تتصاعد موجة الاحتجاجات العمالية في مصر مع دخول مارس 2026، بعد أن لجأت إدارة شركة مصر للألومنيوم إلى قوات الأمن المركزي لفض إضراب العمال بالقوة، أعقبها فصل نحو 350 عاملًا، في خطوة أثارت انتقادات واسعة من منظمات حقوقية ونشطاء عماليين، ويأتي هذا التطور بينما تشهد البلاد سلسلة من الإضرابات المتزامنة، أبرزها إضراب عمال العامرية للغزل والنسيج بالإسكندرية، الذين توقفوا عن العمل احتجاجًا على الخصومات التعسفية وتدهور الأجور، إضافة إلى إضرابات مصانع الملابس الجاهزة في العاشر من رمضان والإسماعيلية خلال فبراير.
هذه التحركات تكشف عن مناخ متوتر داخل المصانع، حيث تتعامل إدارات الشركات مع الاحتجاجات عبر القمع الأمني، وتهديد العمال بالفصل، بدلًا من الحوار أو معالجة الأسباب الاقتصادية التي دفعتهم للإضراب، وتربط منظمات حقوقية بين هذه الممارسات وبين تدهور الأوضاع المعيشية، وتآكل الأجور الحقيقية، وغياب التنظيم النقابي المستقل، ما يجعل الإضراب الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام العمال للدفاع عن حقوقهم.
عمال الألومنيوم
وشهدت مصر خلال شهري يناير وفبراير وأول مارس 2026 واحدة من أوسع موجات الاحتجاجات العمالية منذ سنوات، مع اتساع رقعة الإضرابات في قطاعات الصناعات الثقيلة والنسيج والملابس الجاهزة، وتأتي هذه التحركات في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة وارتفاع كبير في تكاليف المعيشة، ما دفع آلاف العمال إلى التوقف عن العمل للمطالبة بتحسين الأجور وتثبيت العمالة المؤقتة وتحسين ظروف التشغيل.
ففي مارس، اتسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل قطاع الصناعات الثقيلة، حيث دخل أكثر من ألفي عامل في شركة مصر للألومنيوم بنجع حمادي في إضراب واسع داخل مقر الشركة، وتراجع الإنتاج بنسبة وصلت إلى 70%، واضطر العمال الدائمون إلى تشغيل الأفران يدويًا لمنع تلفها، وطالب العمال بتثبيت العمالة المؤقتة ورفع الأجور التي لم تعد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
https://x.com/Ahwalmesreya/status/2028167527138722088
العامرية الإسكندرية
وفي الإسكندرية، انضم عمال شركة العامرية للغزل والنسيج إلى موجة الاحتجاجات، حيث شهدت الشركة إضرابًا واسعًا خلال مارس الجاري، وتوقّف العمال عن العمل احتجاجًا على تدني الأجور، وتأخر صرف الحوافز، وتدهور ظروف التشغيل داخل المصانع. ويُعد هذا الإضراب من أبرز التحركات العمالية في قطاع النسيج، الذي يعاني منذ سنوات من ضعف الأجور وتراجع الاستثمارات، ما جعل العمال يطالبون بإعادة هيكلة منظومة الأجور وتحسين بيئة العمل، وتسبّب الإضراب في توقف خطوط إنتاج رئيسية داخل الشركة، وسط محاولات من الإدارة لاحتواء الأزمة دون استجابة واضحة للمطالب.
وأدانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات الانتهاكات التي يتعرض لها عمال شركة مصر العامرية للغزل والنسيج بالإسكندرية، معتبرة أن ما يحدث يمس جوهر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خاصة الحق في الأجر العادل والحماية من الخصومات التعسفية.
ودخل عمال قطاعات التجهيز والملابس في إضراب منذ الخميس الماضي احتجاجًا على تدهور أوضاعهم المالية وتراكم الاستقطاعات، في ممارسة لحقهم المشروع في الاحتجاج السلمي، وتشير المفوضية إلى أن خصم “حافز التجهيز” بحجة انخفاض العمل يخالف مبدأ “الأجر مقابل العمل”، وأن مسؤولية توفير الخامات وخطط التشغيل تقع على الإدارة لا العمال.
ويكشف فحص مفردات رواتب فبراير عن اقتطاعات كبيرة تصل إلى ربع الدخل، مع تضاعف استقطاعات التأمينات وضرائب تتجاوز 600 جنيه، ما يبتلع أي زيادات سابقة، كما تؤدي طريقة احتساب ضريبة المنح إلى رفع الشريحة الضريبية بشكل غير عادل.
وتباشر المفوضية تمثيل نحو 250 عاملًا في دعاوى تتعلق بالحد الأدنى للأجور، وساعات العمل الإضافية، وبدل الوجبة، واستقطاع حصة صاحب العمل في التأمينات.
استقالات تحت التهديد بالأمن الوطني في T&C:
يتضح من واقعة إجبار عمال شركة T&C للملابس بمدينة العبور على الاستقالة تحت التهديد، أن نموذج “الاستثمار منخفض التكلفة” في مصانع التصدير يقوم على قمع الاحتجاجات وابتزاز العمال بعقود سنوية هشة وأجور أدنى من الحد الأدنى الرسمي.
وبدأت الأزمة بإضراب جزئي في 27 يناير 2026 احتجاجًا على زيادة سنوية لا تتجاوز 700 جنيه، لا ترفع الرواتب فوق 6500 جنيه رغم أن الشركة تُصدّر بما يفوق 120 مليون دولار سنويًا.
في اليوم التالي، أُجبر عاملان على توقيع استقالتيهما، بينما خضع آخرون للتحقيق تحت تهديد “الأمن الوطني”، في تكرار لواقعة سابقة عام 2025 حين تم القبض على 9 عمال بعد إضراب مشابه.
ورغم أن الشركة تعمل ضمن اتفاقية QIZ وتستفيد من دخول منتجاتها للسوق الأمريكية دون جمارك، فإن آلاف العمال يتقاضون أجورًا أقل من الحد الأدنى، في ظل تضخم مرتفع وتآكل القدرة الشرائية، ويرى خبراء العمال أن هذا النمط يعكس بيئة عمل تُدار بالخوف، حيث تُستخدم العقود السنوية والتهديد الأمني كأدوات للسيطرة بدل الحوار والتنظيم النقابي.
إضراب من العاشر إلى الإسماعيلية
بدأت موجة الاحتجاجات في أوائل فبراير داخل مصانع "ييشيم/جيد تكستيل" التركية بمدينة العاشر من رمضان، قبل أن تمتد إلى فرع الشركة في الإسماعيلية، وشارك في الإضراب نحو ستة آلاف عامل، رفضوا الزيادة المقترحة التي لم تتجاوز 800 جنيه، معتبرين أنها لا تتناسب مع التضخم المتسارع، وتسبب الإضراب في توقف الإنتاج داخل مصانع تخدم علامات تجارية عالمية، ما أثار قلقًا في سلاسل التوريد الدولية ودفع الإدارة إلى محاولة احتواء الأزمة دون تقديم حلول جوهرية.
وانتقلت موجة الاحتجاج إلى فرع الشركة في الإسماعيلية، ما أدى إلى توقف خطوط إنتاج تخدم علامات تجارية عالمية تعتمد على المصنع ضمن سلاسل توريدها.
داخل المصنع، كان الاحتقان يتصاعد منذ فترة بسبب ظروف العمل المرهقة، وغياب أي تمثيل نقابي مستقل، واعتماد الإدارة على عقود سنوية تُستخدم كأداة ضغط دائمة. ومع توقف الإنتاج، حاولت الإدارة احتواء الأزمة عبر اجتماعات شكلية وتهديدات مبطنة بعدم تجديد العقود، بينما لجأت في بعض الأقسام إلى التلويح بالفصل الفوري لإجبار العمال على العودة، لكن توقف الشحنات الموجهة لأسواق أوروبا والولايات المتحدة وضع الشركة تحت ضغط دولي، ما كشف هشاشة نموذج العمل القائم على عمالة منخفضة الأجر رغم الأرباح الكبيرة.
هذا الإضراب لم يكن حدثًا معزولًا، بل جزءًا من موجة احتجاجات أوسع تعكس اختلالات عميقة في قطاع الملابس الجاهزة، حيث تُبنى القدرة التنافسية على أجور متدنية وغياب الحماية النقابية، في وقت تتصاعد فيه تكاليف المعيشة بشكل غير مسبوق.
تعكس هذه الإضرابات حالة عامة من التوتر داخل سوق العمل المصري، حيث تتزايد شكاوى العمال من تآكل الأجور الحقيقية وتراجع القدرة الشرائية. كما تشير إلى فجوة متنامية بين السياسات الاقتصادية الحكومية وواقع العمال في المصانع، خاصة في القطاعات المرتبطة بالتصدير أو بالشركات متعددة الجنسيات، وتبرز هذه التحركات أيضًا محدودية الدور النقابي في احتواء الأزمات، ما يدفع العمال إلى اللجوء للإضراب كوسيلة ضغط أخيرة.
وتأتي هذه التطورات في سياق اقتصادي ضاغط، إذ تواجه مصر تحديات في تأمين الطاقة، وارتفاعًا في أسعار الوقود، وتراجعًا في قيمة العملة، ما ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج ومستوى المعيشة، وتُظهر الإضرابات المتتالية أن الاحتقان العمالي لم يعد محصورًا في قطاع واحد، بل بات مؤشرًا على أزمة أوسع تتطلب معالجة اقتصادية واجتماعية شاملة.
