مع زيارة نائب الخارجية الأمريكي.. أول القصيدة: مبادرة ترامب تربط مياه النيل بالقرن الإفريقي!

- ‎فيتقارير

بدأ نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لانداو جولته الإفريقية في الفترة من 24 يناير حتى الأول من فبراير القادم، شملت مصر وإثيوبيا وكينيا وجيبوتي. أكد لانداو أن الزيارة تركز على التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب وتعزيز الروابط الاقتصادية، مع التركيز على التحديات الإقليمية مثل سد النهضة، باعتباره ملفًا متداخلًا مع استقرار القرن الإفريقي.

رافقه قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا (AFRICOM) الجنرال داجفين أندرسون، ما يعكس الطابع الأمني والعسكري للزيارة. في القاهرة، التقى لانداو بمسئولين مصريين لمناقشة التعاون الإقليمي، بما في ذلك ملف سد النهضة الذي يمثل أولوية قصوى لمصر، إضافة إلى قضايا القرن الإفريقي وأرض الصومال. وفي أديس أبابا، اجتمع مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ومسئولين آخرين، حيث طُرحت قضية السد ضمن ملفات الأمن الإقليمي والفرص الاقتصادية.

 

المواقف الإثيوبية والسودانية

عبر الإعلام، أكد مسئولون أثيوبيون أن بلادهم لها الحق في بناء السدود وفق مبدأ الاستخدام العادل لمياه النيل، وزعم جمال بشير أنه لا توجد حصص ثابتة لمياه النيل، وأن إثيوبيا ماضية في بناء السدود لتحقيق التنمية والزراعة والطاقة، مع الالتزام بالقانون الدولي وعدم الإضرار بالآخرين.

من جانبه، رحب وزير الإعلام السوداني بالمبادرة الأمريكية، مؤكدًا رغبة السودان في اتفاق قانوني دولي يحمي مصالحه ومصالح مصر بشأن قضية سد النهضة.

 

علاقة مترابطة

أوضح الباحث هاني إبراهيم عبر حسابه أن العلاقة بين المنبع والمصب مترابطة، حيث يقوم المصب بتصريف الفيضانات في المنبع. وأكد أن لولا وجود مصر والسودان لغرقت إثيوبيا وتحولت إلى بركة ضخمة، مشيرًا إلى أن إثيوبيا لا تملك القدرة على وقف تمرير المياه خلال الفيضانات، وأن المصب هو من يتحمل هذا العبء.

وأضاف أن إثيوبيا تعاني من سوء إدارة للمياه رغم امتلاكها 184 سدًا على أراضي النيل، بينما لم تفرض مصر قيودًا كما تدعي إثيوبيا. وأكد أن مصر لا تعترض على تنمية الشعب الإثيوبي لكنها لا تقبل المساس بحقوقها. كما اعتبر أن تحديث أنظمة الري جعل مصر واحدة من أكثر الدول كفاءة في إدارة الموارد المائية المحدودة، داعيًا إثيوبيا إلى توضيح حجم المياه التي تعالجها أو تعيد استخدامها لإجراء مقارنة موضوعية. وأشار إلى أن مصر تتلقى مياه النيل بناءً على حقوق مكتسبة تحكمها اتفاقيات دولية، وأنها تواجه ندرة المياه عبر مشروعات كبرى لإعادة الاستخدام.

 

ليس سلعة للبيع

الصحفي خالد محمود انتقد خطاب يعقوب أرسانو، الخبير في السياسات المائية بجامعة أديس أبابا، الذي نصح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإرسال خبراء مياه لتعليم مصر كيفية إدارة مواردها. اعتبر محمود أن إثيوبيا بحاجة إلى هؤلاء الخبراء لتعليمها كيفية إدارة وفرة المياه الضائعة، لا مصر التي تدير ندرة المياه.

وأكد أن الوهم يكمن في تصور أن مياه النيل سلعة للبيع، وأن بناء سد ضخم بسعة 74 مليار متر مكعب دون اتفاق قانوني ملزم مع دول المصب ليس عملًا سياديًا بسيطًا، بل محاولة لتصدير فشل التنمية في إثيوبيا إلى الخارج عبر شماعة السد. واعتبر أن مصر تتحرك على أكثر من جبهة لحماية مواردها المائية، فيما تتغير موازين القوى في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ما يجعل قضية السد جزءًا من معادلة أوسع تتجاوز حدود النيل.

 

التعاون والاتفاقيات السبيل الوحيد

الباحث د. أحمد شوقي أوضح أن اتفاقية الأمم المتحدة للمياه العابرة للحدود تقوم على مبدأين أساسيين: عدم الإضرار الملموس appreciable harm، والانتفاع المشترك. هذا الانتفاع له بعد اقتصادي مهم، إذ إن الدول المتشاركة في حوض مائي تستطيع تحقيق أرباح أكبر في حالة التعاون، بينما يؤدي فرض الحدود السياسية إلى تقليص التكامل وتقليل الأرباح.

استعرض شوقي أمثلة عالمية: سد Nam Theun 2 في لاوس الذي بلغت تكلفته 1.6 مليار دولار، تمتلكه حكومة لاوس بالشراكة مع القطاع الخاص والبنوك في تايلاند وشركة فرنسية، حيث تستفيد تايلاند من الطاقة المولدة عبر نظام امتياز BOT concession. كذلك سد Itaipu بين البرازيل وباراجواي، وسدود Mekadima وMonantoli التي تمتلكها السنغال مع موريتانيا ومالي وغينيا، ومشروع مرتفعات ليسوتو الذي يمد جنوب أفريقيا بالمياه.

وأشار شوقي إلى أن الدراسات التي تتوقع ضررًا محدودًا لا تكفي لضمان حقوق دول المصب، لأن التغيرات المستقبلية تجعل مفهوم "عدم الإضرار" غير راسخ. لذلك لابد من اتفاقيات قانونية واضحة ومطمئنة. واستشهد بقضية التحكيم الدولي عام 2004 حين اضطرت هولندا لتعويض فرنسا عن تكاليف تقليل الحمل الملوث بالكلوريدات في نهر الراين، وصندوق تنمية نهر الإندوس الذي استغرقت المفاوضات لإنشائه عشر سنوات لتعويض باكستان عن زيادة حصة الهند من مياه النهر. خلص شوقي إلى أن التعاون والاتفاقيات الملزمة هي السبيل الوحيد لضمان حقوق الدول المتشاركة، وأن غيابها يقود إلى نزاعات طويلة ومعقدة.

https://www.facebook.com/photo/?fbid=10162748125591680&set=a.10151826913921680
 

تأثير سد النهضة واستراتيجية مصر

السد الذي دخل مرحلة التشغيل الكامل في أغسطس 2025 أثبت قدرته على إحداث اضطراب واسع في تدفق المياه. وسنوات الملء المتتالية احتجزت خلالها إثيوبيا كميات ضخمة من المياه كانت ستتجه إلى مصر، وحتى بعد بدء توليد الكهرباء ظل السد يتحكم في جزء كبير من الحصة السنوية المقررة لمصر، ما جعل المخاوف المصرية أكثر حدة.

في مواجهة هذا التحدي، تحركت القاهرة لبناء شبكة من التعاون العسكري واتفاقات الدفاع المشترك مع دول الجوار الإثيوبي مثل إريتريا والصومال وجيبوتي وكينيا وأوغندا. هذه التحركات تكشف عن استراتيجية تطويق واضحة، تحمل رسالة مباشرة إلى أديس أبابا بأن أي مساس بتدفقات النيل سيضعها ضمن نطاق الفعل العسكري والاستراتيجي المصري.