نتنياهو يرفض الانسحاب من غزة.. هل تتحول المفاوضات إلى ساحة لتحقيق أهداف عجز الاحتلال عن فرضها بالحرب؟

- ‎فيعربي ودولي

 
منذ قرن من الزمان هو عمر الصراع العربي الإسرائيلي تحصل دولة الاحتلال بالمفاوضات على ما عجزت عن تحقيقه بالقتال، كان ذلك واضحا في اتفاق السلام بين مصر ودولة الكيان المحتل، فقد حصلت من خلال المفاوضات على ما عجزت عن تحقيقه بالحرب. والاتفاق الأخير بين دولة الاحتلال ولبنان الذي اذل جيشها في الجنوب تحاول تحقيق أهدافها من خلال المفاوضات الجارية مع الحكومة اللبنانية، وما يحدث في قطاع غزة ليس منفصلا عن هذه الرؤية الصهيونية المجربة، "نحصل بالمفاوضات على ما عجزنا عن تحقيقه بالحرب".

ولم يعد السؤال اليوم: هل يريد بنيامين نتنياهو وقف الحرب في قطاع غزة؟ بل السؤال الأكثر قسوة ووضوحاً هو: هل يريد نتنياهو إنهاء الحرب أصلاً، أم يريد إعادة صياغتها بأدوات سياسية بعدما عجز عن حسمها عسكرياً؟، فحين يعلن رئيس حكومة الاحتلال رفضه للخطة المطروحة بشأن غزة، ويتمسك بأن أي انسحاب إسرائيلي مشروط بنزع سلاح المقاومة، فإن الأمر لا يتعلق بخلاف تقني على بند هنا أو فقرة هناك، بل بصراع أعمق على شكل اليوم التالي للحرب، وعلى من يملك قرار غزة، ومن يحدد مستقبلها، ومن يدفع ثمن الهزيمة أو يدّعي صناعة النصر.

 نتنياهو لا يتعامل مع الانسحاب باعتباره بنداً تفاوضياً، إنه يتعامل معه باعتباره اعترافاً سياسياً بما لم تستطع الحرب فرضه، وهنا تحديداً تكمن عقدة المشهد، فالخروج من غزة بالنسبة له ليس مجرد تحريك لقوات من نقطة إلى أخرى، وإنما خطوة قد تُقرأ داخل إسرائيل بوصفها إعلاناً عن انتهاء مرحلة من الحرب دون تحقيق الأهداف التي رُفعت منذ بدايتها، ولذلك يكرر شرط نزع السلاح قبل الانسحاب، في محاولة لتحويل المعادلة من: انسحاب مقابل وقف الحرب، إلى: نزع سلاح المقاومة مقابل أي انسحاب.

لكن الفلسطيني الذي ينظر إلى المشهد من زاوية تاريخية مختلفة يرى شيئاً آخر، يرى احتلالاً جاء إلى الطاولة بعدما عجز عن كتابة نهاية الحرب بالطريقة التي أرادها، يرى حكومة تحاول أن تحصل سياسياً على ما لم تستطع أن تفرضه عسكرياً، ويرى أيضا محاولة لإعادة تعريف الصراع من جديد: بدل أن يكون السؤال كيف ينتهي الاحتلال، يصبح السؤال كيف يُجرَّد الفلسطيني من أدوات مقاومته.
ولا يمكن أن يكون نزع السلاح مقدمة لإنهاء الاحتلال؛ لأن ذلك يقلب الضحية والجلاد، ويمنح الطرف الذي يملك القوة العسكرية أصلاً حق مطالبة الطرف الواقع تحت الاحتلال بالتخلي عن كل أدوات الضغط قبل أن يحصل على أي ضمانة حقيقية.

 

الشعب الفلسطيني يعرف معني السلام جيدا

وهنا يجب أن يكون الموقف واضحاً، لا يمكن أن يكون نزع السلاح مقدمة لإنهاء الاحتلال؛ لأن ذلك يقلب الضحية والجلاد، ويمنح الطرف الذي يملك القوة العسكرية أصلاً حق مطالبة الطرف الواقع تحت الاحتلال بالتخلي عن كل أدوات الضغط قبل أن يحصل على أي ضمانة حقيقية.

 فلسطين لا تحتاج إلى محاضرة في معنى السلام، فالفلسطينيون يعرفون معنى السلام أكثر من كثيرين يتحدثون عنه من خلف المكاتب، يعرفون أن السلام ليس أن تصمت الطائرات ليوم أو أسبوع، وليس أن يتوقف القصف بينما يبقى الاحتلال، وليس أن يُعاد إعمار بيت اليوم مع إبقاء القدرة على تدميره غداً، وليس أن يحصل الفلسطيني على مساعدات غذائية فيما يُحرم من حقه في تقرير مصيره.

السلام الذي يستحقه الفلسطيني هو السلام الذي يُنهي الخوف، لا السلام الذي يُؤجل الخوف، هو السلام الذي يُنهي الاحتلال، لا السلام الذي يُعيد تنظيمه، هو السلام الذي يُعيد للإنسان الفلسطيني حقه في الأرض والحياة والحرية، لا السلام الذي يطلب منه أن يكون ممتناً لأنه نجا، وهنا تحديداً تنكشف المشكلة في خطاب نتنياهو، إنه يريد أن يجعل أمن الاحتلال نقطة البداية، بينما يريد الفلسطيني أن يجعل إنهاء الاحتلال نقطة البداية، وبين النقطتين تقع كل المعركة.

من هنا، فإن المقاومة في الوعي الفلسطيني ليست مجرد بند عسكري يمكن شطبه من اتفاق ثم اعتبار القضية قد حُلت، إنها تعبير عن رفض واقع فُرض بالقوة، وقد يختلف الفلسطينيون في الأدوات والأساليب والبرامج السياسية، لكن لا يمكن فصل ظاهرة المقاومة عن تاريخ الاحتلال نفسه، فحين تُقتلع الأرض وتُصادر، ويُوسَّع الاستيطان، ويُفرض الحصار، ويُهدم البيت، ويُعتقل الإنسان، وتُغلق الطرق، وتُفرض السيطرة العسكرية، فإن السؤال لا يصبح: لماذا يقاوم الفلسطيني؟ السؤال الذي يجب أن يُطرح أولاً هو: لماذا يستمر الاحتلال؟ هذه هي النقطة التي تحاول الرواية الإسرائيلية الهروب منها، حيث تحاول تحويل المقاومة إلى أصل المشكلة، والاحتلال إلى تفصيل، تحاول أن تجعل الأمن الإسرائيلي حقيقة مطلقة، والأمن الفلسطيني مطلباً مؤجلاً,.

لكن الفلسطينيين الذين عاشوا الحرب والحصار والاقتلاع يعرفون أن الأمن لا يمكن أن يكون امتيازاً لطرف وحرماناً للطرف الآخر، فإذا كان الأمن حقاً، فهو حق للجميع، وإذا كان السلام ضرورة، فهو ضرورة للجميع، وإذا كانت الحياة مقدسة، فهي مقدسة للفلسطيني كما غيرهم في كل بقاع الأرض، ولهذا فإن السؤال عن السلاح لا يمكن فصله عن السؤال عن الاحتلال، ومن يطلب معالجة السلاح دون معالجة الاحتلال، إنما يعالج العرض ويترك المرض.

والمقاومة، في هذا السياق، ليست مطالبة بأن تقدم أوراقها مجاناً، ولا يجوز أن يتحول وقف إطلاق النار إلى بوابة لتجريد الفلسطيني من عناصر القوة، ثم تركه في مواجهة احتلال يحتفظ بجيشه وطائراته ودباباته وقدرته على العودة إلى الحرب متى قرر، فهذه ليست معادلة سلام، هذه معادلة احتلال، والفلسطيني الذي دفع الثمن الأكبر لا يمكن أن يقبل بأن تكون النتيجة النهائية لكل هذا الخراب مجرد وعد جديد، لقد جُرِّبت الوعود، وجُرِّبت التفاهمات، وجُرِّبت الاتفاقيات.
 

مطلوب اتفاق واضح قابل للتنفيذ

ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس اتفاقاً جميل اللغة، بل المطلوب اتفاق واضح، قابل للتنفيذ، ومحصّن بضمانات حقيقية، ويحدد نهاية الحرب، ويمنع العودة إليها، ويضع الاحتلال أمام التزامات لا يستطيع إعادة تفسيرها كلما تغيرت مصالحه.

المقاومة التي يؤمن بها الفلسطينيون ليست بحاجة إلى أن تُثبت أنها موجودة، وجودها أثبتته عقود الصراع، لكن الأهم اليوم هو أن يتحول الصمود الفلسطيني إلى مكسب سياسي لا يستطيع الاحتلال مصادرته، وهذا يعني أن وقف الحرب يجب أن يكون بداية لمسار جديد، لا خاتمة سياسية مجانية تمنح إسرائيل فرصة لإعادة ترتيب المشهد وفق مصالحها، يعني أن الانسحاب يجب أن يكون واضحاً، وأن إعادة الإعمار يجب أن تبدأ دون ابتزاز، وأن المعابر يجب أن تكون جزءاً من الحل، وأن حياة الفلسطينيين يجب ألا تبقى رهينة القرار العسكري الإسرائيلي، وأن غزة لا يجوز أن تُفصل سياسياً وجغرافياً عن بقية فلسطين.

 فالحديث عن "اليوم التالي" لا يمكن أن يبدأ بسؤال: من سيدير غزة؟ بل يجب أن يبدأ بسؤال: كيف تنتهي السيطرة الإسرائيلية على غزة، وكيف يستعيد الفلسطيني حقه في إدارة حياته ومستقبله؟ وهذا فارق هائل، لأن الاحتلال يريد أن يجعل غزة ملفاً أمنياً، والفلسطيني يريدها جزءاً من قضية تحرر وطني، الاحتلال يريد إدارة السكان، والفلسطيني يريد امتلاك القرار، الاحتلال يريد أن يحدد من يحمل السلاح، والفلسطيني يريد أولاً أن يعرف متى ينتهي الاحتلال، الاحتلال يريد أن يتحدث عن "اليوم التالي"، والفلسطيني يريد أن يتحدث عن اليوم التالي للاحتلال، هذه هي المعركة الحقيقية على المصطلحات قبل أن تكون معركة على البنود.

 ومن هنا فإن المقاومة، في الوعي الفلسطيني، لا تدخل مرحلة جديدة باعتبارها طرفاً ينتظر ما سيُمنح له، بل باعتبارها طرفاً يجب أن يؤخذ موقفه السياسي في الاعتبار، لأن أي ترتيبات تتجاهل الواقع الفلسطيني محكومة بالفشل. لكن القوة السياسية الحقيقية لا تعني رفض كل شيء، ولا تعني تحويل استمرار الحرب إلى غاية، بل تعني امتلاك القدرة على التمييز بين وقف الحرب والاستسلام، وبين التفاوض والتنازل، وبين الهدنة والسلام، وبين إعادة الإعمار وإعادة إنتاج الاحتلال.

هذه القدرة هي التي تجعل المقاومة جزءاً من مشروع سياسي لا مجرد رد فعل عسكري، فالمطلوب ليس أن تستمر الحرب إلى ما لا نهاية، المطلوب ألا تنتهي الحرب بنتيجة تجعل الجولة القادمة أكثر سهولة على الاحتلال، والمطلوب ليس أن يبقى الفلسطيني في حالة حرب دائمة، المطلوب أن يحصل الفلسطيني على ضمانات تمنحه الحق في الحياة دون أن تكون هذه الحياة مرهونة بإرادة المحتل.

 وهنا يجب أن يتغير اتجاه الضغط الدولي، إذا كان العالم يريد من الفلسطيني أن يلتزم بالاتفاق، فعليه أن يضمن التزام الاحتلال، إذا كان يريد نزع فتيل الحرب، فعليه أن يُنهي أسبابها، إذا كان يريد إعادة إعمار غزة، فعليه أن يمنع تدميرها من جديد، وإذا كان يريد سلاماً دائماً، فعليه أن يتعامل مع أصل المشكلة: الاحتلال. أما مطالبة الفلسطيني بالتنازل أولاً، ثم انتظار حسن النية الإسرائيلي، فهي وصفة لجولة جديدة من الحرب.

 

غزة دفعت الثمن

الفلسطينيون ليسوا بحاجة إلى تجربة ذلك مرة أخرى، غزة دفعت ثمناً لا يمكن للكلمات أن تختصره، لكن حجم المأساة لا يعني أن يتحول الفلسطيني إلى طرف منزوع الإرادة، بل العكس، كل هذا الألم يجب أن يدفع نحو اتفاق يحمي الحياة ويصون الكرامة ويمنع تكرار المأساة، وهنا يجب أن تكون الرسالة الفلسطينية صريحة:

 نريد وقف الحرب، لكننا لا نريد وقفاً مؤقتاً للحرب يسمح بعودة الحرب لاحقاً، نريد إعادة الإعمار، لكننا لا نريد إعادة بناء ما سيهدمه الاحتلال مرة أخرى، نريد الأمن، لكن الأمن للفلسطيني ليس أقل قيمة من الأمن للإسرائيلي، نريد مستقبلاً لغزة، لكن مستقبل غزة لا يمكن أن يُكتب في تل أبيب، نريد ترتيبات سياسية، لكن القرار الفلسطيني لا يمكن أن يكون ملحقاً بقرار الاحتلال. هذه ليست شروطاً تعجيزية، هذه الحد الأدنى من المعنى السياسي لأي اتفاق يريد أن يعيش. 

أما نتنياهو فإنه يعرف أن الاعتراف بانسحاب واضح وإنهاء الحرب سيعيد فتح الأسئلة التي حاول تأجيلها: ماذا حققت الحرب؟ هل انتهت المقاومة؟ هل استطاعت إسرائيل فرض رؤيتها؟ هل تحولت غزة إلى منطقة خاضعة لإرادتها؟ هل استطاعت أن تفصل غزة عن فلسطين؟ وهل يستطيع الاحتلال أن يعلن النصر إذا كان مضطراً في النهاية إلى التفاوض على الشروط التي أراد فرضها بالقوة؟ هذه الأسئلة هي التي تفسر جزءاً كبيراً من التشدد الإسرائيلي، لأن المشكلة لم تعد عسكرية فقط، إنها مشكلة رواية؛ نتنياهو يحتاج إلى رواية نصر، والفلسطيني يحتاج إلى منع الاحتلال من تحويل الدمار إلى انتصار، وهنا لا تكفي الصور ولا البيانات، المعركة الحقيقية هي على معنى النتيجة.

قد يقول الاحتلال إنه انتصر لأنه دمر، لكن التدمير ليس بالضرورة انتصاراً، قد يهدم جيش مدينة، لكنه لا يستطيع أن يهدم شعباً، قد يدمر البيوت، لكنه لا يستطيع أن يمحو الذاكرة، قد يفرض حصاراً، لكنه لا يستطيع أن يُلغي حق شعب في الحرية، وقد يقتل القدرة على الحركة في لحظة، لكنه لا يستطيع أن يقتل فكرة فلسطين.

وهذه الحقيقة هي التي يجب أن تحضر في أي قراءة للمرحلة المقبلة, فلسطين ليست مشروعاً مؤقتاً، والمقاومة ليست حدثاً عابراً، والاحتلال ليس قدراً أبدياً، والحرب، مهما طال أمدها، لا تستطيع إلغاء التاريخ. لذلك فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على تحويل هذه اللحظة إلى نقطة انتقال: من حرب مفتوحة إلى مسار سياسي يُنهي الاحتلال، ومن دمار إلى إعمار، ومن انقسام إلى وحدة، ومن إدارة للأزمة إلى حل لجذورها.

وهنا يجب ألا تسمح القوى الفلسطينية بأن تتحول المرحلة المقبلة إلى صراع على النفوذ. غزة ليست غنيمة، وليست منصباً، وليست صندوقاً انتخابياً، وليست منطقة نفوذ، غزة شعب، وفلسطين قضية. ومن يريد إدارة غزة عليه أن يدرك أن إدارة الأرض ليست بديلاً عن تحرير القرار.

 كما أن وحدة الصف الفلسطيني لا تعني إلغاء التعدد السياسي، ولا تعني أن يتخلى أي طرف عن قناعاته، بل تعني الاتفاق على قاعدة واحدة: لا يجوز أن يتحول الخلاف الفلسطيني إلى أداة بيد الاحتلال. هذه هي الوحدة التي تحتاجها فلسطين، وحدة تحمي القرار، وحدة تمنع الوصاية، وحدة تجعل غزة والضفة والقدس واللاجئين والداخل الفلسطيني أجزاء من قضية واحدة، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد كل هذه الحرب أن ينجح الاحتلال في تحقيق ما عجز عن تحقيقه بالقوة: تحويل فلسطين إلى ملفات منفصلة، غزة ملف، الضفة ملف، القدس ملف، اللاجئون ملف، والنتيجة النهائية: فلسطين مجزأة حتى وهي تتحدث عن السلام، وهذا ما يجب ألا يحدث.

المعركة السياسية المقبلة تحتاج إلى رؤية فلسطينية تعرف ما تريد، تريد وقف العدوان، تريد انسحاب الاحتلال، تريد إعادة الإعمار، تريد رفع الحصار، تريد ضمانات حقيقية، تريد وحدة الجغرافيا الفلسطينية، وتريد أن يبقى القرار الفلسطيني فلسطينياً. هذه ليست أحلاماً، هذه حقوق، والحقوق لا تحتاج إلى إذن من المحتل.

 وهنا يصبح رفض نتنياهو للانسحاب أكثر من مجرد موقف تفاوضي، إنه محاولة لفرض حقيقة جديدة: أن الاحتلال يستطيع البقاء ما شاء، وأن الفلسطيني عليه أن يقدم ضماناته أولاً. وهذه المعادلة يجب أن تُرفض، ليس لأن الفلسطيني يريد الحرب، وإنما لأنه يريد ألا يعود إليها، وليس لأن الفلسطيني يرفض السلام، وإنما لأنه يريد سلاماً لا يحمل داخله بذور الحرب المقبلة، وليس لأن الفلسطيني يريد استمرار المواجهة، وإنما لأنه يريد إنهاءها على أساس يحميه من تكرارها.

وهذا هو الفرق بين السلام الذي يوقف الحرب والسلام الذي ينهي أسبابها؛ الأول هدنة، والثاني حل. ولهذا فإن القضية ليست أن يقبل الفلسطيني بكل ما يُعرض عليه حتى يتوقف القصف، القضية أن يتوقف القصف ضمن مسار يحمي الفلسطيني من عودته.

إن حياة الفلسطيني ليست تفصيلاً تفاوضياً، والدم الفلسطيني ليس بنداً قابلاً للمساومة، والأرض ليست ورقة، والحرية ليست مكافأة، وفلسطين ليست مشروعاً أمنياً يمكن أن يُحدده الاحتلال. ومن هنا فإن الرسالة الأوضح التي يجب أن تصل إلى نتنياهو وإلى كل من يُراهن على إنهاك الفلسطيني؛ هي أن الشعوب لا تُهزم بمجرد أن تدفع ثمناً باهظاً. قد تُنهك، قد تتألم، قد تخسر الكثير، لكنها تستطيع أن تحمل قضيتها من جيل إلى جيل.

وفلسطين حملت قضيتها أكثر من قرن وما زالت تحملها، وهذا هو السبب الذي يجعل الاحتلال عاجزاً عن إغلاق الملف الفلسطيني. كل محاولة لإغلاقه بالقوة تفتحه من جديد في السياسة والتاريخ والذاكرة، ولهذا فإن المستقبل لن يُحدده نتنياهو وحده، ولا حكومة الاحتلال وحدها، ولا الوسطاء وحدهم، المستقبل ستحدده أيضاً قدرة الفلسطينيين على حماية روايتهم، ووحدتهم، وقرارهم، وتحويل صمودهم إلى مكاسب سياسية لا يستطيع أحد مصادرتها.

وهنا تكمن المعركة الحقيقية، ليس فقط من يطلق النار، بل من يكتب النهاية، ليس فقط من يملك القوة، بل من يملك القدرة على تحويل القوة إلى حق سياسي، ليس فقط من يفرض شروطه في لحظة، بل من يستطيع أن يمنع تلك الشروط من التحول إلى واقع دائم.

وإذا كان نتنياهو يعتقد أن بإمكانه أن يخرج من الحرب دون الانسحاب، أو أن يفرض نزع السلاح قبل إنهاء الاحتلال، أو أن يعيد تشكيل غزة وفق مصالحه، فإن عليه أن يدرك أن فلسطين ليست صفحة يمكن طيها بقرار حكومي. لقد حاول الاحتلال أن يجعل الفلسطيني يختار بين الموت والاستسلام، لكن الفلسطيني يقول إن هناك خياراً ثالثاً: أن يعيش حراً، وأن يبقى متمسكاً بأرضه، وأن يحافظ على حقه في مقاومة الاحتلال بالوسائل التي يقرها القانون الدولي، وأن يرفض أن يتحول وقف الحرب إلى غطاء لاستمرار الاحتلال.

المعركة المقبلة ليست معركة غزة وحدها، إنها معركة تعريف المستقبل الفلسطيني؛ إما أن يكون المستقبل قائماً على الحرية والقرار الوطني ووقف العدوان وإعادة الإعمار والحق في تقرير المصير، وإما أن يكون قائماً على إدارة إسرائيلية للصراع بأسماء جديدة. والفارق بين الخيارين هو الفارق بين فلسطين حرة وفلسطين مُدارة، وهذا هو جوهر الموقف، فلا سلام حقيقياً مع احتلال دائم، ولا استقرار حقيقياً مع حصار دائم، ولا إعماراً حقيقياً مع تهديد دائم، ولا مستقبلاً لغزة إذا بقي مستقبلها مرهوناً بقرار الاحتلال.

وإذا كان نتنياهو يصر على عدم الانسحاب، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً أمام العالم ليس: لماذا ترفض المقاومة شروط إسرائيل؟ بل: لماذا يرفض الاحتلال الانسحاب من أرض يريد العالم أن يصدق أن الحرب انتهت فيها؟ ذلك هو السؤال الذي يحاول نتنياهو الهروب منه، وذلك هو السؤال الذي يجب ألا يسمح الفلسطينيون لأحد بدفنه تحت ركام الكلمات الدبلوماسية.
 

لقد دفعت غزة ثمناً هائلاً، ومن حقها أن تحصل على أكثر من هدنة، ومن حق فلسطين أن تحصل على أكثر من وعد، ومن حق الفلسطيني أن يحصل على أكثر من مساعدات، ومن حق الضحية أن ترى العدالة، لا أن يُطلب منها فقط أن تتوقف عن المقاومة، فالمطلوب ليس إسكات الفلسطيني، المطلوب إنهاء السبب الذي جعله يصرخ، وليس نزع إرادته، بل إنهاء الاحتلال الذي صادر إرادته. 

 ولهذا، فإن المعركة المقبلة ليست معركة غزة وحدها، إنها معركة تعريف المستقبل الفلسطيني؛ إما أن يكون المستقبل قائماً على الحرية والقرار الوطني ووقف العدوان وإعادة الإعمار والحق في تقرير المصير، وإما أن يكون قائماً على إدارة إسرائيلية للصراع بأسماء جديدة، والفارق بين الخيارين هو الفارق بين فلسطين حرة وفلسطين مُدارة.
 

 لن يكون وقف اطلاق النار نهاية القضية

وهنا يجب أن تكون الكلمة الأخيرة واضحة: لن يكون وقف إطلاق النار نهاية القضية، ولن تكون إعادة الإعمار بديلاً عن الحرية، ولن يكون نزع السلاح طريقاً إلى سلام لا ينهي الاحتلال, لقد أثبتت غزة أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع كتابة التاريخ، وأثبت الفلسطينيون أن الركام لا يلغي القضية، وأثبتت السنوات أن الاحتلال مهما طال لا يتحول إلى حق.

أما نتنياهو، فعليه أن يفهم أن المشكلة ليست في أن الفلسطيني لم يقبل بشروطه، المشكلة أن الفلسطيني لم يعد يقبل أن يكتب الاحتلال شروط مستقبله. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس متى ينسحب نتنياهو من غزة؟ بل متى يدرك نتنياهو أن غزة ليست أرضاً يمكن امتلاكها بالقوة، وأن الفلسطيني الذي صمد تحت النار لن يقبل أن يُطلب منه الاستسلام على طاولة المفاوضات؟ ذلك هو مفترق الطريق، وذلك هو الاختبار.

أما غزة، التي دفعت من دمها ما يفوق قدرة الكلمات على الوصف، فقد قالت كلمتها منذ زمن: لن تكون الحرب آخر فصل في حكاية فلسطين، ولن يكون وقف إطلاق النار شهادة وفاة للمقاومة.