في صباح أحد الأيام، يقف الحاج متولي، 64 عامًا، أمام باب إحدى الصيدليات الكبرى في الإسكندرية، ممسكًا بروشتة طبية مجعدة كُتبت بخط يصعب قراءته. يحدق في وجه الصيدلي الشاب، منتظرًا إجابة يعرفها مسبقًا، بعدما سمعها عشرات المرات خلال الأسابيع الماضية:
غير متوفر يا حاج.. ولا حتى البديل
لم تكن تلك المرة الأولى التي يعود فيها الرجل المتقاعد خالي الوفاض. فالبحث عن جرعة من دواء «إل-تروكسين» لعلاج الغدة الدرقية، أو حقنة إنسولين لزوجته، تحول إلى رحلة أسبوعية شاقة، تستنزف وقته وصحته ومعاشه الذي لم يعد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة.
قصة متولي لا تبدو استثنائية في ظل شكاوى متزايدة من صعوبة الحصول على أصناف دوائية، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للأسر المصرية.
وهكذا يجد المريض نفسه أمام معادلة شديدة القسوة: دواء قد يكون متاحًا بسعر مرتفع، لكنه غير موجود في الصيدليات، ودواء آخر متوافر بسعر يفوق قدرة الأسرة، بينما تصبح البدائل نفسها أحيانًا جزءًا من المشكلة.
أزمة تتجاوز الأدوية النادرة
لم تعد أزمة النواقص، وفق الشكاوى والتقارير التي ترصد سوق الدواء، محصورة في أدوية الأمراض المزمنة أو المستحضرات المستوردة والمعقدة، وإنما امتدت إلى أصناف أكثر استخدامًا في الحياة اليومية.
وتشمل الشكاوى أدوية للضغط والسكر، وأدوية الجهاز التنفسي والهضمي، والمسكنات، وبعض المضادات الحيوية والمحاليل، إلى جانب أصناف تستخدم في علاج الأورام وأمراض الدم والمناعة والهرمونات والأمراض العصبية والنفسية، فضلًا عن بعض المستحضرات المرتبطة بعمليات زراعة الأعضاء.
وبحسب تقرير صادر عن «المركز المصري للحق في الدواء»، بدأت شكاوى المواطنين والصيادلة بشأن نقص عدد من الأصناف في الظهور منذ يوليو، قبل أن تمتد إلى أدوية تستخدم في علاج أمراض أكثر خطورة.
وحذر المركز من أن استمرار نقص الأصناف الدوائية يمكن أن يفاقم الضغوط على المرضى، خصوصًا أولئك الذين يحتاجون إلى علاج منتظم لا يمكن إيقافه أو استبداله دون إشراف طبي.
ولا تقف المشكلة عند الصيدليات الخاصة، إذ يشير التقرير إلى امتداد بعض الاختناقات إلى منظومة التوريد للمستشفيات الحكومية، في ظل تساؤلات حول الالتزامات المالية المستحقة للشركات الموردة وأوضاع منظومة الشراء الموحد.
الصيدلي بين غضب المريض ونقص التوريد
في الصيدليات الصغيرة، تبدو الأزمة أكثر وضوحًا.
يقول صيدلي يمتلك صيدلية في شرق الإسكندرية "إن الصيدليات أصبحت «بين المطرقة والسندان»، موضحًا أن المواطن غالبًا ما يحمّل الصيدلي مسؤولية اختفاء الدواء أو ارتفاع سعره، بينما تعاني الصيدليات نفسها من نقص الكميات التي تحصل عليها من الشركات والموزعين".
ويضيف أن بعض الموزعين يشترطون شراء أصناف أخرى للحصول على كميات محدودة من الأدوية التي تشهد طلبًا مرتفعًا، فيما ارتفعت أسعار بعض الأصناف بنسب كبيرة خلال العامين الأخيرين.
ويقول الصيدلي: "إن المشكلة لا تتوقف عند السعر، لأن المواطن قد يكون مستعدًا لدفع السعر الجديد، لكنه لا يجد الدواء أصلًا، الأمر الذي يحول الصيدلية إلى ساحة يومية لمواجهة غضب المرضى وأسرهم".
وتزداد صعوبة المشهد عندما يتعلق الأمر بأدوية الأمراض المزمنة، التي لا يستطيع المريض تأجيل الحصول عليها أو الاستغناء عنها بسهولة.
العلاج أم الطعام؟
في الجيزة، تختصر معاناة الأسر محدودة الدخل جانبًا آخر من الأزمة.
تقول أمل عبد المجيد، وهي ربة منزل وأم لثلاثة أطفال، "إن مرض أحد أبنائها أصبح يعني إعادة ترتيب ميزانية الأسرة بالكامل".
وتروي أنها اضطرت في إحدى المرات إلى شراء بديل لدواء خاص بمشكلة تنفسية لدى ابنها بسعر يقارب ضعف السعر الرسمي، بعدما فشلت في العثور عليه في الصيدليات.
وتقول: "إن الأسرة أصبحت أمام سؤال صعب كلما احتاج أحد أفرادها إلى علاج: هل تنفق ما لديها على الدواء، أم تحتفظ بالمال لتوفير الطعام والاحتياجات الأساسية خلال الأيام التالية؟".
وتعكس هذه الشهادة جانبًا من أزمة أكبر، إذ لا يكفي ارتفاع السعر وحده لتفسير معاناة المرضى، بل تتداخل معه مشكلة توافر الدواء، وتكاليف الانتقال بحثًا عنه، وأحيانًا اللجوء إلى قنوات بيع غير رسمية.
ديون واختناقات في منظومة التوريد
وتتداخل أزمة النواقص مع أزمة مالية داخل منظومة الرعاية الصحية، في ظل تراكم التزامات مالية على جهات حكومية مسؤولة عن شراء وتوريد الأدوية للمستشفيات والتأمين الصحي.
وتشير تقارير محلية إلى أن تأخر بعض المستحقات المالية يمكن أن ينعكس على انتظام عمليات التوريد، خصوصًا عندما تكون الشركات مطالبة بتغطية تكاليف الإنتاج والاستيراد في ظل ارتفاع أسعار المدخلات.
وفي المستشفيات، قد تكون النتيجة أكثر خطورة من مجرد رحلة إضافية إلى صيدلية أخرى؛ إذ يمكن أن يؤدي نقص بعض الأصناف إلى تأجيل إجراءات علاجية أو جراحية، أو اضطرار المريض وأسرته إلى البحث عن الدواء خارج المنظومة الحكومية.
وفي محاولة للتعامل مع بعض النواقص، تعتمد الجهات الرسمية على منافذ مركزية، من بينها «صيدليات الإسعاف»، لتوفير عدد من الأدوية الحيوية والنادرة.
لكن هذا الحل يطرح مشكلة أخرى بالنسبة لمرضى المحافظات، الذين قد يضطرون إلى السفر لمسافات طويلة للوصول إلى الدواء.
ويقول محمود عمران، وهو موظف بهيئة حكومية، إن الحصول على علاج لوالده المريض دفعه إلى السفر إلى القاهرة والانتظار لساعات أمام إحدى المنافذ المركزية، قبل أن يعود بكمية أقل مما يحتاجه.
وبالنسبة له، فإن تكلفة الدواء لا تتوقف عند ثمن العبوة؛ إذ تضاف إليها نفقات السفر، وربما المبيت، فضلًا عن خسارة يوم عمل.
العملة الصعبة في قلب الأزمة
ورغم امتلاك مصر قاعدة صناعية دوائية واسعة، فإن جزءًا مهمًا من الصناعة لا يزال مرتبطًا بالاستيراد، خصوصًا فيما يتعلق بالمواد الخام والمكونات والمستلزمات الإنتاجية.
ويشير المدير التنفيذي للمركز المصري لحماية الحق في الدواء، محمود فؤاد، إلى أن نسبة كبيرة من المواد الخام المستخدمة في صناعة الدواء يتم استيرادها من الخارج، ما يجعل توفير العملة الصعبة عاملًا أساسيًا في انتظام الإنتاج.
وتزداد حساسية هذه المعادلة في ظل اعتماد الدواء على نظام تسعير تنظمه الدولة، بينما تواجه الشركات في الوقت نفسه ارتفاعًا في تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة والاستيراد.
ويرى فؤاد أن استمرار تحريك الأسعار وحده لا يمثل حلًا جذريًا للنواقص، مطالبًا بمزيد من الشفافية بشأن الأصناف غير المتوافرة، وإصدار نشرات دورية توضح الأدوية التي تعاني نقصًا والبدائل المعتمدة والمتاحة.
فالمشكلة، من وجهة نظره، لا تتعلق فقط بالسعر الذي يدفعه المريض، وإنما بوجود الدواء أصلًا في السوق.
أدوية رخيصة تختفي من خطوط الإنتاج
ويشير نقيب الصيادلة بالإسكندرية محمد أنسي إلى جانب آخر من الأزمة، يتعلق بجدوى إنتاج بعض الأدوية منخفضة السعر.
فمع ارتفاع تكلفة الكهرباء والشحن والمحروقات والمدخلات الإنتاجية، قد تجد الشركات أن تصنيع بعض الأصناف القديمة والرخيصة لم يعد يحقق عائدًا اقتصاديًا مناسبًا، ما يخلق ضغطًا لإعادة تسعيرها أو تقليص إنتاجها.
ويحذر أنسي من أن استمرار هذه المعادلة قد يؤدي إلى اختفاء بعض الأدوية منخفضة السعر، رغم كونها ضرورية لشرائح واسعة من المرضى.
كما ينتقد غياب خريطة واضحة ومعلنة للنواقص، وهو ما يجعل المريض في مواجهة مباشرة مع حالة من عدم اليقين: هل الدواء غير موجود مؤقتًا؟ وهل له بديل؟ وهل البديل متاح بالسعر نفسه؟ وهل يمكن استبداله أصلًا دون الرجوع إلى الطبيب؟
ويرى أن إعلان قوائم رسمية دورية بالأدوية الناقصة والبدائل المعتمدة، إلى جانب تشديد الرقابة على سلاسل التوزيع، يمكن أن يساعد في الحد من حالة الارتباك التي يعيشها المرضى والصيادلة.
سوق ضخم لا يمنع معاناة المريض
وتكشف أزمة الدواء عن مفارقة في السوق المصرية؛ فحجم الصناعة وتعدد المصانع وخطوط الإنتاج لا يعني بالضرورة أن كل دواء مطلوب سيكون متاحًا للمريض في الوقت والمكان المناسبين.
فقد تتوافر الطاقة الإنتاجية لصناعة الدواء، بينما تظهر الاختناقات في مرحلة المواد الخام، أو التمويل، أو التسعير، أو التوزيع، أو قدرة بعض الشركات على الاستمرار في إنتاج أصناف منخفضة السعر.
وبالتالي، فإن الحديث عن توطين الصناعة الدوائية لا يكتمل بمجرد زيادة عدد المصانع، وإنما يرتبط أيضًا بقدرتها على تأمين المواد الخام، وتوفير العملة الأجنبية، وضمان استدامة إنتاج الأدوية الحيوية، خاصة تلك التي لا تحقق هامش ربح كبير.
أزمة إنسانية قبل أن تكون اقتصادية
وراء كل رقم في قوائم النواقص مريض ينتظر جرعته.
وراء كل زيادة في سعر دواء أسرة تعيد ترتيب أولوياتها، وربما تؤجل شراء احتياجات أخرى لتوفير ثمن العلاج.
أما المريض الذي لا يجد الدواء أصلًا، فتتحول مشكلته من أزمة مالية إلى أزمة بحث يومي، تبدأ من صيدلية وتنتهي أحيانًا في محافظة أخرى أو عبر سوق غير رسمية لا تخلو من مخاطر.
لهذا، فإن أزمة الدواء في مصر لا تبدو مجرد مشكلة مؤقتة في بعض الأصناف، بل اختبارًا لقدرة المنظومة الصحية على ضمان حق أساسي للمرضى: الحصول على العلاج في الوقت المناسب وبسعر يمكن تحمله.
وبينما تواجه شركات الدواء ضغوط التكلفة والاستيراد، وتواجه الحكومة تحديات التمويل والتسعير، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؛ فهو الذي يدفع ثمن الدواء عندما يرتفع سعره، ويدفع ثمن البحث عنه عندما يختفي، وقد يدفع ثمن التأخر في الحصول عليه عندما يكون العلاج مرتبطًا بحياة مريض أو استقرار حالة مزمنة.