في ظل إعادة هيكلة القطاع.. تفاقم أزمة المحاجر بسبب زيادة الرسوم والإتاوات وتراجع الصادرات

- ‎فيتقارير

تسيطر على نظام المنقلب عبد الفتاح السيسي فكرة الاستحواذ على مقدرات الوطن ووضعها جميعا تحت إدارة واحدة، وهذا الاتجاه عكس معظم الرؤى الاقتصادية السائدة في العالم اليوم. فقد تحول جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة الي ثقب اسود يبتلع الأنشطة الاقتصادية المهمة في البلاد، بعدما كان الجهاز يتولى ملف استصلاح الأراضي فقط انتقل الي ملف استيراد القمح والحبوب وزيوت الطعام، ومؤخرا يسعي نظام الانقلاب لتوسيع اختصاصات الجهاز ليشمل السيطرة على صناعات التعدين والمحاجر، يأتي هذا في الوقت الذي تميل النظم الاقتصادية الناجحة الي التخصص، بمعني أن تتخصص كل جهة في نشاط تُركز فيه جهودها وخبراتها مما يُعطي نتائج إيجابية حيث تتفق القرارات مع الخبرات المتراكمة.

كشفت شعبة المحاجر والرخام بالغرفة التجارية عن فرض جهات سيادية إتاوات مالية تصل إلى 10 آلاف جنيه، ما يعادل 200 دولار، مقابل مرور السيارة المحملة بالرخام من المناجم إلى مراكز التصنيع، ما تسبب في خسائر فادحة بقطاع المحاجر الذي يضم استثمارات قيمتها 75 مليار جنيه، موضحة أن القيود التي تفرضها تلك الجهات أدت إلى تراجع معدل الصادرات من منتجات المحاجر بنسبة 32% خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025.

ووجه رئيس شعبة المحاجر محمد عارف نداءً لرئيس الوزراء يطالبه بالتدخل العاجل لحماية مستثمري قطاع المحاجر، وتحديداً في محافظة جنوب سيناء، من "بعض الممارسات التي تهدد استقرار صناعة الرخام"، موضحا أن المطالبات المالية بمناطق رأس سدر وأبو جعدة والباغة تمثل عبئاً كبيراً على المستثمرين وتؤثر سلباً على حركة الإنتاج.

وقال عارف، في تصريحات صحفية، إن من بين المعوقات التي تواجه القطاع مواجهة المستثمرين مطالبات مالية تصل إلى عشرات الآلاف من الجنيهات مقابل مرور سيارات الرخام، رغم أن هذه المحاجر تُمثل أحد أهم مصادر الخامات التي تعتمد عليها صناعة الرخام المصرية، محذراً من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى توقف المزيد من المحاجر والمصانع، وفقدان عدد كبير من العمالة، فضلاً عن إلغاء بعض عقود التصدير الخارجية.

وأشار رئيس شعبة المحاجر والرخام إلى أن حجم الاستثمارات في القطاع يصل إلى نحو 75 مليار جنيه، وأي معوقات تواجه  هذه الصناعة تنعكس بشكل مباشر على الاقتصاد القومي وقدرة مصر التنافسية في الأسواق العالمية، خاصة مع التراجع الذي شهدته صادرات الرخام والجرانيت خلال أول 11 شهراً من عام 2025 بنسبة 32%، لتسجل 296 مليون دولار مقابل 436 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2024.

وجاءت مطالب الغرفة التجارية في وقت تتحرك حكومة الانقلاب لإعادة رسم خريطة إدارة قطاع التعدين من خلال مشروع قانون جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، بعد هيمنة شركتي "الوطنية لاستثمار أراضي الدولة" و"الطرق" على أنشطة المحاجر بحكم الواقع، وفرضهما رسوماً على عمليات استخراج الرخام والرمال وكل أنشطة المحاجر بالمحافظات، رغم تبعيتها القانونية لهيئة الثروة المعدنية التابعة لوزارة البترول.

وتأتي تحذيرات المستثمرين في توقيت فارق، إذ يستهدف مشروع القانون الجديد منح جهاز مستقبل مصر اختصاصات واسعة في قطاع التعدين ضمن رؤية حكومية تستهدف إدارة الأصول الاستراتيجية.

وأشار مستثمرون، إلى أن الأزمة لم تعد في استخراج الخامات التي تضاعفت تكاليف استخراجها، وإنما في تكلفة وصولها إلى المصانع ثم إلى الموانئ، لافتين إلى أنه خلال العامين الأخيرين ارتفعت أسعار الوقود عدة مرات، وارتفعت معها تكلفة النقل الثقيل "النولون"، كما زادت رسوم استخدام عدد من الطرق والمحاور، الأمر الذي انعكس مباشرة على تكلفة نقل كتل الرخام من المحاجر إلى مناطق التصنيع.

وتتحمل الشاحنات المحملة بالرخام رسوم عبور على بعض الطرق التي تديرها الشركة الوطنية لإنشاء وتنمية وإدارة الطرق التابعة للجيش، إلى جانب رسوم أخرى مرتبطة بحركة الخام تفرضها الإدارات المحلية ووزارتا المالية والصناعة، وهو ما أدى إلى زيادة التكلفة اللوجستية مقارنة بالأعوام السابقة، بينما لم تصدر الجهات المختصة بياناً واضحاً يحدد جدولاً موحداً لهذه الرسوم، مما يبقي التكلفة الإجمالية وفقاً لأهواء المسئولين بكل محافظة.

ويرى المستثمرون أن المنتج المصري أصبح ينافس في الأسواق العالمية وهو مثقل بتكاليف نقل وخدمات أعلى من منافسيه، في وقت تعتمد دول منافسة مثل تركيا والهند والصين على منظومات لوجستية أقل تكلفة، بما يمنحها أفضلية سعرية في عقود التصدير، مشيرين إلى تزايد مخاوفهم مع اتجاه الدولة إلى إعادة تنظيم قطاع التعدين، الذي يمنح جهاز "مستقبل مصر" اختصاصات واسعة لتشمل قطاع المحاجر، دون التوقف عند ضرورة تحسين مناخ الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وتقليل تكلفة الإنتاج، بما يدعم هدف الدولة في زيادة الصادرات التعدينية بدلاً من تحميل المستثمرين أعباءً إضافية.

 ويشهد ملف المحاجر بالفعل إعادة ترتيب لاختصاصات الإدارة والولاية التنفيذية، بالتوازي مع مشروع القانون الجديد الخاص بتحويل "مستقبل مصر" إلى شركة مساهمة تحت مظلة رئاسة الجمهورية، بينما لم تصدر حتى الآن قرارات تنفيذية أو نصوص قانونية تفصيلية تحدد شكل العلاقة المستقبلية بين جهاز مستقبل مصر والجهات القائمة على تنظيم القطاع.

وبدأت حكومة الانقلاب تحركات ، لإعادة هيكلة قطاع التعدين عبر مشروع قانون جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، متجاهلة تصاعد مخاوف المستثمرين في قطاع صناعة الرخام والجرانيت من أن تؤدي الزيادات المتلاحقة في تكاليف النقل ورسوم العبور والرسوم المفروضة على حركة الشاحنات إلى تقويض الهدف الحكومي المعلن بمضاعفة صادرات القطاع إلى مليار دولار سنوياً، بعدما فقد بالفعل نحو ثلث صادراته خلال عام واحد.

ويكشف التوقيت عن مفارقة لافتة، فبينما بدأ مجلس النواب مناقشة المشروع النهائي لقانون يمنح جهاز "مستقبل مصر" اختصاصات واسعة تشمل منحه لأول مرة اختصاصات تمتد إلى قطاع التعدين، إلى جانب الزراعة والطاقة والخدمات اللوجستية وإدارة الأصول، بدأت الشركات العاملة في قطاع المحاجر إطلاق تحذيرات غير مسبوقة من أن الصناعة أصبحت تواجه ضغوطاً مالية وإدارية تهدد قدرتها على المنافسة، رغم امتلاكها أحد أكبر احتياطيات الرخام والجرانيت في المنطقة.

وحذر أعضاء شعبة المحاجر بالغرفة التجارية من أن نجاح أي إعادة هيكلة لن يتحقق بمجرد تغيير جهة الإدارة، وإنما يتطلب معالجة البيئة الاقتصادية التي تعمل فيها الشركات، مطالبين بإعادة النظر في الرسوم المفروضة على حركة الشاحنات، وتوحيد جهات التحصيل، ومراجعة تكاليف النقل، باعتبارها عناصر أصبحت تمثل نسبة متزايدة من تكلفة الإنتاج، في وقت تسعى الدولة إلى زيادة الصادرات الصناعية وجذب استثمارات جديدة إلى قطاع التعدين.

وتشير تقديرات قطاعية إلى أن صناعة الرخام والجرانيت تضم مئات المحاجر وآلاف المصانع والورش، وتوفر عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، بما يجعل أي تراجع في نشاطها ينعكس على سلاسل إنتاج كاملة تبدأ من استخراج الخام ولا تنتهي عند التصدير.