اشتعلت شرارة الغضب السياسي الأخير إثر تصريحات أدلى بها البرلماني ياسر قورة، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد في مجلس الشيوخ، والذي دعا علناً إلى تعديل الدستور المصري ومَدّ فترات الرئاسة مجدداً للسماح لعبد لفتاح السيسي بالبقاء في السلطة لمدة عشر سنوات إضافية بعد انتهاء فترته الحالية في عام 2030، مبرراً ذلك بأن الدستور ليس نصاً جامداً وأن المخاطر الإقليمية المحيطة بمصر تتطلب الحفاظ على الاستقرار السياسي الحالي.
وقال البرلماني ياسر قورة (@YasserKora)، إلى مراجعة مواد الدستور ومد فترات الرئاسة مجدداً.
وبرر قورة دعوته بأن "الدستور ليس قرآناً" وأن التحديات الإقليمية الراهنة تتطلب الإبقاء على النظام السياسي الحالي بقيادة عبد الفتاح السيسي لمدة عشر سنوات إضافية على الأقل، وهو ما اعتبره معارضون استمراراً لنهج تعديلات عام 2019 التي يرون أنها سلبت إرادة الشعب الممثلة في دستور يناير 2014 الأصلي.
وهذه الدعوة اعتبرتها الأوساط السياسية والشعبية امتداداً للتلاعب الدستوري الذي جرى في عام 2019، والذي تم بموجبه سلق وتمرير تعديلات دستورية مشوبة بالبطلان أتاحت تمديد الحكم، مما ترتب عليه فتح الباب لمزيد من القمع السياسي والانهيار الاقتصادي وعسكرة مؤسسات الدولة وسلب الإرادة الشعبية إلى الأجل غير مسمى.
وفي سياق متصل، أثارت مواقف حزب الوفد صدمة واستغراباً كبيراً لدى الشارع المصري، حيث تحول الحزب الذي كان يقود المعارضة الوطنية وتاريخه حافل بالدفاع عن الحقوق الحريات، إلى أداة لتبرير وتمرير قرارات السلطة وتعديلاتها الطاغوتية؛ فرغم إجراء انتخابات جديدة داخل الحزب في مطلع عام 2026 وتطلع القواعد العمالية والشعبية لعودته إلى مكانه الصحيح في قيادة المعارضة، إلا أن استمرار نوابه المعينين بمراسيم سيادية في الترويج لتوريث السلطة وتمديد الفترات الرئاسية أكد عمق الأزمة الهيكلية في أحزاب المعارضة الكرتونية، وصار موقفهم يمثل وبالاً على الطموحات الديمقراطية للشعب المطحون الذي يواجه غلاء المعيشة وقوانين الجباية بمباركة هذه الكيانات.
معارضة ترفض
في المقابل، طرح حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) عبر ممثله يسري عزيز رؤية بديلة لإنقاذ البلاد من التدهور الاقتصادي والسياسي، محملاً تشتت المعارضة في السنوات الماضية جزءاً من المسؤولية. وتتلخص المبادرة في تشكيل "المجلس الأعلى الانتقالي لإدارة الدولة" ليتكون من 7 إلى 9 أعضاء يمثلون مختلف التيارات دون إقصاء، بالتوازي مع تشكيل "حكومة وطنية انتقالية" تعتمد على الكفاءات لإدارة الملفات الملحة والخروج من الأزمة الحالية.
وأمام هذا الانسداد السياسي والتدهور المعيشي، أعلن "تكنوقراط مصر" مبادرة وطنية تهدف إلى توحيد صفوف المعارضة وتجاوز حالة التفكك التي أسهمت في إطالة عمر النظام الفاشل، وطرح الحزب مقترحاً جاداً بتشكيل "المجلس الأعلى الانتقالي لإدارة الدولة" وبالتنسيق مع "حكومة وطنية انتقالية".
https://x.com/egy_technocrats/status/2066943272392462541
وفي ذات الإطار التقييمي للأزمة وكيفية علاجها، تبرز الرؤى السياسية والاقتصادية التي تقارن الكارثة المصرية بتجارب دولية نجحت في الخروج من مآزق مشابهة أو أشد قسوة، مثل التجربة التركية؛ فالتاريخ الاقتصادي يشير إلى أن تركيا مرت في أواخر تسعينيات القرن الماضي وتحت حكم العسكر بظروف اقتصادية بالغة السوء وتضخم مرعب أدى لإصدار ورقة نقدية بقيمة عشرة ملايين ليرة لم تكن تساوي سوى ثلث دولار، لكن بمجرد صعود قيادة وطنية جديدة في عام 2002 وضعت حداً للفساد وأعادت ترتيب الأولويات بالتركيز على الإنتاج والتصنيع والتصدير، تمكنت خلال عامين فقط من حذف ستة أصفار من العملة وإحداث طفرة اقتصادية حقيقية، وهو ما يثبت أن علاج الأزمة المصرية متاح ومجرب وممكن.
لا أمل في إصلاح السيسي
وهو ما طرح المستشار الإعلامي للرئيس محمد مرسي د.أحمد عبد العزيز (@AAAzizMisr) عبر قراءة تحليلية قارن فيها الأزمة المصرية بالتجربة التركية السابقة، مشيراً إلى أن تركيا عانت في نهاية التسعينيات تحت الحكم العسكري من تضخم هائل تم تجاوزه لاحقاً عبر التركيز على الإنتاج وضبط الإنفاق، وشدد عبد العزيز على أن الحل في مصر يتطلب حزمة قرارات جذرية، من أبرزها وقف بيع أصول الدولة للأجانب، وإغلاق منافذ الفساد، ودمج الصناديق السيادية واقتصاد الجيش بالكامل داخل الموازنة العامة للدولة، مع عودة المؤسستين العسكرية والأمنية إلى أدوارها الطبيعية بعيداً عن السياسة والاقتصاد.
ويتطلب علاج الكارثة المصرية الحالية، وفقاً للرؤى اتي طرحها حزمة من الإجراءات الحاسمة تبدأ بالإزالة الكاملة للنظام الحالي السيسي والعصابة، نظراً لاستحالة إصلاحه، وتشكيل قيادة وطنية راشدة زاهدة في السلطة والمال تضع خطة إنقاذ عاجلة وتدير البلاد عبر حكومة ترعى مصالح الشعب بحق، فضلاً عن الوقف الفوري لعمليات بيع أصول البلاد ومقدراتها للأجانب تحت لافتة الاستثمار بهدف الاستحواذ على القرار الوطني، مع صياغة خريطة اقتصادية طموحة تستفيد من موارد مصر الظاهرة والباطنة، وتغلق صنابير الفساد والتسرب المالي الذي يلتهم ميزانية الدولة وتستعيد الأموال المنهوبة المكدسة في البنوك الأجنبية.
انتقادات واسعة لموقف حزب الوفد
ولاقت تصريحات قورة استهجاناً كبيراً من أطراف سياسية رأت في موقف ممثل حزب الوفد تناقضاً مع الإرث التاريخي للحزب الذي عُرف سابقاً بقيادة المعارضة الوطنية والدفاع عن الإرادة الشعبية.
وأشار عبدالله ضيف @111111_abdallah إلى أنه على الرغم من إجراء انتخابات داخلية جديدة في حزب الوفد بتاريخ 30 يناير 2026، والتي تطلع الشارع على إثرها لعودة الحزب إلى مساره المعارض، إلا أن استمرار نوابه المعينين بموجب مراسيم سيادية في تبني خيارات التمديد يُظهر تماهياً مع توجهات السلطة الحالية.
مخاوف من تكرار سيناريو 2019.
وأضاف أن الدعوات الحالية أعادت إلى الأذهان التعديلات الدستورية التي جرت في عام 2019، عندما وافق 531 عضواً في البرلمان على تمرير حزمة تعديلات وصفتها المعارضة بالباطلة والمخالفة للأصول الديمقراطية والقانونية.
ويرى التيار الرافض للتعديل المقترح أن استمرار التلاعب بالوثيقة الدستورية وسلب الإرادة الشعبية يساهم في عسكرة الحياة السياسية وتقويض استقلال المؤسسات، محذرين من أن هذه الإجراءات قد تدفع بالأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد إلى مستويات أكثر تدهوراً وتراجعاً عما كانت عليه قبيل ثورة 25 يناير 2011.
ويجمع الخبراء والمعارضون على أن الخطوة الأساسية لتعافي الدولة المصرية تكمن في ضم ميزانيات الصناديق الخاصة والسيادية واقتصاد القوات المسلحة بالكامل إلى ميزانية الدولة العامة لتوفر السيولة الكافية لسداد الديون وتشغيل المشاريع المتوقفة، مع ضرورة الخروج الكامل والنهائي للمؤسستين العسكرية والأمنية من المشهدين السياسي والاقتصادي والعودة إلى ثكناتها لحماية الحدود، والعمل بصبر على إصلاح الخراب الذي خلفه الحكم العسكري على مدار العقود الماضية، وخاصة الحقبة الأخيرة التي شهدت دماراً غير مسبوق تجاوز ما أحدثته الإدارات السابقة مجتمعة، وذلك للعودة بمصر إلى مسار دولة القانون والديمقراطية والمؤسسات المستقلة.