في توقيت تحاول فيه حكومة الانقلاب ربط أزمتها الاقتصادية بالحرب الدائرة في المنطقة، جاءت تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ، السبت ، لتثير تساؤلات أوسع: هل الحرب على إيران هي السبب الحقيقي لما يحدث، أم مجرد شماعة جديدة لتعليق فشل اقتصادي ممتد منذ سنوات؟
مدبولي أعلن حزمة إجراءات وصفها بـ"الاحترازية"، تضمنت إبطاء تنفيذ المشروعات الكبرى كثيفة استهلاك الوقود، وخفض مخصصات الطاقة، وفرض قيود صارمة على غلق المحال التجارية، إلى جانب التوسع في العمل عن بعد. لكن هذه القرارات، وفق مراقبين، لا تعكس فقط تداعيات الحرب، بل تكشف حجم الأزمة التي كان يعيشها الاقتصاد المصري بالفعل قبل اندلاعها.
أزمات قديمة بواجهة جديدة
الحكومة تحدثت عن تضاعف فاتورة استيراد الطاقة من 1.2 مليار دولار في يناير إلى 2.5 مليار دولار في مارس، وعن ارتفاع تكلفة السولار بشكل حاد، إضافة إلى زيادة مرتقبة في خدمة الدين بنسبة 5%.
غير أن هذه المؤشرات، بحسب محللين، ليست وليدة الحرب، بل امتداد مباشر لأزمة مزمنة تتعلق بنقص الدولار، وتضخم الدين الخارجي، وعجز متكرر عن سداد الالتزامات، وهي أزمات كانت قائمة قبل أي تصعيد عسكري في المنطقة.
ويرى خبراء أن ربط هذه القفزات بالحرب فقط يتجاهل جذور المشكلة، وعلى رأسها السياسات الاقتصادية التي اعتمدت على التوسع في الاقتراض والإنفاق على مشروعات ضخمة دون عائد إنتاجي واضح.
سياسة "البذخ" تحت الضغط
الإجراءات التي أعلنتها الحكومة، وعلى رأسها إبطاء المشروعات الكبرى، تفتح الباب أمام تساؤل جوهري: لماذا لم تتم مراجعة هذه السياسات من قبل؟
فالمشروعات التي توصف الآن بأنها "كثيفة استهلاك الوقود" هي نفسها التي تم التوسع فيها خلال السنوات الماضية، رغم التحذيرات من كلفتها المرتفعة وتأثيرها على موارد الدولة المحدودة من النقد الأجنبي.
ويرى مراقبون أن ما يحدث حالياً هو اعتراف غير مباشر بأن نمط الإنفاق السابق لم يكن مستداماً، وأن الدولة تجد نفسها الآن مضطرة للتراجع تحت ضغط نقص الموارد، وليس فقط بسبب الحرب.
المواطن يدفع الفاتورة
على الأرض، تنعكس هذه السياسات في صورة قرارات مباشرة تمس المواطن، من غلق مبكر للمحال التجارية، وفرض غرامات تصل إلى عشرات الآلاف من الجنيهات، إلى جانب إجراءات تقشفية تمس النشاط الاقتصادي اليومي.
ويحذر اقتصاديون من أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى تباطؤ الأسواق وزيادة معدلات البطالة، خاصة في القطاعات الصغيرة والمتوسطة، التي تتحمل بالفعل ضغوطاً كبيرة منذ سنوات.
شماعة الحرب أم ذريعة للهروب؟
مدبولي حذر من "سيناريوهات أكثر تعقيداً" إذا استمرت الحرب، مشدداً على أن الأزمة الحالية "الأصعب"، لكن هذا الخطاب، بحسب منتقدين، يعكس محاولة لإعادة صياغة الأزمة باعتبارها ظرفاً طارئاً، وليس نتيجة تراكمات داخلية.
فالحقيقة التي يصعب تجاهلها، وفق تقديرات اقتصادية، أن أزمة الدولار، وتضخم الديون، وارتفاع تكلفة الاستيراد، كلها كانت تضغط على الاقتصاد المصري قبل الحرب بوقت طويل، ما يجعل تحميل الصراع الإقليمي المسؤولية الكاملة أمراً محل شك.
ما بين تحذيرات الحكومة وإجراءاتها، يبدو أن الحرب على إيران منحت السلطة فرصة لإعادة تقديم أزمتها الاقتصادية في إطار خارجي، بينما تشير الأرقام والوقائع إلى أن جذور الأزمة أعمق بكثير، وترتبط بخيارات اقتصادية استمرت لسنوات.
ومع استمرار هذه السياسات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تواجه مصر تداعيات حرب عابرة، أم نتيجة مسار اقتصادي طويل يدفع ثمنه المواطن يوماً بعد يوم؟
