تناولت صحيفة "فورين بوليسي" في تقرير بعنوان: "ما الذي تشتريه أموال الدعم العسكري الأمريكي في مصر؟" ما تشهده واشنطن من نقاش مسبوق حول جدوى المساعدات العسكرية، مع أصوات من ليندسي غراهام وأوكاسيو كورتيز تطالب بإعادة تقييم الدعم لـ"إسرائيل"، ما فتح الباب لمراجعة أوسع تشمل مصر.
وأشارت إلى أنه منذ 2008، فرض الكونجرس شروطًا حقوقية على جزء من المساعدات، لكن الإدارات استخدمت الإعفاءات لتجاوزها وبعد انقلاب 2013، خالف أوباما "بند الانقلاب" واستأنف الدعم وحجب ترامب 195 مليون دولار ثم أفرج عنها، واصفًا السيسي بـ "ديكتاتوري المفضل". وحجب بايدن 130 مليونًا ثم 85 مليونًا، قبل أن يُفرج عن كامل المساعدات ويقدم شهادة تزعم "تقدمًا واضحًا" رغم الأدلة المعاكسة.
وتتلقى القاهرة 1.3 مليار دولار سنويًا منذ أربعة عقود، رغم تورطها في رشاوى لسيناتور أمريكي وسجن مواطنين أمريكيين وتصنيفها ضمن أسوأ منتهكي حقوق الإنسان.
ومنذ انقلاب 2013، لم تحقق المساعدات أي عائد استراتيجي، بل تحولت إلى ممارسة روتينية تُمنح دون مراجعة، تحت شعارات مثل "تعزيز الاستقرار الإقليمي" و"الشراكات التاريخية". بحسب فورين بوليسي.
جذور التمويل العسكري… أساطير صنعتها السياسة
وبدأت المساعدات عام 1979 بعد معاهدة السلام المصرية مع الكيان، لكنها لم تكن جزءًا رسميًا من الاتفاق. في 1987، وقّعت إدارة ريغان اتفاقًا مع عبد الحليم أبو غزالة للإنتاج المشترك لدبابات M1A1 Abrams، ما رسّخ اعتمادًا طويل الأمد.
روّج مؤيدو المساعدات لأساطير مثل ضرورة الدعم للحفاظ على السلام، ومنع مصر من الارتماء في أحضان خصوم واشنطن، وضمان المرور في قناة السويس.
لكن فورين بوليسي تؤكد أن هذه المصالح قائمة بذاتها: حيث تحافظ مصر على السلام بدافع أمنها القومي، ولا توجد دولة مستعدة لتعويض الدعم الأمريكي، والسفن الأمريكية تدفع رسوم المرور في القناة بغض النظر عن المساعدات.
مصر تتحدى واشنطن مباشرة
وخلال العقد الماضي، اصطدمت القاهرة مرارًا بالمصالح الأمريكية. في 2017 حاولت شراء 30 ألف قذيفة RPG من كوريا الشمالية سرًا. وفي 2023، خططت لتزويد روسيا بـ 40 ألف صاروخ لدعم حربها في أوكرانيا. كما دعمت اللواء خليفة حفتر في ليبيا، وساندت الانقلاب العسكري في السودان عام 2021. هذه التحركات تتناقض مع السياسة الأمريكية المعلنة، وتؤكد أن المساعدات لم تُستخدم لتعزيز المصالح المشتركة بحسب فورين بوليسي!!
وقالت إن نصف المساعدات الأمريكية يذهب لصيانة أنظمة متقادمة مثل M1A1 Abrams، رغم أنها لا تناسب التهديدات الحالية، وفي المقابل تستخدم مصر أموالها الخاصة لشراء أسلحة من روسيا والصين، بما في ذلك محاولة اقتناء سوخوي 35 قبل تهديد واشنطن بعقوبات "كاتسا". كما شاركت مقاتلات صينية في أول مناورة جوية مشتركة فوق مصر، ما يثير تساؤلات حول جدوى استمرار الدعم الأمريكي.
استهداف مواطنين أمريكيين
وقلب أعضاء الكونجرس ملفات السيسي بين 2018 و2022، حيث قدم رشاوى للسيناتور بوب مينينديز مقابل تسهيلات تتعلق بالمساعدات، وفي 2025 اعتدى عناصر أمن مصريون على مواطنين أمريكيين في نيويورك بأوامر من وزير الخارجية المصري وفي 2022، وأطلق النظام عميلًا غير مسجل للتجسس على الأراضي الأمريكية.
هذه الوقائع تطرح سؤالًا جوهريًا: ما الذي تشتريه واشنطن فعليًا مقابل 1.3 مليار دولار سنويًا؟
أمن سيناء والاعتقالات!
واستدعت المجلة الملفات التي يُفترض أن تكون المساعدات موجهة لها، مثل أمن سيناء والحدود، فإن فعاليتها محل شك واستعادت تقارير موثوقة وثّقت: مقابر جماعية وإعدامات خارج القانون وعقوبات جماعية وتورط معدات أمريكية في حوادث مأساوية، أبرزها قصف فوج سياحي عام 2015 الذي قتل 12 شخصًا بينهم أمريكي.
واعتبرت هذه الوقائع تقوض الادعاء بأن الدعم يعزز الأمن.
واستدعت المجلة القمع والاعتقال التعسفي والتضييق على المجتمع المدني الذي بات من سمات النظام وأشارت إلى أن الانتهاكات طالت أيضًا مواطنين أمريكيين، بينهم ثلاثة محتجزون حاليًا، إضافة إلى وفاة أمريكي عام 2020 داخل السجون ورغم أن المادة 502B وقانون مراقبة تصدير الأسلحة يفرضان وقف المساعدات عند حدوث انتهاكات جسيمة، تجاهلت الإدارات الأمريكية هذه القوانين مرارًا.
وهددت المجلة (لسان حال الأمن القومي الامريكي) بأدوات ضغط فعالة منها؛ العقوبات الموجهة، والتصنيفات الحقوقية، والنفوذ الاقتصادي معتبرة استمرار المساعدات كان عائقًا أمام استخدام هذه الأدوات، لأنه يرسل رسالة تسامح مع سلوكيات تستوجب عقوبات.
قبضة تخنق الدولة
وتوسع الجيش تحت حكم السيسي ليهيمن على الاقتصاد، ما أدى إلى ديون غير مستدامة وفساد هيكلي وأزمات مالية متكررة.
وأشارت إلى أن المجتمع الدولي ضخ 57 مليار دولار لإنقاذ مصر عام 2024، بينما لم تفعل المساعدات العسكرية شيئًا لكسر هذه الحلقة، بل عززت نفوذ المؤسسة العسكرية على حساب الاستقرار.
وتحولت المساعدات إلى "حق مكتسب" للنظام، لا أداة استراتيجية لواشنطن، وتجاهلت الإدارات للقيود القانونية خلق مخاطر أخلاقية شجعت القاهرة على تحدي المصالح الأمريكية دون خشية من العواقب، وعندما حُجبت أجزاء من المساعدات، لم يتأثر الأمن القومي الأمريكي أو العلاقات الثنائية.
إنهاء المساعدات لا يعني إنهاء العلاقات
وتقترح فورين بوليسي وقفًا تدريجيًا لبرنامج التمويل العسكري خلال عامين، بالتزامن مع انتهاء مذكرة التفاهم مع "إسرائيل"، مع الإبقاء على التعاون الأمني المحدود مثل مناورات النجم الساطع وتبادل المعلومات وهذا النهج يربط السياسة الأمريكية بمصالحها الحقيقية بدلًا من استمرار الدعم بدافع العطالة السياسية.
وقدمت الولايات المتحدة لمصر 60 مليار دولار خلال 47 عامًا، ما أسفر عن جيش قادر على تأمين نفسه بل وتزويد الإمارات بمقاتلات خلال الحرب مع إيران. ورسالة المجلة أنه لا توجد دولة مستعدة لمنح القاهرة شيكًا سنويًا مماثلًا، ما يعني أن وقف الدعم سيجبر النظام على إعادة ترتيب أولوياته الأمنية.