عندما يُعلن المنقلب السفيه ، دون خجل "مش قادر اعلم" ويترك التعليم لرجال الاعمال والمستثمرين الذين يرون في كل أزمة فرصة للثراء وجمع الأموال من المواطنين بمختلف الطرق، عندها يصبح تقديم أوراق قبول الطفل في اولي مراحل التعليم ازمة كبيرة تواجه الاسر المصرية خصوصا أبناء الطبقة الوسطي التي تري في تعليم أبنائها تعليما جيدا املها الوحيد في حياة كريمة والحصول على فرص مناسبة للعمل في المستقبل.
تبدأ مأساة الأسر في مصر من الطبقتين المتوسطة وفوق المتوسطة، مع حلول فصل الصيف من كل عام، مع ما يُعرف بـ "ماراثون التقديم للمدارس". غير أن هذا الملف تحوّل مع مرور السنوات من مجرد إجراء إداري أو تربوي إلى منظومة "بزنس" محكمة الأطراف، تستنزف جيوب أولياء الأمور، قبل أن يخطو الطفل عتبة الفصل الدراسي الأول، وتضع "حق التعليم" في سوق تجارية خاضعة لمنطق العرض والطلب.
تقول سلوى محمود، مهندسة ديكور وأم لطفلة: "تقدمت لثلاث مدارس دولية في محيط الإسكندرية، ودفعت ما مجموعه 7 آلاف جنيه كرسوم مقابلات فقط، مضيفة رُفضت طفلتي في مدرستين من دون إبداء أسباب واضحة، وضاعت الأموال هباءً، موضحة المدارس تتعامل مع "الإنترفيو" كخط إنتاج مالي مستقل يدر أرباحاً كبيرة قبل بدء العام الدراسي". وأشارت إلى أن الأمر لم يتوقف عند تلك الاشتراطات التي تحولت إلى "بزنس" رائج يستنزف الأسر، بل امتد إلى مقابلات وأسئلة صعبة تُفرض على الأطفال وأولياء الأمور على حد سواء، بهدف تقييم المستوى التعليمي والثقافي والاجتماعي.
كانت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني قد أرسلت خطاباً إلى المديريات التعليمية، أكدت فيه استكمال جهود تطوير منظومة التقديم الإلكتروني للطلاب الجدد عبر منصة موحّدة على مستوى الجمهورية، تتيح لأولياء الأمور التقديم للصف الأول الابتدائي ومرحلة رياض الأطفال في المدارس الرسمية. وشددت الوزارة على أن التقديم يُجرى عبر البوابة الإلكترونية الخاصة بمركز معلومات الوزارة، بما يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص بين جميع المتقدمين.
ومن ناحية اخري أفرزت شروط المقابلات الشخصية التعجيزية التي تفرضها بعض المدارس سوقاً موازياً شديد الرواج، يتمثل في "بزنس التأهيل للمقابلات". وقد تحول العديد من الحضانات ومراكز تعديل السلوك إلى كيانات متخصصة في إعداد الأطفال، حتى في سن الرابعة، لاجتياز اختبارات القبول في المدارس الكبرى.
وقال أيمن عوض، مدرس التربية الفنية السابق والمتخصص حالياً في تأهيل الطلاب للقبول في المدارس الدولية، إن هذه الكيانات تتقاضى مبالغ تتراوح بين 4 و8 آلاف جنيه كـ "حزمة تأهيلية مكثفة"، يُدرّب خلالها الطفل على أسئلة الألوان والأشكال باللغة الإنجليزية ومهارات التواصل، إلى جانب "محاكاة مقابلة" لوالدي الطفل، تشمل أسئلة عن طبيعة وظائفهم ودخلهم السنوي وخلفيتهم التربوية.
ويعترف عوض بأن هذا النمط حوّل مرحلة الطفولة المبكرة إلى ضغط نفسي واستثماري مبكر، حيث يُعامل الطفل كـ "منتج" يجب تكييفه ليتوافق مع متطلبات السوق، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن الظاهرة مرتبطة بآليات العرض والطلب. وإذا نجح الطفل في الاختبارات، يصطدم ولي الأمر بالمرحلة الثالثة والأكثر إنهاكاً، وهي "التبرعات الإجبارية" أو ما يُعرف بمسميات بديلة مثل "رسوم تطوير المنشآت" أو "صك المشاركة المجتمعية".
ورغم تجريم وزارة التربية والتعليم فرض أي تبرعات قسرية، فإن بعض المدارس تلتف على هذا الإطار القانوني عبر وسائل بيروقراطية، إذ ترفض تسليم "خطاب القبول النهائي" إلا بعد تقديم إيصال تبرع لصالح صندوق محدد، أو دفع مبالغ تحت بند "خدمات إضافية غير تعليمية". وتتراوح هذه المبالغ في المدارس الدولية والخاصة المتميزة بين 20 و50 ألف جنيه تُدفع مرة واحدة عند القبول تحت مسمّى "حجز المقعد". وتبدأ أولى خطوات هذه المنظومة بما يُعرف برسوم "المقابلة الشخصية"، حيث تفرض بعض المدارس الخاصة واللغات والدولية رسوماً تتراوح بين 1500 و5000 جنيه لمجرد حجز موعد مقابلة الطفل ووالديه.
يقول الدكتور محمود بسيوني، الخبير الاقتصادي، عن خطورة هذا النمط الاستهلاكي، إن "بزنس التقديم للمدارس يخلق تضخماً مصطنعاً في كلفة المعيشة، إذ تضطر الأسر لتقليص إنفاقها على الغذاء والرعاية الصحية والادخار لصالح مصاريف تعليمية غير خاضعة للرقابة السعرية"، مضيفا أن هذا التشوه يعمّق الفجوة الطبقية، حيث يتحول التعليم الجيد إلى سلعة حصرية لمن يمتلك القدرة المالية، وليس على أساس الكفاءة أو الاستحقاق التربوي، مشيرا إلى أن هذه الممارسات تعكس غياب الرقابة المالية الصارمة على المؤسسات التعليمية الخاصة، وتحول التعليم من خدمة اجتماعية إلى قطاع استثماري يعتمد آليات مشابهة لأسواق العقار والمضاربة.
وأضاف بسيوني هذه الدورة الاقتصادية تمس بشكل مباشر استقرار الطبقة المتوسطة، التي ترى في التعليم الخاص والدولي الخيار الوحيد لضمان مستقبل أبنائها، في ظل تراجع جودة التعليم الحكومي من حيث البنية التحتية والمناهج والمعلمين والأنشطة، موضحا يجد رب الأسرة نفسه مضطراً لاستنزاف مدخراته أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية "مرحلة التقديم" فقط، قبل حتى التفكير في المصروفات الأساسية مثل الأقساط والزي المدرسي ووسائل الانتقال من الباصات والحافلات.
وأكد الدكتور سمير النيلي، مدير التعليم السابق بالإسكندرية، أن وزارة التربية والتعليم تضع ضوابط سنوية للمصروفات ونسب زيادتها، وتشدّد على حظر تحصيل أي مبالغ تحت مسمى تبرعات، إلا أن هذه الممارسات "غير قانونية ومرفوضة"، مستدركا لكن القانون يظل عاجزاً أمام "الآليات الداخلية" للمدارس الخاصة والدولية، مضيفا بعض المدارس تبرر رسوم المقابلات بأنها "أجور خبراء واستشاريين"، وتصف التبرعات بأنها "مساهمات اختيارية"، وهو ما يصعب إثبات عكسه قانونياً، خاصة مع مخاوف الأسر من تعرض أبنائها للرفض أو الانتقام.
وأوضح لم يعد العبء مقتصراً على المصروفات السنوية التي تشهد ارتفاعات كبيرة، بل امتد إلى حزمة من الرسوم الجانبية الإجبارية، تبدأ برسوم اختبارات القبول غير المستردة، مروراً بـ "كورسات التأهيل"، وصولاً إلى التبرعات المقنّعة، ما جعل التقديم للمدارس الخاصة والدولية استثماراً مالياً موازياً يدرّ أرباحاً ضخمة خارج الرقابة الرسمية.
ولفت النيلي الي ان أولى خطوات هذه المنظومة تبدأ بما يُعرف برسوم "المقابلة الشخصية"، حيث تفرض بعض المدارس الخاصة واللغات والدولية رسوماً تتراوح بين 1500 و5000 جنيه لمجرد حجز موعد مقابلة الطفل ووالديه، مؤكدا أن هذه الرسوم غير قابلة للاسترداد في حال رفض الطفل، وهو سيناريو يتكرر بكثرة، إذ تتقدم مئات الأسر لشغل عدد محدود من المقاعد، ما يحقق للمدارس عوائد مالية كبيرة من طلبات مرفوضة دون تقديم خدمة فعلية تُذكر، سوى مقابلة لا تتجاوز 15 دقيقة.