توفيت الحاجة خيرية محمد عمر موسى، والدة المعتقلين الأردنيين إبراهيم وحذيفة جبر، بعد تدهور حالتها الصحية وبقائها في المستشفى لأكثر من 10 أيام، دون أن يتمكن نجلاها من زيارتها وإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليها، رغم المناشدات التي أطلقتها أسرتهما وهيئة الدفاع، والوساطات السياسية والعشائرية التي سعت إلى الحصول على إذن استثنائي يسمح لهما برؤيتها قبل وفاتها.
ويقول محامو المعتقلين: "إن الجهات الأمنية رفضت طلبات الزيارة المتكررة، رغم خطورة الحالة الصحية للأم، لتنتهي محاولات الأسرة بوفاتها دون أن تلتقي بابنيها المحتجزين".
وأعربت هيئة الدفاع عن معتقلي دعم المقاومة في الأردن عن أسفها واستهجانها لما وصفته برفض جميع الطلبات المقدمة لتمكين إبراهيم وحذيفة جبر من زيارة والدتهما في المستشفى، معتبرة أن القرار ضاعف المعاناة الإنسانية التي تعيشها الأسرة، وحرم المعتقلين من حق إنساني في وداع والدتهما خلال مرضها الأخير.
وأشارت الهيئة إلى أن المطالبات لم تقتصر على الإجراءات القانونية، بل شملت وساطات سياسية وعشائرية حاولت إقناع الجهات المعنية بالسماح بالزيارة، دون أن تسفر عن نتيجة.
وبحسب ما نشرته المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا @AohrUk_ar، فإن إبراهيم وحذيفة جبر محكومان بالسجن لمدة عشرين عاماً على خلفية اتهامات مرتبطة بدعم المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، وقالت المنظمة: "إن والدتهما توفيت بعد حرمانهما من زيارتها رغم تدهور وضعها الصحي، ناقلةً عن هيئة الدفاع أن جميع الطلبات المقدمة لتمكينهما من رؤيتها قوبلت بالرفض".
غضب أردني وعشائري من حرمان المعتقلين
وأثارت وفاة الحاجة خيرية جبر دون أن يتمكن نجلاها من رؤيتها موجة من التعليقات الغاضبة والمتضامنة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر ناشطون أن منع الزيارة في ظرف صحي حرج يتجاوز الخلاف السياسي والقضائي إلى مسألة إنسانية تمس حق الأم في لقاء ابنيها وحقهما في وداعها، وتركزت الانتقادات على أن الوساطات العشائرية والسياسية، التي يُفترض أن تسهم في معالجة الحالات الاستثنائية، لم تنجح في تغيير القرار المنسوب إلى الجهات الأمنية.
وكتب خالد وليد الجهني @KhaledEljuhani، في منشور بتاريخ 8 أكتوبر، معزياً بوفاة والدة المعتقلين، ومستنكراً أن تنتهي مناشدات الأسرة دون تمكين الابنين من رؤيتها، وقال: "إن الجميع ناشدوا السماح لهما بزيارة والدتهما حين كانت تصارع الموت، لكن الأسرة وجدت نفسها في مواجهة إجراءات حالت دون حصولها على هذا الحق، وربط الجهني بين الواقعة ومسألة العدالة والمساءلة، مستخدماً لغة دينية للتعبير عن غضبه من حرمان المعتقلين من وداع والدتهما".
https://x.com/KhaledEljuhani/status/2108227382330994706
وفي المقابل، ظهرت أصوات أردنية رافضة لتقديم المعتقلين بوصفهما ضحيتين سياسيتين بسبب ارتباط القضية، وفق الاتهامات المتداولة، بدعم المقاومة الفلسطينية.
وكتبت خديجة الدعجة @kadooj_25 واضع صورة الملك حسين على بروفايل "إكس" أن وفاة والدة المحكومين لا ينبغي، في رأيها، أن تتحول إلى مناسبة لتبرير أفعالهما أو تقديمهما باعتبارهما معتقلين بسبب دعم غزة وحده، مشيرة إلى خطورة الاتهامات المرتبطة بالقضية، كما وجهت انتقادات إلى نواب وشخصيات سياسية تتضامن مع المعتقلين، معتبرة أن التضامن الإنساني لا ينبغي أن يلغي مناقشة الاتهامات الجنائية المنسوبة إليهما.
https://x.com/kadooj_25/status/2108580776933470262
ويعكس التباين في ردود الفعل انقساماً في تقييم القضية بين من يركزون على حق المعتقلين في الزيارة الإنسانية، بصرف النظر عن طبيعة الاتهامات أو الأحكام الصادرة بحقهم، ومن يرون أن التضامن مع الأسرة لا ينبغي أن يتحول إلى حكم مسبق ببراءة المحكومين أو تجاهل خطورة الأفعال المنسوبة إليهما لاسيما وأن الأردن لم يكن بهذه القسوة من قبل.
وفي السياق العشائري والاجتماعي الأردني، اكتسبت الواقعة حساسية إضافية بسبب ما أوردته هيئة الدفاع بشأن تدخل وساطات من شخصيات سياسية وعشائرية، دون التوصل إلى السماح بالزيارة، ويطرح ذلك تساؤلات بشأن آليات التعامل مع الحالات الإنسانية للمعتقلين، ومدى وجود إجراءات واضحة تتيح الزيارات الاستثنائية عند تدهور الحالة الصحية لأحد أفراد الأسرة، بما يمنع ترك مثل هذه القرارات لتقديرات أمنية لا تُعلن أسبابها للرأي العام.
وتفتح الواقعة نقاشاً حقوقياً حول حدود سلطة الجهات الأمنية في تقييد التواصل الأسري للمحتجزين، خصوصاً في الحالات الإنسانية الاستثنائية المرتبطة بالمرض الشديد أو الاحتضار أو الوفاة الوشيكة لأحد الوالدين.
وبحسب حقوقيين، فحتى مع وجود أحكام قضائية بحق المعتقلين، تظل مسألة السماح بالزيارة الإنسانية مرتبطة بمقتضيات المعاملة الإنسانية والضمانات القانونية، ولا ينبغي أن تتحول العقوبة إلى حرمان إضافي للأسرة من وداع أحد أفرادها، وتبقى مسؤولية تحديد الأساس القانوني لرفض الطلبات وظروف اتخاذ القرار بحاجة إلى توضيح رسمي، في ظل ما نقلته هيئة الدفاع عن محاولاتها المتكررة والوساطات التي سبقت الوفاة.
من عمّان إلى القاهرة
ولا تقف مأساة إبراهيم وحذيفة جبر عند حدود الأردن، إذ أعادت الواقعة إلى الواجهة حالات مصرية سابقة وثّقها محامون وناشطون، تتعلق بوفاة آباء وأمهات معتقلين سياسيين دون تمكين أبنائهم من وداعهم أو المشاركة في تشييعهم، ويقول حقوقيون: "إن تكرار هذه الحالات يكشف جانباً من الأعباء التي تتحملها أسر المحتجزين، حين تتداخل إجراءات الاحتجاز مع أكثر اللحظات الإنسانية حساسية، مثل المرض الأخير والوفاة والعزاء".
وفي 31 مايو 2026، نشر حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats خبر وفاة المحامي سمير بدوي شبانة، والد ثلاثة معتقلين هم المهندس عبدالله سمير بدوي، والأستاذ أحمد سمير بدوي، المحتجزان في مركز شرطة ديرب نجم، والأستاذ عمر سمير بدوي، المحتجز في سجن دمنهور الأبعادية.
وأعادت الواقعة تسليط الضوء على معاناة أسر المعتقلين الذين يواجهون الوفاة والفقد بينما يظل أبناؤهم خلف القضبان، وسط تساؤلات عن مدى تمكين المحتجزين من حقوقهم الإنسانية في مثل هذه الظروف.
وفي حالة أخرى، أشار المحامي نبيه الجنادي، وفق ما نقلته منشورات حقوقية في مايو 2026، إلى وفاة أشرف السيد عبد الصمد، والد الشاب شهاب المعتقل على ذمة قضية مرتبطة بدعم فلسطين منذ عام 2024، إثر أزمة قلبية تعرض لها أثناء زيارة نجله في محبسه، ليفارق الحياة عقب الزيارة مباشرة، وأفادت المعلومات المتداولة بأن هيئة الدفاع تقدمت بطلب إلى نيابة أمن الدولة للسماح لشهاب بالخروج من محبسه لتلقي العزاء في والده، في واقعة أثارت تساؤلات بشأن ظروف الزيارة والعبء النفسي الواقع على الأسر.
وفي 4 أكتوبر، اعتقل سلطات السيسي مهند مطر، شقيق الإعلامي معتز مطر، للمرة الثانية، في حيت يواصل شقيقه معاذ الاحتجاز منذ سنوات، بعد وفاة والدتهما دون أن يتمكن من وداعها، وشمل الحرمان أفراد الأسرة الثلاثة المعتقلين وشقيقهم المطارد ففي 19 مايو الماضي حرمت الأسرة من حضوره في لحظة الوفاة والدفن والعزاء.
وتبرز هذه الحالات أهمية وجود آليات قانونية واضحة تسمح للمحتجزين بالمشاركة في المناسبات العائلية الاستثنائية، مع اتخاذ الترتيبات الأمنية اللازمة دون إفراغ الحق الإنساني من مضمونه.
وتشمل الوقائع المنشورة أيضاً وفاة والدة الطبيب أحمد عبد العزيز محمد أحمد القزاز، المعتقل من الزقازيق، بعد نحو شهر من المعاناة إثر حادث تعرضت له أثناء عودتها من زيارته في سجن أبو زعبل، وفق ما أعلنه المحامي السيد خلف.
وتكشف هذه الوقائع، على اختلاف ظروفها وتفاصيلها، عن ضرورة التمييز بين المسؤولية الجنائية التي تحددها المحاكم في القضايا المنظورة، وبين الحقوق الإنسانية التي ينبغي أن يتمتع بها المحتجزون وأسرهم، فوجود حكم بالسجن لا يلغي، في حد ذاته، أهمية ضمان الزيارة والتواصل الأسري والتعامل الإنساني مع الحالات المرضية والوفاة، فيما تستدعي الادعاءات المتعلقة بمنع الزيارات أو التسبب في أضرار صحية تحقيقاً مستقلاً يحدد المسؤوليات والملابسات.
تشابه الممارسات يثير أسئلة
وتطرح واقعة المعتقلين الأردنيين، إلى جانب الحالات المصرية التي أعاد ناشطون تداولها، سؤالاً أوسع عن مدى رسوخ ضمانات الزيارة الإنسانية للمحتجزين في المنطقة، وعن احتمال تحوّل القيود الأمنية من تدابير مرتبطة بظروف الاحتجاز إلى وسيلة عقاب إضافية تمتد آثارها إلى الآباء والأمهات والأبناء.
فحرمان المعتقل من رؤية والدته في أيامها الأخيرة لا يمس حياته الشخصية وحدها، بل يترك أثراً دائماً في أسرته، خصوصاً حين تأتي الوفاة بعد سلسلة من المناشدات التي لم تُستجب.
ويكتسب هذا التشابه أهمية خاصة عندما تتكرر الوقائع في دول مختلفة، وفي قضايا تتباين من حيث طبيعتها القانونية والسياسية، بينما تتقاطع في النتيجة الإنسانية المتمثلة في غياب المعتقل عن لحظات الوداع الأخيرة، ويستخدم بعض الناشطين تعبير «السنّة السيئة» لوصف ما يرونه نمطاً من الممارسات التي يمكن أن تنتقل أو تتكرر بين أنظمة تتعامل مع ملفات المعارضة والاحتجاز من منظور أمني، بما يجعل حرمان الأسر من التواصل الاستثنائي جزءاً من أزمة حقوقية أوسع، وليس مجرد واقعة فردية معزولة.
أما في مصر، فإن تكرار نشر روايات مشابهة من أسر المعتقلين ومحاميهم يطرح الحاجة إلى ضمانات أكثر وضوحاً بشأن الزيارات الاستثنائية، والإفراج المؤقت لأسباب إنسانية عند توافر شروطه القانونية، وتمكين المحتجزين من تلقي أخبار ذويهم والتواصل معهم في الظروف الطارئة، كما يستدعي ذلك توثيق الحالات والتحقق من تفاصيلها، وعدم الاكتفاء بالتداول على منصات التواصل، بما يتيح تحديد المسؤوليات ومساءلة الجهات التي يثبت تجاوزها للقانون.
وتبقى المطالبة بالحق في الوداع الأخير قضية تتجاوز الخلافات السياسية والمواقف من المقاومة أو المعارضة، لأنها تتعلق بكرامة الإنسان داخل الاحتجاز وخارجه، وبحدود السلطة التي ينبغي ألا تحجب الاعتبارات الأمنية من خلالها أبسط أشكال التواصل الأسري.