بعد سنوات من الترويج ل”التأمين الصحي الشامل”.. مليارات في الخزانة وشكاوى في المستشفيات.. و65 وحدة صحية تخرج من منظومة المنيا

- ‎فيتقارير

بعد سنوات من ترويج نظام الانقلاب العسكرى الدموى ، لمنظومة التأمين الصحي الشامل باعتبارها أحد أبرز مشروعات الإصلاح الصحي في مصر، تكشف شكاوى المواطنين وتدخلات النواب ومسئولي المحافظات عن فجوة متزايدة بين ما تعلنه الحكومة من جاهزية وتقدم، وما يواجهه المرضى فعليًا من زحام ونقص في الأطباء والتمريض والأدوية وتعقيدات في إجراءات الحصول على الخدمة.

وفي أحدث حلقات الأزمة، برزت محافظة المنيا، التي دخلت المنظومة في أبريل 2026، بعدما فوجئ الأهالي باستبعاد 65 وحدة صحية من التشغيل، بعد أشهر فقط من إعلان المحافظة جاهزية المنشآت الصحية، في واقعة تفتح تساؤلات حول مدى دقة تقييم الجاهزية قبل إدخال المحافظات إلى المنظومة.

 

65 وحدة صحية خارج الخدمة

دخلت المنيا، التي يتجاوز عدد سكانها ستة ملايين نسمة، منظومة التأمين الصحي الشامل في أبريل الماضي، وسط إعلان رسمي عن جاهزية 65 مستشفى و196 وحدة صحية لاستقبال المواطنين. لكن مع بدء التشغيل التجريبي، ظهرت أزمة استبعاد 65 وحدة صحية، بعدما تبين، وفق ما أُعلن، عدم استيفائها شروط التشغيل.

وأثار القرار تساؤلات بين المواطنين حول أسباب إعلان الجاهزية في البداية، ثم استبعاد هذا العدد الكبير من الوحدات بعد بدء التطبيق، فضلًا عن مصير المرضى الذين كانوا يعتمدون على هذه المنشآت في الحصول على الرعاية الصحية الأولية.

وكان النائب فى برلمان ةالانقلاب  حسين غيته قد تقدم بطلب إحاطة بشأن مدى جاهزية وزارة الصحة قبل تطبيق المنظومة، قبل أن يعاود تقديم سؤال برلماني إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة، مطالبًا بتوضيح أسباب استبعاد الوحدات الصحية.

وفي المقابل، نفت وزارة الصحة  بحكومة الانقلاب ما تردد عن إغلاق الوحدات، مؤكدة استمرار المنشآت في تقديم الخدمات الصحية، بينما أشار غيته إلى صدور قرار مؤقت بوقف إجراءات الإخلاء، معتبرًا أن ذلك يمثل تأجيلًا للمشكلة وليس حلًا لها.

ولا يزال السؤال البرلماني، بحسب المعطيات الواردة، دون رد رسمي حاسم يوضح أسباب الأزمة وآليات التعامل معها.

 

بورسعيد.. الأزمة مستمرة بعد ست سنوات

ولا تبدو أزمة المنيا حالة منفردة، إذ تكشف تجربة بورسعيد، أولى محافظات الجمهورية تطبيقًا لمنظومة التأمين الصحي الشامل في نوفمبر 2019، عن استمرار شكاوى تتعلق بجودة وسهولة الحصول على الخدمة، رغم مرور نحو ست سنوات على بدء التطبيق.

ففي يوليو الماضي، رصد محافظ بورسعيد، اللواء إبراهيم أبو ليمون، خلال جولة مفاجئة داخل مبنى التأمين الصحي الشامل، تكدسات وزحامًا بين المواطنين المترددين على المكان، ما دفعه إلى عقد اجتماع عاجل لبحث حلول عملية وسريعة للحد من التكدس وتحسين انسيابية الإجراءات.

وأسفر الاجتماع عن تخصيص مقر مؤقت في حي المناخ لتسجيل المستفيدين من المنظومة، لحين الانتهاء من تجهيز مقر جديد خلف مستشفى المبرة، بهدف تخفيف الضغط عن المقر الحالي.

كما تقرر تجديد ندب العاملين المنتدبين من مديرية الشئون الصحية، وندب عشرة عاملين إضافيين إلى الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، في محاولة لزيادة الطاقة البشرية وتسريع إنهاء معاملات المواطنين.

وشملت الإجراءات كذلك تخصيص شباكين في مقر الجهاز التنفيذي لأصحاب الحصص الاستيرادية، مع إعداد بياناتهم مسبقًا وحساب الاشتراكات قبل حضورهم، بما يُقلل زمن الانتظار والتكدس.

كما جرى بحث تخصيص دعم شهري لخمسين أسرة من الأولى بالرعاية، وسداد اشتراكات التأمين الصحي الشامل الخاصة بهم، مع حصر غير القادرين والمستحقين للدعم المالي لضمان إدراجهم في المنظومة.

لكن اضطرار المحافظة إلى اتخاذ هذه الإجراءات بعد سنوات من بدء التطبيق يعيد طرح السؤال بشأن قدرة المنظومة على استيعاب أعداد المستفيدين وتوفير الخدمة بالسرعة والكفاءة المعلنة.

 

خدمة ناقصة رغم الاشتراك

وتتجاوز المشكلات مسألة الزحام والإجراءات الإدارية إلى جوهر الخدمة الطبية نفسها. ففي محافظات الإسماعيلية والسويس وجنوب سيناء والأقصر وأسوان، تحدثت تغطيات صحفية عن نقص في مواعيد الحجز، فضلًا عن وجود منشآت متعاقدة على تقديم خدمة محددة فقط، مثل الغسيل الكلوي، دون توفير الخدمات الطبية المساندة والمكملة التي يحتاجها المريض.

وفي هذه الحالات، يجد بعض المرضى أنفسهم مضطرين إلى تحمل تكاليف الأدوية أو التحاليل من جيوبهم، رغم اشتراكهم في منظومة يُفترض أن توفر لهم حزمة متكاملة من الخدمات الصحية.

وتزداد الأزمة تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بالخدمات التخصصية التي لا تتوافر في المحافظة نفسها، ما يفرض على المرضى التنقل بين المحافظات وتحمل أعباء إضافية للوصول إلى الخدمة.

 

مواطنون يهربون من الاشتراك

وفي الأقصر وقنا، ظهرت شكاوى أكثر دلالة على حجم الفجوة بين الاشتراك والخدمة؛ إذ تحدث مواطنون عن اضطرارهم إلى تغيير عناوين إقامتهم المسجلة، وأحيانًا استخدام عقود إيجار صورية، للانتقال ورقيًا إلى محافظات لم تدخل المنظومة بعد.

 

والهدف من ذلك، وفق شهاداتهم، هو تجنب الاشتراكات الإلزامية التي يرون أنها لا يقابلها حصول فعلي على الخدمة الطبية التي يحتاجون إليها.

وإذا صحت هذه الشهادات، فإنها تكشف مفارقة لافتة: منظومة يُفترض أن يكون الاشتراك فيها مدخلًا إلى حماية صحية شاملة، تتحول لدى بعض المواطنين إلى عبء يدفعهم للبحث عن طرق للابتعاد عنها بدلًا من الاستفادة منها.

 

البرلمان أمام سيل من الشكاوى

ومع تكرار الأزمات، بدأ نواب البرلمان في نقل شكاوى المواطنين إلى الحكومة والجهات المعنية. ففي السويس، أعلن النائب جلال مازن إنهاء تعاونه مع مسئولي هيئتي الرعاية الصحية والتأمين الصحي في المحافظة، مؤكدًا عزمه تصعيد الشكاوى إلى الوزارة مباشرة.

كما طالب النائب سيد حنفي طه، أواخر يونيو الماضي، الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة ما وصفه بتزايد شكاوى المواطنين من الزحام الشديد وطول فترات الانتظار ونقص بعض الأدوية.

ودعا إلى زيادة أعداد الأطباء وهيئات التمريض، والتوسع في الحجز الإلكتروني، وتحسين إدارة المخزون الدوائي، مع محاسبة المسؤولين عن أوجه القصور.

 

من أسبوعين لخلع ضرس إلى شهر كامل لقرار طبي

وتكشف شهادات المواطنين عن الوجه اليومي للأزمة، بعيدًا عن البيانات الرسمية والأرقام المعلنة. فمع بدء التشغيل التجريبي في أسوان، نشر مستخدم باسم مستعار «عباد الرحمن»، عبر مجموعة على فيسبوك مخصصة لمتضرري المنظومة، شكوى قال فيها إن الحصول على موعد لخلع ضرس استغرق نحو أسبوعين، رغم كونه من أصحاب المعاش ويعاني أمراضًا مزمنة، مشيرًا إلى تعطل الخط الساخن.

وفي شهادة أخرى، تحدثت أحلام محمد من دمياط عن معاناة مريض تأمين يحتاج إلى موافقة لإجراء عملية، واضطراره إلى السفر أكثر من مرة إلى مستشفى جديلة بالدقهلية.

وبحسب شهادتها، كانت الرحلة الأولى بسبب نقص أوراق كان الطبيب المحول على علم بها، ثم اضطر المريض إلى انتظار شهر كامل للحصول على موعد العرض على الطبيب، قبل أن يعود مرة أخرى لاستلام القرار.

وتساءلت المواطنة عن سبب عدم وجود مركز متخصص في كل محافظة بدلًا من تركيز الحالات في منشأة واحدة، بما يؤدي إلى تكدس المرضى وزيادة أعباء السفر والانتظار.

 

فائض بمليارات.. فأين تذهب إلى الخدمة؟

المفارقة الأبرز تظهر عند مقارنة حجم المشكلات الميدانية بالأرقام المالية التي تعلنها الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل.

فبحسب البيانات الواردة، أعلنت الهيئة تحقيق 281.3 مليار جنيه إيرادات و220.3 مليار جنيه فائضًا متراكمًا حتى أبريل 2026، فيما بلغت نسبة تغطية الإيرادات لمطالبات المحافظات 72.5%، مقابل 66.6% وفق توقعات الدراسة الاكتوارية.

كما بلغ الفائض خلال العام المالي 2024/2025 نحو 52.2 مليار جنيه، وفق ما أوردته وسائل إعلام محلية.

وتطرح هذه الأرقام سؤالًا أساسيًا لا تجيب عنه بيانات الإيرادات والفوائض وحدها: كم من هذه الأموال يذهب فعليًا إلى معالجة نقص الأطباء والتمريض والتخصصات والأدوية، وتحسين قدرة المنشآت على استقبال المرضى؟

فالمشكلة ليست فقط في حجم الأموال التي تدخل المنظومة، وإنما في كيفية تحويل هذه الموارد إلى خدمة صحية يشعر المواطن بتحسنها في المستشفى والوحدة الصحية ومركز العلاج.