“جلابية بلا جُيُوب”.. محمود محيي الدين يختصر أزمة اقتصاد مصر بين الجِباية والاقتراض

- ‎فيتقارير

وزير الاستثمار الأسبق ينتقد اعتماد الحكومة على جيوب المواطنين لتمويل مشروعاتها.. وأسئلة حول مزاحمة الدولة للقطاع الخاص وغياب الموارد الإنتاجية المستدامة

بتشبيه ساخر يلخص جانبًا من الجدل الدائر حول السياسات الاقتصادية في مصر، شبّه الخبير الاقتصادي ووزير الاستثمار الأسبق محمود محيي الدين الحكومة برجل يرتدي جلبابًا بلا جيوب، وكلما أراد تنفيذ مشروع مد يده في جيوب الآخرين.

ويحمل التشبيه، المنقول عن محيي الدين، دلالة تتجاوز السخرية اللفظية؛ إذ يسلط الضوء على إشكالية تمويل الإنفاق الحكومي، ومدى اعتماد الدولة على تحصيل الأموال من المواطنين والشركات أو اللجوء إلى الاقتراض، بدلًا من بناء موارد مستدامة قائمة على زيادة الإنتاج والاستثمار وتحسين كفاءة إدارة الأصول العامة.

ومحيي الدين، الذي تولى وزارة الاستثمار وشغل منصب نائب رئيس البنك الدولي، يفتح بهذا التشبيه بابًا للنقاش حول نموذج إدارة الاقتصاد المصري، وحدود قدرة الموازنة العامة على تمويل المشروعات والالتزامات المتزايدة من دون تحميل المجتمع مزيدًا من الأعباء.

الضرائب والرسوم.. المواطن في مواجهة فاتورة الإنفاق

تتمثل إحدى أبرز الإشكاليات التي يثيرها هذا التشبيه في اعتماد الموازنة العامة على الإيرادات الضريبية، إلى جانب الاقتراض ومصادر التمويل الأخرى، لتغطية النفقات الحكومية وخدمة الدين وتمويل المشروعات.

وتنعكس السياسات الضريبية والرسوم، بحسب طبيعتها وكيفية تطبيقها، على تكلفة النشاط الاقتصادي وأسعار السلع والخدمات، وقد تنتقل أعباؤها في نهاية المطاف إلى المستهلك، خصوصًا عندما تجد الشركات نفسها مضطرة إلى تمرير جانب من تكاليفها الإضافية إلى المشترين.

وفي ظل الضغوط المعيشية التي تواجه قطاعات من المواطنين، يصبح السؤال المطروح هو: إلى أي مدى تستطيع الحكومة مواصلة زيادة مواردها من الضرائب والرسوم من دون الإضرار بالقدرة الشرائية للأسر أو إضعاف فرص توسع الشركات وخلق وظائف جديدة؟

ولا تتوقف المسألة عند حجم الإيرادات التي تجمعها الدولة، بل تمتد إلى كيفية إنفاقها، ومدى قدرة المشروعات العامة على تحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية مستدامة، وتوفير موارد تساعد على تخفيف الضغوط عن الموازنة بدلًا من إضافة التزامات جديدة إليها.

الدولة والقطاع الخاص.. منافسة أم شراكة؟

جانب آخر من الأزمة يتعلق بدور الدولة في النشاط الاقتصادي، وحدود تدخلها في القطاعات التي يستطيع القطاع الخاص الاستثمار فيها وتوسيع الإنتاج والتشغيل.

ويرى منتقدون للسياسات الاقتصادية أن اتساع حضور الشركات والجهات السيادية التابعة  في قطاعات متعددة قد يضعف قدرة الشركات الخاصة على المنافسة، خصوصًا عندما تختلف شروط التمويل أو الحصول على الأراضي والتراخيص أو فرص التعاقدات الحكومية بين الأطراف المتنافسة.

وفي هذا السياق، لا يقتصر التحدي على تشجيع المستثمرين على ضخ أموال جديدة، بل يشمل توفير بيئة تنافسية مستقرة وواضحة، والحد من التعقيدات الإدارية، وضمان تكافؤ الفرص، بما يسمح للشركات بتوسيع أعمالها وزيادة الإنتاج والتصدير.

كما أن جذب الاستثمار لا يتحقق بمجرد الإعلان عن مشروعات ضخمة أو توقيع اتفاقيات، وإنما يرتبط بقدرة الاقتصاد على تحويل الاستثمارات إلى طاقات إنتاجية وفرص عمل وقيمة مضافة محلية، فضلًا عن وجود قواعد مستقرة تحمي المنافسة وتحد من المخاطر أمام المستثمرين.

الاقتراض لا يعوض غياب الموارد المستدامة

تكتسب مسألة الاقتراض أهمية خاصة في ظل ما تفرضه أعباء الدين من التزامات على الموازنة العامة، فكلما ارتفعت مدفوعات خدمة الدين، تقلصت المساحة المتاحة أمام الحكومة لتوجيه الموارد إلى قطاعات أخرى، ما لم تتزامن زيادة الالتزامات مع نمو الإيرادات والقدرة الإنتاجية للاقتصاد.

ولا يعني ذلك أن الاقتراض أو الإنفاق الحكومي على المشروعات يمثلان مشكلة في حد ذاتهما؛ فالأثر الاقتصادي يتوقف على شروط التمويل، وطبيعة المشروعات، والعائد المتوقع منها، وقدرتها على توليد موارد وفرص عمل أو تحسين الخدمات العامة.

لكن الاعتماد المتزايد على الاقتراض لتمويل الإنفاق، من دون تحقيق عائد اقتصادي يتناسب مع تكلفته، قد ينقل جانبًا من الأعباء إلى الموازنات المقبلة، ويحد من قدرة الحكومات اللاحقة على توجيه الإنفاق وفقًا للأولويات الاجتماعية والتنموية.

ومن هنا، يصبح تقييم المشروعات الحكومية مرتبطًا بجدواها الاقتصادية، وليس بحجم الإنفاق عليها أو ما تحققه من حضور إعلامي، مع ضرورة الإفصاح عن تكلفتها ومصادر تمويلها وعوائدها المتوقعة.

من اقتصاد الجباية إلى اقتصاد الإنتاج

جوهر القضية التي يلخصها تشبيه «الجلابية بلا جيوب» هو الفارق بين حكومة تبحث باستمرار عن مصادر جديدة لتحصيل الأموال، وحكومة تعمل على توسيع القاعدة الإنتاجية التي تمول من خلالها الإنفاق العام بصورة مستدامة.

فالضرائب تمثل موردًا أساسيًا للدولة، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة اختلالات الاقتصاد إذا لم تترافق مع نمو النشاط الإنتاجي، وتحسن كفاءة الإنفاق، وتوسيع فرص العمل، وزيادة الصادرات، وتعزيز قدرة الشركات على الاستثمار والتوسع.

كما أن زيادة الإيرادات لا تعني بالضرورة تحسن الأوضاع المعيشية إذا ارتفعت في الوقت نفسه تكاليف المعيشة، أو تراجعت القوة الشرائية للدخل، أو لم تنعكس الموارد الإضافية على جودة الخدمات وفرص العمل.

ويظل التحدي أمام الحكومة هو تحقيق التوازن بين تمويل احتياجات الدولة وعدم تحميل المواطنين والقطاع الخاص أعباء تتجاوز قدرتهم، مع مراجعة أولويات الإنفاق وتقييم العائد من المشروعات، وتوفير بيئة تسمح للإنتاج والاستثمار الخاص بأداء دور أكبر في النمو.

وفي النهاية، يختصر تشبيه محيي الدين سؤالًا اقتصاديًا جوهريًا: هل تستطيع حكومة الانقلاب بناء موارد جديدة من خلال الإنتاج والاستثمار والنمو، أم ستظل تلجأ إلى جيوب المواطنين والشركات كلما احتاجت إلى تمويل مشروع جديد؟ والإجابة لا تتوقف على حجم ما تجمعه الدولة من أموال، بل على قدرتها على تحويل الإنفاق إلى إنتاج ودخل وفرص عمل، بما يقلل الحاجة إلى الاستدانة ويخفف الأعباء عن المجتمع.