وسط تفاقم أزمة الديون وضيق الخناق المالي على حكومة الانقلاب ، كشفت تقارير بريطانية عن مفارقة صادمة: المؤسسة العسكرية، التي تهيمن على قطاعات واسعة من الاقتصاد وتملك احتياطيات ضخمة من العملة الصعبة، رفضت إقراض الحكومة لسداد التزاماتها تجاه صندوق النقد الدولي، رغم تعثر الدولة وعجزها عن الوفاء بأقساط الديون.
ونقل موقع ميدل إيست آي عن مسئولين مصرفيين وحكوميين كبار أن القوات المسلحة رفضت، في ديسمبر الماضي، طلبًا رسميًا من الحكومة بتغطية قسط قيمته 750 مليون دولار مستحق لصندوق النقد الدولي، رغم أن الجيش يمتلك مليارات الدولارات خارج متناول الحكومة المدنية. وبحسب المصادر، جرى تجاوز الأزمة مؤقتًا عبر خصم القسط من الشريحة التالية من قرض الصندوق، مع تحميل مصر فوائد إضافية.
هذا الرفض جاء في وقت تعاني فيه الدولة من شح حاد في الدولار، وتراجع احتياطيات النقد الأجنبي، وتشديد غير مسبوق في السيولة المحلية، إلى حد دفع الحكومة لمحاولة اقتراض نحو 3 تريليونات جنيه من البنوك المحلية، التي قابلت الطلب بالرفض بسبب محدودية السيولة.
ومع انسداد كل القنوات، لجأت الحكومة إلى الجيش باعتباره الكيان الوحيد القادر على التدخل ماليًا، إلا أن الطلب قوبل برفض قاطع من رئيس الهيئة المالية والإدارية للقوات المسلحة، حتى بعد عرض الأمر على وزير الدفاع عبد المجيد صقر، ما عكس عمق الأزمة وحدود سلطة الحكومة على موارد الدولة الفعلية.
وبحسب مصادر مصرفية، فإن الجيش يحتفظ باحتياطيات ضخمة من الدولار في بنكي الأهلي ومصر، لكنها محظورة على السلطات المدنية، مؤكدة أن المؤسسة العسكرية قادرة – نظريًا – على تغطية الديون الخارجية والداخلية وحل أزمة العملة، لكنها ترفض التخلي عن سيطرتها الاقتصادية أو تحمّل كلفة السياسات الفاشلة.
اقتصاد خارج الدولة
التقرير يسلّط الضوء على واقع بات أكثر وضوحًا: الجيش لم يعد ذراعًا للدولة، بل كيان اقتصادي مستقل يتصرف بمنطق الشركات العملاقة، لا بمنطق الإنقاذ الوطني. فالمؤسسة العسكرية تحصل على نحو 50% من إنتاج مناجم الذهب، وتذهب العائدات مباشرة إلى حساباتها، في ظل غياب أي رقابة مدنية أو شفافية، ولا يعرف الحجم الحقيقي لهذه الموارد سوى رأس النظام وكبار قادة الجيش.
ويأتي هذا الموقف رغم أن جزءًا كبيرًا من ديون مصر مرتبط بمشتريات السلاح أو مشروعات استفاد منها الجيش مباشرة، ورغم أنه سبق أن ضخ نحو 10 مليارات دولار خلال أزمة نقص الدولار في 2022، حين هددت أزمة الموانئ وتعطل الواردات استقرار السوق.
رسالة اعتراض لا عجز
وفي قراءة دلالات هذا الرفض، يرى الباحث مصطفى خضري، رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام، أن ما جرى – إن صح – لا يعكس عجزًا ماليًا للجيش، بل قرار سياسي واقتصادي محسوب، فالمؤسسة العسكرية، بحسب وصفه، تتصرف كفاعل اقتصادي مستقل يرفض تحويل أمواله إلى “صندوق إسعاف” لسياسات اقتصادية فاشلة تقوم على الاقتراض لسداد اقتراض سابق.
ويضيف أن الرفض يحمل رسالة اعتراض غير مباشرة على المسار المالي للنظام، الذي يستهلك الدولار ولا ينتجه، معتبرًا أن ضخ أي أموال جديدة لن يكون سوى تأجيل قصير للأزمة، ومشاركة ضمنية في “الخطايا الاقتصادية”.
كما يحذّر من أن الاستجابة لمطلب الحكومة كانت ستخلق سابقة خطيرة، تُحوّل الجيش إلى “الممول الأخير” مع كل استحقاق، وتذيب الحدود بين أمواله وميزانية دولة غارقة في العجز.
مأزق الدولة العميقة
الواقعة تكشف، وفق مراقبين، عن تأزم وظيفي عميق داخل بنية الحكم: بنوك ترفض الإقراض، صندوق النقد يؤجل الاستحقاقات، والحكومة بلا أدوات داخلية لتدبير الدولار. وفي هذه اللحظة، يفضّل رأس النظام الحفاظ على التوازن مع المؤسسة العسكرية بدل فرض قرار بالقوة قد يُحدث شرخًا داخل العمود الفقري للنظام.
ورغم أن عبدالفتاح السيسي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلا أن السيطرة السياسية – كما يشير خضري – لا تعني سيطرة مطلقة على الموارد الاقتصادية للجيش، الذي تحميه رؤية مؤسسية داخل “الدولة العميقة” تعتبر أن إنقاذ الحكومة لن ينقذ النظام، بل سيغرق الجميع أكثر.
إمبراطورية بلا رقابة
ويمتلك الجيش شبكة اقتصادية هائلة تضم وزارة الإنتاج الحربي، والهيئة العربية للتصنيع، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، وتعمل في كل شيء: من الغذاء والحديد والإسمنت، إلى الطرق والعقارات والتعدين والإعلام. وتتمتع هذه الكيانات بإعفاءات ضريبية وجمركية واسعة، ولا تخضع ميزانياتها لأي رقابة مدنية.
كما يسيطر الجيش على استيراد الذهب وتصدير سلع استراتيجية، ويستفيد من أراضٍ شاسعة وعمالة المجندين، وتذهب إيرادات الطرق والمشروعات السيادية مباشرة إلى حساباته الخاصة.
ورغم هذه الإمبراطورية، ما زال الجيش يحصل على مخصصات ضخمة من الموازنة العامة، في وقت تتحمل فيه الدولة وحدها كلفة الديون التي تجاوزت 60 مليار دولار التزامات في 2025، بإجمالي دين خارجي يفوق 163 مليار دولار.
إنذار مبكر
وفي تحذير واضح، سبق أن أكد صندوق النقد الدولي أن النموذج الاقتصادي الذي تهيمن عليه المؤسسة العسكرية يعرقل نمو القطاع الخاص، وينفّر المستثمرين، ويُبقي البلاد عالقة في دوامة الديون.
وبذلك، لا يعكس رفض الجيش سداد قسط واحد مجرد خلاف عابر، بل يكشف عن جوهر الأزمة: اقتصاد تهيمن عليه مؤسسة محصّنة بالامتيازات، تكدّس الثروة خارج الدولة، وترفض تحمّل كلفة الانهيار الذي كانت أحد أبرز صانعيه.
