نظام الانقلاب يستشعر الخطر .. مؤشرات اقتصادية وأمنية وسياسية تثير المخاوف و التساؤلات؟

- ‎فيتقارير

رغم الصورة التي تحاول سلطات الانقلاب  تقديمها عن انفتاح دبلوماسي وحركة خارجية نشطة، تتوالى خلال الأسابيع الأخيرة؛ إلا أن هناك مؤشرات داخلية وخارجية تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة المشهد السياسي والاقتصادي والأمني، وما إذا كانت السلطات تستعد لمرحلة أكثر اضطرابًا خلال الشهور المقبلة.

فزيارة الرئيس الصيني شي جينبينج إلى القاهرة يومي 1 و2 سبتمبر 2026، وهي الزيارة الأولى له إلى مصر منذ عقد، جاءت وسط تحولات إقليمية ودولية عميقة، فيما اتسعت خلال الفترة نفسها ملفات الضغط الاقتصادي والأمني، وظهرت قضايا وتسريبات أثارت جدلًا واسعًا على منصات التواصل والإعلام.

ولا يعني تزامن هذه الوقائع وجود خطة سرية أو قرب حدوث تغيير سياسي بعينه، لكن اجتماعها في توقيت واحد يدفع إلى قراءة المشهد عبر أربعة محاور رئيسية: الوضع الاقتصادي، والداخل السياسي والأمني، والتماسك داخل دوائر السلطة، وموقع مصر في الإقليم والمنظومة الدولية.

 

نشاط دبلوماسي مكثف.. ورسائل خارجية متباينة

حاولت القاهرة خلال الفترة الأخيرة تعزيز حضورها الدبلوماسي، وفي مقدمة ذلك استقبال الرئيس الصيني في زيارة استمرت يومين، وشهدت مباحثات موسعة وبيانًا مشتركًا أكد تعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. كما تناولت المباحثات قضايا اقتصادية وأمنية وإقليمية، في وقت تسعى فيه بكين إلى توسيع حضورها في الشرق الأوسط.

وفي الجانب الأوروبي، شهدت العلاقات المصرية الإيطالية تحركات دبلوماسية متواصلة، إذ التقى الرئيس عبدالفتاح السيسي في 3 سبتمبر وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء الإيطالي أنطونيو تاياني، الذي نقل إليه تحيات رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.

لكن الحركة الخارجية لا تلغي الضغوط المتزايدة على القاهرة. ففي 28 أغسطس، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءً يستهدف فروع بنك مصر في الإمارات على خلفية اتهامات أمريكية مرتبطة بتسهيل معاملات مالية لصالح إيران. وأكد البنكان المركزيان المصري والإماراتي أن الفروع المعنية تواصل أعمالها بصورة طبيعية، وأن الإجراء لا يشمل المركز الرئيسي للبنك في القاهرة.

ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مؤشرًا حساسًا على تعقيدات العلاقة المصرية الأمريكية، خصوصًا في ظل إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية على خلفية الحرب مع إيران.

 

الاقتصاد.. ضغط متواصل بلا حلول منتظرة

يبقى العامل الاقتصادي أحد أبرز محددات الاستقرار في مصر، في ظل ارتفاع أعباء الديون والالتزامات الخارجية واستمرار الضغوط على المواطنين نتيجة ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

ويرى السياسي والنائب السابق رضا فهمي، في قراءة للمشهد، أن الاقتصاد يمثل الحلقة الأكثر صعوبة أمام النظام، معتبرًا أن السياسات الحالية لا تقدم حلولًا جذرية للأزمة بقدر ما تعمل على إعادة ترحيلها إلى المستقبل.

وبحسب رؤيته، فإن قدرة السلطة على امتصاص التداعيات الاجتماعية للأزمة الاقتصادية تظل محدودة مع استمرار التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة، وهو ما يجعل الوضع الاقتصادي عنصرًا أساسيًا في تقييم مدى استقرار النظام.

 

الداخل الأمني.. اتساع نطاق القبضة

في المقابل، تتحدث روايات وشهادات معارضة وحقوقية عن اتساع الحملات الأمنية خلال الفترة الأخيرة، واستهداف معارضين ونشطاء وأفراد من عائلات معارضين، وهو ما يفسره منتقدو السلطة باعتباره انعكاسًا لتزايد القلق من الاحتقان الداخلي.

غير أن هذه الروايات تحتاج في كل حالة إلى التحقق المستقل، خصوصًا مع اختلاف الأرقام والجهات التي ترصد عمليات التوقيف والاحتجاز.

وفي الوقت نفسه، شهدت الفترة ذاتها حملات أمنية استهدفت عناصر إجرامية وشخصيات معروفة في عالم الجريمة، وهو ما فتح بدوره نقاشًا على مواقع التواصل بشأن طبيعة هذه الحملات وما إذا كانت مرتبطة فقط بمواجهة الجريمة أم تحمل أبعادًا أخرى.

 

«قاع الهامور».. غضب يتحول إلى سخرية سياسية

ومن اللافت خلال أغسطس الماضي صعود ظاهرة «قاع الهامور» على مواقع التواصل، بعد انتشار مجموعة تحمل الاسم وتحولها إلى موضوع واسع التداول.

وتضمنت الظاهرة شكاوى ومواقف يومية قُدمت في قالب ساخر وكوميدي، لكنها سرعان ما اكتسبت أبعادًا تتجاوز الترفيه، مع استخدامها للتعبير غير المباشر عن ضغوط اجتماعية ومادية وسياسية. وقد تجاوز انتشار الموضوع المليون متابع وفق تغطيات صحفية مصرية، قبل أن يعلن مسئولو المجموعة تعليق نشاطها مؤقتًا في 23 أغسطس، على أن تستأنف لاحقًا.

وتكشف ظاهرة من هذا النوع عن أهمية السخرية الرقمية كوسيلة للتعبير في البيئات التي تضيق فيها مساحات النقاش السياسي المباشر، من دون أن يعني انتشارها تلقائيًا وجود حركة سياسية منظمة.

 

تسريبات طالت دوائر داخل السلطة

الأكثر حساسية في المشهد هو ما يثار من وقت إلى آخر بشأن تسريبات تمس شخصيات ودوائر محسوبة على السلطة نفسها.

وتتداول منصات معارضة مزاعم عن قضايا فساد وخلافات داخلية مرتبطة بشخصيات مقربة من الرئيس، إلى جانب تسريبات تتعلق بوزارة النقل وقياداتها.

لكن الجزء الأكبر من هذه المزاعم لا يستند، حتى الآن، إلى أدلة علنية مستقلة تسمح بتحويلها إلى حقائق صحفية مؤكدة، ولذلك تظل في إطار التسريبات والادعاءات المتداولة إلى حين نشر وثائق قابلة للتحقق أو صدور نتائج تحقيقات رسمية.

وتزداد حساسية هذه الروايات لأنها تتحدث، للمرة الأولى بصورة أكثر مباشرة، عن خلافات محتملة داخل دوائر يفترض أنها جزء من البنية الصلبة للنظام.

 

وفيات مفاجئة.. الشائعات أسرع من المعلومات

كما أثارت بعض حالات الوفاة المفاجئة لشخصيات مرتبطة بمؤسسات الدولة تساؤلات على مواقع التواصل، وترافقت مع شائعات عن عدم طبيعية بعض الوفيات.

لكن غياب معلومات رسمية أو أدلة مستقلة يتيح التحقق من هذه المزاعم يجعل من غير المسئول التعامل معها باعتبارها عمليات تصفية مؤكدة.

وتكشف هذه الحالة، في المقابل، عن بيئة سياسية اتسعت فيها مساحة الشائعات، بحيث يمكن لأي حادث غامض أو غير موضح بالكامل أن يتحول سريعًا إلى مادة سياسية قابلة للتأويل.

 

الإعلام الرسمي.. من الهجوم إلى الدفاع؟

يرى منتقدون للسلطة أن الخطاب الحكومي والإعلامي شهد في بعض الملفات انتقالًا من الهجوم المباشر على المعارضة إلى الدفاع عن سياسات وقرارات حكومية، خصوصًا في القضايا الاقتصادية والأمنية.

ومن الأمثلة التي أثارت جدلًا واسعًا قضية ما أثير حول قناة السويس، في ظل نفي حكومي لما تردد بشأن طرحها للبيع، إلى جانب استمرار إنتاج أعمال درامية ذات طابع سياسي تتناول شخصيات من جماعة الإخوان المسلمين.

وفي هذا السياق، تحدثت تقارير صحفية مطلع سبتمبر عن استعداد المخرج محمد سامي لتقديم مسلسل يتناول سيرة خيرت الشاطر في رمضان 2027، وهو ما أعاد النقاش حول استمرار حضور الصراع السياسي منذ 2013 داخل الدراما المصرية.

 

أربعة محددات لقياس مستقبل النظام

يرى رضا فهمي أن قراءة مستقبل النظام المصري لا يمكن فصلها عن أربعة محددات مترابطة.

أولها الاقتصاد، حيث تبقى أزمة الديون وارتفاع كلفة المعيشة عامل ضغط مستمر.

وثانيها المجتمع، مع تنامي مظاهر الغضب والاحتجاج الرقمي والشكوى من الأوضاع المعيشية.

وثالثها الاستقرار الداخلي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الأجهزة الأمنية على احتواء أي تحرك احتجاجي، وهو ما يراه منتقدون حلًا مؤقتًا لا يعالج أسباب الاحتقان.

أما المحدد الرابع فهو العلاقات الإقليمية والدولية، خصوصًا في ظل إعادة رسم التحالفات بالمنطقة، وتنافس القوى الكبرى على النفوذ، والتطورات المرتبطة بإيران وتركيا والسعودية والإمارات وإثيوبيا.

 

القاهرة بين محاور متنافسة

ويضع التحول في موازين القوى الإقليمية القاهرة أمام حسابات شديدة التعقيد.

فمصر ترتبط اقتصاديًا وسياسيًا بعلاقات وثيقة مع دول الخليج، وفي الوقت نفسه تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بينما تسعى خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع علاقاتها مع الصين وروسيا وقوى أخرى.

وتأتي زيارة شي جينبينج في هذا الإطار، إذ وصفها محللون بأنها تعكس رغبة مصر في تنويع شراكاتها وعدم الارتهان لمسار دولي واحد، خصوصًا في ظل تزايد الأسئلة حول مستقبل الدور الأمريكي في المنطقة.

لكن توسيع هامش المناورة لا يعني بالضرورة سهولة الاختيار؛ إذ تظل القاهرة مضطرة إلى موازنة مصالح متعارضة بين شركاء اقتصاديين وسياسيين وأمنيين متعددين.

هل هناك «شيء ما» يحدث خلف الأبواب؟

تراكم هذه المؤشرات لا يكفي وحده للقول إن تغييرًا سياسيًا وشيكًا يلوح في مصر، كما لا توجد أدلة علنية حاسمة تثبت وجود صراع داخلي يصل إلى مرحلة تهديد استقرار النظام.

لكن المؤكد أن مصر تدخل مرحلة شديدة التعقيد: ضغوط اقتصادية، وتوترات إقليمية، وأسئلة حول مستقبل العلاقة مع واشنطن، وحضور متزايد للصين، وتوسع في استخدام الأدوات الأمنية، وفضاء رقمي بات قادرًا على تحويل السخرية والشكاوى اليومية إلى ظواهر عامة.

لذلك قد لا يكون السؤال الأهم هو: هل يواجه النظام خطرًا وشيكًا؟ وإنما: هل تستطيع السلطة الاستمرار في إدارة هذه الضغوط بالأدوات نفسها، أم أن تراكم الأزمات سيجبرها على تغيير طريقة إدارة الداخل والخارج؟

حتى الآن، تبدو الإجابة مفتوحة، لكن اتساع عدد الملفات المتزامنة يجعل الأشهر المقبلة أكثر أهمية في تحديد اتجاه المشهد المصري.