ما جرى في مصر منذ صيف عام 2012 ولمدة عام كامل، يمثل نموذجاً كلاسيكياً لما يمكن تسميته هندسة الأزمات وتوظيف البنية التحتية للدولة لإحداث تغيير سياسي جذري عبر دفع الشارع إلى حافة اليأس والتمرد، وبفحص ملابسات عام 2012 يوضح كيف يمكن للأزمات المعيشية المصطنعة أن تصبح السلاح الأقوى في المعارك السياسية؛ فالتحكم في تدفقات الطاقة والخدمات والوقود أثبت قدرته الهائلة على توجيه الكتل البشرية وصناعة مشهد ديمقراطي زائف ينقلب على الصندوق، لتبدأ مصر بعدها رحلة مغايرة من الحكم تسيطر عليها الأدوات ذاتها ولكن باتجاه عكسي.
وتاريخ الشعوب مليء بالمنعطفات التي تُصاغ خلف الستار قبل أن تظهر على شاشات العرض للجمهور، وبحسب سياسي مخضرم @Veteran_Politcتفتح الدفاتر القديمة لذكرى 30 يونيو، ثم 3 يوليو واصفاً إياها بأنها اليوم الذي نُحت في ذاكرة مصر الحديثة كأكبر عملية استدراج وخداع جماعي ممولة وممنهجة في التاريخ. ولأجل فهم الكابوس والواقع الأسود الذي آلت إليه الأوضاع اليوم، يرى أنه من الضروري تتبع الحكاية من عروقها الأولى وجذورها الأصلية. ويؤكد أن القصة بأكملها لم تكن مجرد فشل في الإدارة أو قلة خبرة سياسية، بل إن أحداً لم ينتظر ليلة واحدة ليرى ما يمكن أن يقدمه رئيس مدني منتخب؛ إذ بدأت المؤامرة من الدقيقة الأولى التي أُعلن فيها فوز محمد مرسي برئاسة الجمهورية في يونيو 2012.
ويضيف الحساب أن الدولة العميقة وحيتان المال اتخذوا قراراً فورياً وحاسماً: أول تجربة ديمقراطية حقيقية في تاريخ مصر يجب أن تُخنق وهي في مهدها، وبعد شهرين فقط من التولي، وتحديداً في أغسطس 2012، انطلقت عمليات التعبئة والتحشيد بأموال رجال الأعمال، حيث فتح نجيب ساويرس وحيتان الحزب الوطني المنحل خزائنهم وضخوا ملايين الدولارات لتمويل وتحريك أي دعوة تنادي بنزول الشارع وإسقاط الصندوق قبل أن يبدأ مساره، ولما لم تنجح الدعوات الأولى نظراً لأن الماكينة كانت في مرحلة التسخين، انتقلوا سريعاً إلى خطة "تنشيف ريق" المواطن البسيط ليجبروه على كراهية اليوم الذي سمع فيه بمصطلح الديمقراطية.
ويستطرد "سياسي مخضرم" موضحاً كيف اشتغلت الأجهزة المعطلة عمداً على صناعة أزمات يومية تُذيق الناس الموت البطيء؛ فظهرت طوابير البنزين والسولار المصنوعة بفعل فاعل، وجُففت المحطات بينما كانت الشاحنات تُخزن الوقود في المخازن، وهو الوقود الذي ظهر بسحر ساحر وبقدرة قادر في عصر يوم الثالث من يوليو فور انتهاء بيان الإطاحة بالنظام، وتزامن ذلك مع قطع ممنهج للكهرباء وإظلام المحافظات لساعات طويلة ليغلي الشارع، يرافقه إضراب غير معلن لجهاز الشرطة الذي ترك البلد نهباً للبلطجة والترويع لإيصال رسالة واحدة للناس: "أهو ده تمن الحرية والصندوق اللي فرحانين بيه".
وعندما نضجت الأرض وزهق المواطن من حياته، حان وقت مسرحية الإخراج والتنفيذ، فطبخوا فخ "استمارة تمرد" في دهاليز الأجهزة الأمنية، ووفّروا لها غطاءً مالياً ولوجستياً مرعباً من رجال الأعمال في الداخل، وفُتحت لها المقرات ووُزعت الاستمارات كغطاء شعبي مزيف للتحرك العسكري المرتب والمُتفق عليه مسبقاً، وفي ذات التوقيت، دخلت الإمارات والسعودية بكل ثقلهما وملياراتهما ضاحتين الملايين رعباً من فكرة "فوبيا الديمقراطية" والربيع العربي، ومولتا قنوات فضائية خاصة اشتغلت على غسيل الأدمغة وبث الشائعات.
وينتهي تحليل الحساب بالإشارة إلى أن ثلاث فئات نزلت في 30 يونيو: مأجورون قبضوا الثمن كاش، ودولة عميقة تصفي حساباتها، ومغفلون وهم الأغلبية اتلعب بعقولهم بالأزمات المصنوعة ليقوموا بدور الكومبارس في الصورة الفوتوغرافية التي تحتاجها الدبابات لشرعنة التحرك وهد البلد، واليوم يقف الجميع أمام جردة حساب مريرة؛ فالأزمات عادت أضعافاً مضاعفة ولكن مع منع الأنين، والمليارات التي ضخها الكفيل عادت اليوم ليقبض ثمنها أصولاً وموانئ وشركات وأراضي من لحم الوطن الحي، بعد أن أُديرت عقول الناس ليتلفوا أول تجربة ديمقراطية بأيديهم ويعضوا أصابع الندم بعدما أدركوا متأخرين أنهم هدموا دولة وضيعوا حلم جيل ليعيشوا في كابوس أسوأ بمراحل.
معهد بدائل وستيفن كوك
في سياق تفكيك الأرقام والحقائق التي صاحبت تلك الفترة، يبرز الرد الإحصائي الموثق الذي أورده مركز "بدائل" للدراسات في تقريره المتخصص، حيث أوضح بالأرقام أن نسبة "الإخوان" في المناصب القيادية بالدولة خلال فترة حكمهم لم تتجاوز ما بين 2% إلى 5% فقط. وهي نسبة ضئيلة جداً من الناحية الهيكلية لا تكفي لفرض أي نوع من أنواع الإخضاع الكامل أو "أخونة الدولة" كما زعم المعارضون وبعض الفنانين مثل جمال سليمان، مما يوضح أن الصدام الحقيقي كان مع النخبة السياسية والدولة العميقة وبعض الطوائف المستفيدة التي شعرت بالتهديد على مصالحها واحتكاراتها، بينما ظل الصدام مع الرجل في الشارع غير موجود إلا في المشاهد الموجهة التي يصدرها الإعلام.
ويؤيد هذا الطرح علماء السياسة عبر نموذج يطلقون عليه مصطلح "الفشل المحفز من الداخل"، وهو المفهوم الذي أشار إليه ستيفن كوك، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، مبيناً أن مؤسسات الدولة التنفيذية شُلّت أطرافها عمداً لتبدو القيادة السياسية عاجزة تماماً، وأكد كوك أن مؤسسات الدولة المصرية تصرفت كجسم غريب يطرد عضواً مزروعاً حديثاً، وعملت عبر افتعال أزمات تمس الحياة اليومية للمواطن البسيط لحشد ظهير شعبي يمنح الشرعية للتحرك العسكري اللاحق. وتؤكد هذه الشواهد مجتمعة أن ما حدث كان عملية إفشال إجرائية من جهاز إداري وأمني رفض التعاون مع السلطة المنتخبة وقام بتخريب الخدمات الأساسية لإسقاط النظام، وليس فشلاً أيديولوجياً نابعاً من طبيعة الحكم نفسه.
إعلام الثورة المضادة
على الجانب الآخر من التفسيرات السياسية، يبرز الطرح الذي ينقل وجهة النظر المقابلة والمبررة للتحول العسكري، حيث يدون الأكاديمي السعودي أحمد بن راشد بن سعيّد @TheLoveLiberty
واصفاً الأوضاع التي سبقت 3 يوليو بأنها تمثلت في الانفراد الكامل بالحكم، وانهيار قيمة الجنيه المصري، وتوالي أزمات الخبز والكهرباء والبنزين، وشلل الاقتصاد التام، وتهديد المعارضين، وانتشار الجريمة والبلطجة والسرقة خلال فترة حكم مرسي.
ويرى بن سعيّد أن رغبة الرئيس الراحل في استكمال مدته الرئاسية رغم هذه الظروف هي التي أدت بالضرورة إلى إصدار السيسي لبيان 3 يوليو من أجل إنقاذ مصر، محولاً إياها من دولة كانت تقف على حافة الهاوية إلى مسار آخر أمن المؤسسات وحماها من الانهيار التام.