تراجع التضخم لا يعني انخفاض الأسعار.. خبراء يحذرون من تآكل الأجور الحقيقية ومخاطر التحول إلى الدعم النقدي دون ضمانات

- ‎فيتقارير

لم يعد تراجع معدلات التضخم كافيا لإنهاء أزمة غلاء المعيشة التي تضغط على الأسر المصرية، بعدما أدت موجات الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء والطاقة إلى زيادة تكلفة الاحتياجات الأساسية وتآكل القوة الشرائية للدخول، في وقت لا تزال فيه حكومة الانقلاب تبحث عن آليات لتغيير منظومة الدعم، وسط مخاوف من أن يؤدي التحول من الدعم العيني إلى النقدي إلى نقل جانب من مخاطر ارتفاع الأسعار إلى المواطنين.

وحذر تحليل لصندوق النقد الدولي، ضمن المواد المرتبطة بتقرير "آفاق الاقتصاد العالمي"، من أن أزمات تكلفة المعيشة تترك آثارا ممتدة تتجاوز فترة الارتفاع الأولي للأسعار، إذ تستمر أسعار الضروريات في الضغط على الأسر، وتتأثر الأجور الحقيقية وتوقعات التضخم حتى بعد تباطؤ معدلات الزيادة السعرية. وأشار التحليل إلى أن الأسر منخفضة الدخل تتحمل العبء الأكبر، لأن الغذاء والطاقة والاحتياجات الأساسية تستحوذ على نسبة كبيرة من إنفاقها.  

وقدر التحليل أن نحو 23 مليون شخص إضافي حول العالم وقعوا في الفقر المدقع خلال الفترة من 2021 إلى 2024، مقارنة بما كانت ستظهره التقديرات التقليدية. وهذا الرقم تقدير عالمي،  لكنه يعكس اتساع الأثر الاجتماعي لأزمات الغذاء والطاقة، خصوصا في البلدان التي تتعرض فيها دخول الأسر لضغوط متزايدة.

 

انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار

تتمثل إحدى أبرز مشكلات التضخم في الفارق بين تباطؤ الزيادة السعرية وعودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة. فعندما يرتفع سعر سلعة بنسبة كبيرة، ثم يتراجع معدل التضخم، فهذا يعني أن السعر قد يواصل الارتفاع بوتيرة أبطأ، وليس بالضرورة أن ينخفض.

وقد برز هذا الفارق في مصر بعد موجات الغلاء التي تصاعدت منذ عام 2022، عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ثم امتدت آثارها إلى أسعار الغذاء والطاقة والنقل والعديد من الخدمات.

وبالتالي، فإن انخفاض معدل التضخم لا يعني تلقائيا استعادة الأسر قدرتها الشرائية السابقة؛ إذ تظل الأسعار المرتفعة عبئا على ميزانيات المواطنين ما لم تتواكب الدخول مع تكلفة المعيشة، أو تتراجع أسعار السلع الأساسية بصورة فعلية.

وتزداد حدة المشكلة لدى الأسر محدودة الدخل، التي لا تملك مساحة واسعة لتقليص إنفاقها، لأن الجزء الأكبر من ميزانياتها يذهب إلى الغذاء والسكن والطاقة والمواصلات، وهي احتياجات يصعب الاستغناء عنها حتى مع تراجع الدخل الحقيقي.

 

الأجور الحقيقية تدفع ثمن موجات الغلاء

يمتد تأثير التضخم إلى سوق العمل، عندما ترتفع أسعار السلع والخدمات بوتيرة أسرع من نمو الأجور، فتتراجع الكمية التي يستطيع العامل شراءها بدخله، حتى إذا ارتفعت قيمة راتبه الاسمية.

وفي هذا السياق، حذر الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني من أن زيادات الأجور خلال السنوات الماضية لم تواكب، بحسب تقديره، الارتفاع الكبير في الأسعار، مشيرا إلى انتقال الحد الأدنى للأجور من 1200 جنيه إلى 8000 جنيه، من دون أن تعني هذه الزيادة بالضرورة تحسنا مماثلا في مستوى المعيشة.

واستشهد الميرغني بارتفاع التضخم بنحو 40% خلال عام 2023، وزيادة أسعار الطعام والشراب بأكثر من 70%، معتبرا أن هذه الزيادات أضعفت القوة الشرائية للعمال والطبقات الكادحة.

وأضاف أن بعض أفراد الطبقة الوسطى اضطروا إلى العمل في وظيفتين أو ثلاث وظائف لتغطية احتياجاتهم الأساسية، في ظل اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف الحياة، إلى جانب تحمل الأسر رسوما متزايدة للحصول على الخدمات العامة، وأعباء العلاج والكتب والدروس الخصوصية.

وتعني هذه الضغوط أن قياس تحسن الأوضاع المعيشية لا يمكن أن يعتمد على الزيادة الاسمية في الأجور وحدها، بل يتطلب مقارنة الدخل بتكلفة سلة السلع والخدمات التي تحتاج إليها الأسرة فعليا.

 

من اللحوم إلى البقوليات.. كيف تتكيف الأسر مع الغلاء؟

لا تقتصر آثار ارتفاع الأسعار على تقليص الإنفاق أو تأجيل بعض المشتريات، بل قد تدفع الأسر إلى تغيير نوعية الغذاء ووسائل الانتقال ومستوى الاستهلاك الصحي.

وأوضح الميرغني أن بعض الأسر الفقيرة اضطرت إلى الانتقال من شراء اللحوم إلى الدواجن، ثم إلى البقوليات مع ارتفاع تكاليف الغذاء، كما اتجهت إلى المواصلات العامة بدلا من الخاصة لتقليل النفقات.

ويرى أن هذا التكيف لا يعكس بالضرورة تحسنا في كفاءة الإنفاق، بل قد يكون اضطرارا للتخلي عن احتياجات كانت الأسرة قادرة على توفيرها في السابق، بما ينعكس على مستوى التغذية والصحة.

وحذر من أن تراجع القدرة على شراء الأغذية المتنوعة قد يزيد مخاطر سوء التغذية ونقص العناصر الغذائية، مشيرا إلى ارتباط الضغوط المعيشية بمشكلات صحية مثل الأنيميا والتقزم. وتظل هذه الآثار بحاجة إلى قراءتها في ضوء البيانات الصحية والغذائية المتاحة، لكنها توضح أن تكلفة الغلاء لا تقاس بالجنيهات فقط، بل بما تضطر الأسر إلى الاستغناء عنه.

 

الدعم النقدي.. هل يحمي الفقراء من موجات الغلاء؟

في مواجهة أزمات تكلفة المعيشة، دعا صندوق النقد الدولي إلى الاعتماد على تحويلات نقدية مؤقتة وموجهة إلى الفئات الأكثر احتياجا، بدلا من بعض أشكال الدعم الواسع وضوابط الأسعار التي تستنزف موارد مالية كبيرة ولا تصل بالضرورة إلى المستحقين بالقدر نفسه.

وقدر الصندوق أن بعض أدوات الدعم العام قد تتطلب موارد مالية تزيد من ثلاثة إلى 22 مرة على تكلفة التحويلات النقدية الموجهة، لتحقيق مستوى مماثل من الحماية للفئات الأكثر تعرضا للضرر.

لكن هذه المقارنة تتعلق بالكلفة المالية وكفاءة توجيه الدعم، ولا تعني تلقائيا أن التحول إلى الدعم النقدي سيكون أفضل لكل أسرة في جميع الظروف. ففاعلية المنظومة تعتمد أيضا على دقة تحديد المستحقين، وقيمة التحويلات، وسرعة تحديثها مع تغير الأسعار، وقدرة الأسواق على توفير السلع الأساسية بأسعار تنافسية.

و يتجه النقاش في مصر إلى تحويل منظومة الدعم التمويني العيني إلى دعم نقدي، مع تداول موعد أولي لبدء التطبيق في يناير 2027. غير أن تفاصيل التنفيذ والاستحقاق وقيمة المبالغ وآليات مراجعتها تظل عناصر أساسية في تحديد ما إذا كان النظام الجديد سيحافظ على القدرة الشرائية للمستفيدين أم سيتركهم عرضة لموجات الغلاء.

وأكد مصدر باتحاد الغرف التجارية أن الحكومة لم تنته، بحسب قوله، من إعداد منظومة التحول من الدعم العيني إلى النقدي، رغم التوجه إلى بدء التطبيق في يناير المقبل. وأوضح أن آليات التنفيذ لم تكن قد حُسمت بصورة نهائية، وأن قرارا وزاريا تفصيليا لم يصدر، ما يثير تساؤلات حول جاهزية المنظومة للتطبيق خلال العام المالي 2026-2027.

وتكمن المخاوف الأساسية في أن تحديد مبلغ نقدي ثابت للمستفيدين، من دون آلية دورية لمراجعته في ضوء الأسعار، قد يؤدي إلى تراجع قيمته الحقيقية بمرور الوقت. فإذا ارتفعت تكلفة الغذاء والاحتياجات الأساسية، بينما ظلت قيمة الدعم دون تغيير، فقد تصبح المساعدة أقل قدرة على تغطية الاحتياجات التي صُممت من أجلها.

وفاء صبري: الأزمة تحتاج إلى الإنتاج والتنمية

من جانبها، قالت رئيسة حزب الدستور والخبيرة الاقتصادية الدكتورة وفاء صبري إن جزءا أساسيا من الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر يرتبط، في تقديرها، بالسياسات التي اتبعتها حكومة الانقلاب في إطار برنامجها مع صندوق النقد الدولي.

وأكدت أن معالجة الأزمة تتطلب التركيز على أساسيات الاقتصاد، وفي مقدمتها الإنتاج والتنمية، مشيرة إلى أن التضخم لا يعالج بالأدوات النقدية وحدها، وإنما يحتاج أيضا إلى سياسات مالية وإجراءات تستهدف زيادة الإنتاج وضبط الإنفاق.

وانتقدت صبري تركيز جانب كبير من الإنفاق خلال السنوات الماضية على مشروعات ترى أنها لا تحقق عائدا يتناسب مع تكلفتها، موضحة أن مشروعات البنية التحتية مهمة في حد ذاتها، لكن الأولويات تصبح محل تساؤل عندما تكون الموارد محدودة وتواجه البلاد أزمات اقتصادية متزامنة.

وأشارت إلى التوسع في مشروعات الطرق والكباري والعاصمة الإدارية، معتبرة أن حجم الإنفاق عليها كان يحتاج إلى موازنة أكثر دقة مع احتياجات الاقتصاد والقطاعات الإنتاجية.

ويضع هذا الطرح مسألة أولويات الاستثمار العام في قلب النقاش الاقتصادي: فالمشكلة لا تتعلق بمجرد الإنفاق على البنية التحتية، بل بمدى ارتباط المشروعات بخطة تنموية أوسع، وقدرتها على رفع الإنتاجية وتوليد فرص العمل وزيادة الإيرادات مستقبلا.

 

إلهامي الميرغني يحذر من تحميل الفقراء مخاطر التحول

وفي المقابل، حذر الميرغني من أن الانتقال إلى الدعم النقدي، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وضعف الرقابة على الأسواق، قد يزيد الضغوط على الفئات الفقيرة والطبقة الوسطى إذا لم تكن قيمة الدعم كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية.

وأوضح أن ثبات قيمة التحويل النقدي في مواجهة موجات الغلاء يؤدي إلى تراجع قدرته الشرائية، بما يجعل المستفيدين يتحملون تدريجيا جزءا أكبر من تكلفة الغذاء والخدمات.

وتبرز هنا أهمية وضع ضمانات قبل تطبيق أي تغيير في منظومة الدعم، تشمل تحديد المستحقين بمعايير واضحة، ومراجعة قيمة المساعدة بصورة دورية، ووضع آلية للتعامل مع الارتفاعات الحادة في أسعار الضروريات، إلى جانب توفير قنوات فعالة لتقديم التظلمات وتصحيح أخطاء الاستبعاد.

كما أن كفاءة التحويلات النقدية لا تنفصل عن سياسات السوق؛ فحتى الدعم الذي يصل إلى المستحقين في موعده قد يفقد جانبا من أثره إذا واجهت الأسواق ارتفاعات متواصلة في الأسعار أو نقصا في المعروض أو ضعف المنافسة.

 

أزمة تتجاوز مؤشر التضخم

تكشف أزمات تكلفة المعيشة أن التحدي الاقتصادي لا يتوقف عند خفض معدل التضخم، رغم أهمية ذلك، بل يمتد إلى معالجة آثار الزيادات السعرية المتراكمة على دخول الأسر ومستويات استهلاكها.

وتتقاطع التحذيرات الدولية مع انتقادات الخبراء المحليين عند نقطة أساسية: حماية الفئات الأكثر تضررا تتطلب سياسات تتجاوز المؤشرات العامة، لتشمل نمو الدخول الحقيقية، وتوفير السلع الأساسية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتوسيع القاعدة الإنتاجية.

أما التحول من الدعم العيني إلى النقدي، فلن يُقاس نجاحه بمجرد خفض التكلفة المالية على الموازنة، بل بمدى وصول الدعم إلى مستحقيه، وقدرته على الحفاظ على قوتهم الشرائية، وعدم تحول التغيير الإداري إلى عبء إضافي على الأسر التي تعاني بالفعل من الغلاء.

وفي ظل استمرار الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت السياسات الاقتصادية ستنجح في تحويل تراجع التضخم إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين، أم سيظل تباطؤ ارتفاع الأسعار متزامنا مع استمرار تراجع القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية.