقرر المجلس (الذي يتكون من أعضاء من الإخوان وغيرهم، وبعضهم خصوم للإخوان) الاستمرار في برنامج التصعيد لنيل الحقوق التي يسعون إليها، ومن أبرزها تحسين الدخل والحصول على مساحة أوسع في شئون المناهج والتعليم والتدريب، واعتراضهم على بعض الأنظمة المعمول بها في وزارة التربية والتعليم مثل "السلّم الوظيفي".. إلخ.
بل إن الإخوان في إضراب 2019 كانوا منقسمين، بين من لا يريد التصعيد مع الدولة، ويحاول تجنب الأزمة، وبين من يريدون تحسين ظروفهم المعيشية، ويرون أنّ أيّ تراجع أو تخلٍّ عن مطالب المعلمين سيوسمهم بالخيانة والتواطؤ مع الدولة، أو تفضيل حسابات الجماعة (الإخوان) على زملائهم في المهنة.
ورغم هذا فقد جرى في الدعاية الرسمية، ربط موضوع المعلّمين، منذ بداية الأزمة في سبتمبر 2019، بالإخوان المسلمين، في محاولة من قبل "الحكومة" لاختزال المطالب الاقتصادية والإدارية للنقابة التي تعدّ الأكبر حجماً في البلاد (تضم أكثر من مائة ألف معلّم).
وكان مبرر وسائل الاعلام والحملة الحكومية على النقابة هو أن "الإخوان" هم من يسيطرون على مجلس النقابة بالأغلبية، وأنّ نائب النقيب منهم، لكن الحقيقة غير ذلك؛ وهي أن مطالب المعلمين تدعمها جميع التيارات السياسية المسيطرة على مجلس النقابة لا الإخوان فقط، والمظاهرات التي خرجت شارك فيها بالجميع باعتبارها مطالب فئوية تخص تحسين أحوال المعلمين لا مطالب سياسية.
يصعب بالتالي اختصار الأمر بالحديث عن قبول النظام في الأردن الانخراط في تحالف مع دول الثورة المضادة ضد جماعة الإخوان والسعي لاستئصال الجماعة بالكلية على غرار ما حدث في مصر والإمارات والسعودية، لأن هناك اعتبارات أخرى تجعل "شعرة معاوية" قائمة وقوية بينهما، أقلها اعتماد النظام على تقوية الإخوان وأنصارهم لظهره في مواجهة عمليات الضم الصهيوني، فضلا عن تبريد الساحة الداخلية والسعي لتقويتها في مواجهة التحديات الخارجية، وبصورة ما الداخلية.