بعد الديون والبطالة والفقر .. “مدبولي” جادا: المشكلة ليست في الواقع بل في من يشكك في “الإنجازات”!

- ‎فيتقارير

بعد سنوات من الحديث الرسمي عن الإصلاح الاقتصادي والمشروعات القومية واقتراب موعد "جني الثمار"، قال رئيس حكومة السيسي؛ مصطفى مدبولي إن الدولة "تواجه حربًا يومية هدفها تشكيك المواطن في أي إنجاز للدولة"!. وجاء التصريح في سياق دفاع حكومي عن أداء الدولة ومحاولة تفسير حالة التشكيك والانتقاد المستمر للمشروعات والسياسات الحكومية.

وفي الوقت الذي تحدث فيه "مدبولي" عن انخفاض البطالة إلى أقل من 6%، وتحسن المؤشرات الاقتصادية، وقدرتها على التعامل مع أعباء الدين والطاقة، يقف في المقابل حجم الدين الخارجي، وارتفاع الأسعار، وتكاليف المعيشة، وأعباء الضرائب، ويسأل عن الموعد الذي ستصل فيه "ثمار" المشروعات والإصلاحات إلى المواطن.

كما أن المشكلة ليست في وجود مشروعات من عدمه، وإنما حول معيار الإنجاز نفسه: هل يكفي أن تبني الدولة مشروعًا حتى يُسمى ذلك "إنجازًا"، أم أن الإنجاز الحقيقي يبدأ عندما يتحول المشروع "مصريا خالصا" إلى فرص عمل ودخل أفضل وخدمات أجود وقدرة أكبر للمواطن على تحمل تكاليف الحياة؟

مسافة واقعية بين رواية "رسمية" والردود الشعبية والسياسية عليها، ثم اختبار الطرفين بالأرقام والوقائع المتاحة: من الدين والبطالة، إلى الطاقة والضرائب، مرورًا بوعود «جني الثمار» والاستثمار في موارد الدولة.

الفنان عمرو واكد @amrwaked، رفض أصلًا تسمية ما تقوم به الحكومة "إنجازات"، وربط حديث مدبولي عن الإنجازات بملفات شراء الغاز من "إسرائيل"، وبيع الأسمنت والأمونيا لـ"إسرائيل"، والربط  بين "الاستثمارات" الإماراتية، والديون المصرية. واستخدم واكد عبارات شديدة اللهجة تضمنت اتهامات بالسرقة والنهب والخيانة، في اتهامات معلنة  للسيسي وحكومته.

أما سلامة @FattahFattahh فقدم اعتراضًا أكثر هدوءًا من زاوية مختلفة، إذ قال إن أي حكومة في تاريخ مصر لديها إنجازات وبرنامج عمل، حتى في عصور الاحتلال، لكن السؤال الحقيقي في نظره ليس وجود الإنجاز من عدمه، وإنما: لمن تعود فائدة هذه الإنجازات؟ ومن المستفيد منها؟ ويرى أن الحكومة تكون أكثر نجاحًا كلما اتسعت القاعدة الشعبية المستفيدة من إنجازاتها.

https://x.com/FattahFattahh/status/2095562522820559102

و"إنجاز" حكومي يعني بوجه نظر "مدبولي" بناء مشروع أو طريق أو ميناء أو مصنع، بينما المواطن قد يستخدم معيارًا آخر تمامًا للحكم على الإنجاز، مثل ارتفاع دخله الحقيقي، وانخفاض تكلفة المعيشة، وتوافر وظيفة جيدة، وتحسن الخدمات.

ولذلك لا يكفي أن تقول الحكومة إن لديها مشروعات، ولا يكفي المعارض أن يقول إن المواطن لا يشعر بها؛ المطلوب هو قياس العلاقة بين الإنفاق على المشروعات والعائد الاقتصادي والاجتماعي الذي تحقق منها.

 

عام جني الثمار

من أكثر العبارات المرتبطة بـ"انجازات" (السيسي-مدبولي) التي أصبحت محل اختبار في الخطاب الحكومي عبارة "عام جني الثمار"، وهي العبارة التي ارتبطت بالحديث عن أن المواطن سيبدأ في رؤية نتائج الإصلاحات والمشروعات والسياسات الاقتصادية خلال 2026.

وكتبت الإعلامية سلمى الدالي @salmaeldaly قائلة إنها تريد تذكير مصطفى مدبولي وتذكير نفسها بأن هذا هو "عام جني الثمار" كما وعد، لكنها تشير إلى أن دخول النصف الثاني من العام جعلها تشعر بالقلق من عدم ظهور الثمار بالقدر المتوقع.

وباتت المشكلة في عبارة "جني الثمار" أنها عبارة سياسية واسعة يمكن تفسيرها بأكثر من طريقة. وتعتبر الحكومة "انخفاض" التضخم أو زيادة الاستثمار أو ارتفاع النمو الاقتصادي ثمرة، بينما الأسرة المصرية قد تعتبر انخفاض أسعار الغذاء أو زيادة الأجر الحقيقي أو الحصول على وظيفة أفضل هي الثمرة الحقيقية.

ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي للعبارة يجب أن يكون بالأرقام: هل زاد دخل المواطن الحقيقي بعد خصم التضخم؟ هل انخفضت نسبة ما ينفقه على الغذاء والطاقة؟ هل أصبحت الوظائف الجديدة أفضل من حيث الأجور والإنتاجية؟ وهل انخفض عبء الدين وخدمته على الموازنة؟

إذا كانت المؤشرات الكلية تتحسن لكن المواطن لا يزال يفقد جزءًا كبيرًا من قدرته الشرائية، فإن القول إن الاقتصاد يتحسن قد يكون صحيحًا من زاوية كلية، لكنه لا يعني بالضرورة أن المواطن بدأ بالفعل في جني الثمار.

 

أبو العريف وملف الديون

وقبل أيام ظهر تصريح مصطفى مدبولي بشأن حجم الدين الخارجي، "نحو 165 مليار دولار ديون خارجية فقط.. وإحنا عارفين هنتعامل مع الديون إزاي"؟! وكان تأكيده أن الحكومة تعرف كيف ستتعامل مع الديون على المدى الزمني القصير في وقت أصبح فيه الدين أحد أكثر الملفات حساسية في النقاش الاقتصادي المصري.

ورقم "نحو 165 مليار دولار" ليس مجرد رقم متداول في الخطاب المعارض؛ فبيانات البنك المركزي المصري تشير إلى وصول الدين الخارجي إلى نحو 164.8 مليار دولار في 2026. وبالتالي فإن أصل الرقم الذي يستند إليه الجدل موجود بالفعل في البيانات الرسمية.

والمشكلة الحقيقية أيضا في كيفية إدارة الدين. فهناك فرق بين أن تقترض الدولة لتمويل استثمار يولد إنتاجًا وصادرات وعملة أجنبية مستقبلية، وبين أن تقترض لسد عجز جارٍ أو لسداد ديون سابقة.

لذلك فإن العبارة الأهم التي ينبغي أن تُطلب من الحكومة ليست "نعرف كيف نتعامل مع الدين"، وإنما شرح الجدول الزمني للسداد، وتكلفة الفوائد، ومصادر العملة الأجنبية التي ستُستخدم في السداد، ونسبة ما يذهب من الاقتراض إلى استثمارات مولدة للعائد.

وبحسب جيل زد-مصر @GenZ002_eg فإن المشكلة ليست في رئيس الوزراء وحده، وأن تقديم مدبولي باعتباره أصل الأزمة محاولة لاختزال مسئولية سياسية واقتصادية أكبر.

 

وقال الحساب إن مدبولي بقي في موقعه سنوات طويلة، لكنه في النهاية منفذ للسياسات التي تضعها السلطة الأعلى، ولذلك فإن إقالته وحدها لن تصلح شيئًا إذا ظلت السياسات الاقتصادية نفسها. ومن هذا المنظور فإن تغيير الأشخاص دون تغيير طريقة إدارة الاقتصاد قد يؤدي فقط إلى إعادة إنتاج الأزمة بأسماء جديدة.

هذه الحجة سياسية بالدرجة الأولى، لكنها تحمل سؤالًا اقتصاديًا مهمًا: هل المشكلة في كفاءة الحكومة التنفيذية فقط، أم في الخيارات الاستراتيجية التي تستمر بغض النظر عن اسم رئيس الوزراء؟ وإذا كانت الحكومة الجديدة ستواصل الاقتراض والإنفاق والاستثمار وسياسة التعامل مع القطاع الخاص والأصول العامة بالطريقة نفسها، فمن الصعب توقع اختلاف جوهري في النتائج.

 

أعباء الطاقة

بحسب ما نقلته منصات ومواقع محلية قال رئيس وزراء السيسي؛ مصطفى مدبولي إن ارتفاع إجمالي الديون يرجع إلى تحمل الدولة أعباء كبيرة مع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وعدم تحميل المواطنين إلا جزءًا بسيطًا من هذه الأعباء " الدولة تحملت أعباء ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا".

حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats سخر من التصريح وفكرته، قائلًا: إن السؤال الذي لا بد من طرحه هو: من أين جاءت الدولة بأموال هذا التحمل؟ ويشير المنشور إلى أن أكثر من 86% من إيرادات الموازنة تأتي من الضرائب، ومن ثم يرى أن الدولة تأخذ المال من المواطن ثم تستخدم جزءًا منه في تحمل أعباء الطاقة، قبل أن تقول إنها تحملت العبء نيابة عنه.

https://x.com/egy_technocrats/status/2095578358625042573

والإيرادات الضريبية تمثل بالفعل الجزء الأكبر من الإيرادات العامة المصرية. لكن الاستنتاج بأن الدولة "لم تتحمل شيئًا" لأنها تحصل على الضرائب من المواطنين يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة. والميزانية ليست حسابًا مغلقًا يعيد للمواطن أمواله نفسها، كما أن دعم الطاقة أو تحمل جزء من صدمة الأسعار يمكن أن يكون له أثر اقتصادي حقيقي حتى لو كان تمويله في النهاية من الإيرادات العامة.

ولكن السؤال المهم: كم دفعت الدولة فعلًا نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة؟ وكيف مولت هذا الإنفاق؟ وكم كان سيكلف المواطن لو تم تمرير كامل الزيادة إليه؟ وهل أدت سياسة التحمل إلى زيادة الدين بالفعل، وإذا كان الأمر كذلك فما نسبة هذه الزيادة التي يمكن نسبتها إلى الطاقة تحديدًا؟

 

البطالة أصبحت أقل من 6%

وقال مصطفى مدبولي (وفق منصات محلية) إن نسبة البطالة في مصر أصبحت أقل من 6%، وإن "مصر تجني ثمار كل الرؤى التي وضعتها القيادة السياسية منذ 2014"، مع عبارة "ماشيين في الاتجاه الصحيح".

الرد الواضح على ذلك جاء من SALAMA – سلامة @FattahFattahh، الذي شكك في دلالة الرقم من خلال سوق العمل نفسه، فقال ساخرا: إذا كان من يقول إن البطالة 6% على حق، فليضع إعلانًا يطلب 100 مدرس و100 مهندس و100 محاسب، ثم ينظر إلى عدد المتقدمين. ويستشهد بحالات لأشخاص يريدون العمل ويعيشون على معاشات آبائهم.

https://x.com/FattahFattahh/status/2095562522820559102

وينبغي برأيه التفريق بين معدل البطالة وأزمة العمل. الرقم الرسمي للبطالة لا يقيس كل ما يشعر به الشباب من صعوبة في الحصول على وظيفة مناسبة، ولا يقيس جودة الوظيفة أو الأجر أو العمل غير الرسمي أو عدم التوافق بين المؤهل والوظيفة.

فمن الممكن إحصائيًا أن تكون البطالة أقل من 6%، وفي الوقت نفسه يشعر قطاع كبير من الشباب بأن سوق العمل سيئ. وليس في هذا تناقض بالضرورة؛ لأن المؤشرين يقيسان شيئين مختلفين  فضلا عن عدم صوابية قراءة النسبة.

وكم وظيفة جديدة أُنشئت؟ وما متوسط أجورها؟ وما نسبة الوظائف الرسمية؟ وكم منها وظائف منتجة ومستدامة وليست مجرد امتصاص مؤقت للباحثين عن العمل؟

 

حدود المياه والزراعة

وسبق أن أكد مصطفى مدبولي أن المياه والأرض والزراعة تمثل عاملًا مقيدًا لقدرة الدولة على التوسع والتنمية، وأن إدارة الموارد المائية أصبحت من أكبر التحديات، قائلا:"المياه والزراعة هي العامل الوحيد الذي يقيّد قدرة الدولة على التوسع والتنمية".

وتناقلت المنصات الصحفية في توقيت متزامن  تخصيص حكومة  مدبولي 88 فدانًا من أملاك الدولة الخاصة في مدينة سفاجا بالبحر الأحمر، موزعة على قطعتين، لصالح جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، ثم انتقلت في منشور آخر إلى انتقاد اتفاقية شيفرون.

والتوسع الزراعي ليس مجرد زيادة مساحة الأرض. في حالة مصر، الماء والطاقة وتكلفة الاستصلاح والنقل والإنتاج عوامل لا تقل أهمية عن مساحة الأرض نفسها.

ثم كانت اتفاقية جديدة مع شركة شيفرون للبحث عن الغاز والبترول في منطقة لوتس، ووصفت مبلغ 85 مليون دولار بأنه استثمار هزيل مقابل ما اعتبرته ثروات مصرية، مستخدمة تعبيرات مثل "نهب مواردنا".

مبلغ 85 مليون دولار في اتفاقيات الاستكشاف لا يعني بالضرورة أن مصر باعت احتياطيات الغاز كلها مقابل 85 مليون دولار. فهذا النوع من الأرقام يكون عادة متعلقًا بالتزامات استثمارية أو أعمال بحث واستكشاف، وليس سعرًا نهائيًا لكل ما قد يوجد في المنطقة.

 

إقالة مدبولي وحدها لن تصلح شيئًا

"مسرحية بطلها مدبولي ومخرجها السيسي" بحسب "جيل زد" @GenZ002_eg كما أن محاولة تحميل رئيس الوزراء وحده مسئولية الأزمة تتجاهل أن السياسات العامة تصدر من مستوى السلطة الأعلى، وأن استمرار مدبولي طوال سنوات يعني أنه كان يعمل ضمن هذا الإطار السياسي.

وكتب المدني @M0831218 أن إبراهيم عيسى يبدو أحيانًا وكأنه يهاجم الحكومة ومصطفى مدبولي، لكنه في رأيه يوجه النقد الحقيقي إلى النظام والسياسات واتجاهات رأس السلطة التي أوصلت الحكومة إلى هذا الأداء.

وطالب حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats عبد الفتاح السيسي بما وصفه بأنه «تضحية» من أجل مصر، وطرح عليه خيارين، أحدهما سداد ديون مصر من الأموال التي يتهمه المنشور بسرقتها وتهريبها إلى الخارج، والآخر مغادرة البلاد. وينتهي المنشور بمقارنة ساخرة بين تضحية شخص واحد من أجل 120 مليونًا وتضحية 120 مليونًا من أجل شخص واحد.

صراع بين رواية حكومية تقول إن مصر تسير في الاتجاه الصحيح، وأن البطالة انخفضت، وأن الدولة تحملت جزءًا كبيرًا من صدمات الطاقة، وأن عام 2026 هو عام جني الثمار، وبين رواية معارضة تقول إن هذه المؤشرات لا تعكس واقع المواطن، وإن ارتفاع الدين والضرائب والأسعار يجعل الحديث عن الإنجازات منفصلًا عن حياة الناس.