أعادت تصريحات مسؤولين صهاينة بشأن سيناء فتح النقاش حول طبيعة السياسة المصرية تجاه الكيان، وحدود الخطاب الدبلوماسي الذي تتبناه القاهرة في مواجهة التهديدات المتعلقة بأمنها القومي، وبين تصريحات وزير المالية الصهيوني بتسلئيل سموتريتش، التي تحدث فيها مرتين خلال أكتوبر 2026 عن احتمال فقدان مصر سيناء إذا هاجمت الكيان، ومواقف عبد الفتاح السيسي بشأن عدم الرغبة في الحرب، وعدم اعتبار القوة الصهيونية تهديدًا لمصر، تصاعدت انتقادات سياسية مصرية رأت في هذا الخطاب قدرًا من اللين لا يتناسب مع خطورة التصريحات الصهيونية، وتطورات الحرب في قطاع غزة.
وفي هذا السياق، يلتقي مقال الكاتب الصحفي شريف أيمن مع مقال المفكر القومي محمد سيف الدولة، المعروف بانتقاداته للسياسات الصهيونية والمواقف الرسمية العربية، عند التساؤل عن أسباب استمرار القاهرة في اعتماد خطاب يؤكد تجنب المواجهة، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الصهيونية المتعلقة بسيناء، وتتواصل فيه الخلافات بشأن مستقبل القضية الفلسطينية والوجود العسكري الصهيوني على الحدود المصرية.
ومقال شريف أيمن: "من أين أتت الجرأة الصهيونية على مصر؟" ومقال محمد سيف الدولة: "لماذا كل هذا اللين في مخاطبة "إسرائيل"؟" وكأنها يردان على بعضهما في فهم طبيعة العلاقة المصرية الصهيونية منذ عام 2013، وحدود الالتزامات الأمنية المرتبطة بمعاهدة السلام، وموقف القاهرة من العمليات العسكرية الصهيونية في غزة ورفح ومحور فيلادلفيا.
ومن يرى أن خطاب السيسي لا يعكس حجم التهديدات، لتجنب الحرب، أو يرى أن المقصود هو عكس القدرة على الجمع بين تجنب التصعيد وحماية المصالح.
تهديدات الاحتلال متصاعدة وخطاب مصري يثير الجدل
بحسب المقال الذي نشره شريف أيمن، قال وزير المالية الصهيوني بتسلئيل سموتريتش، في مقابلة مصورة يوم 5 أكتوبر: "إن ما سيمنع مصر من مهاجمة الكيان هو إدراكها أنها قد تفقد سيناء إذا أقدمت على ذلك، وقرأ الكاتب هذه العبارة باعتبارها تهديدًا مباشرًا للأراضي المصرية، مشيرًا إلى أن استخدام عبارة «على الأقل» يفتح، وفق تفسيره، باب التساؤل عن مدى اتساع التهديد الصهيوني".
وتزامنت هذه التصريحات مع ردود فعل مصرية غير رسمية تحدثت عن العواقب التي قد تترتب على أي اعتداء على مصر، في حين تركز انتقاد شريف أيمن على ما اعتبره تفاوتًا بين حدة التصريحات الصهيونية وطبيعة الرد الرسمي المصري.
وفي مقال آخر، يذهب محمد سيف الدولة إلى أن الحديث الصهيوني عن سيناء ليس جديدًا، ويستعرض تصريحات ومواقف تاريخية ينسبها إلى مسؤولين صهاينة، من بينهم آفي ديختر ومناحيم بيغن، فضلًا عن إشارات إلى دراسة قديمة نشرتها مجلة «كيفونيم» بشأن الاستراتيجية الصهيونية في المنطقة.
كما يربط سيف الدولة بين هذه الخلفية التاريخية والمخاوف المصرية من محاولات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء، معتبرًا أن تكرار الإشارات الصهيونية إلى سيناء يستدعي التعامل معها ضمن سياق أوسع من التصريحات المنفردة.
ويستند الكاتب في طرحه إلى أن سيناء ظلت حاضرة في النقاشات المتعلقة بالأمن الإقليمي والصراع العربي الصهيوني، وأن التطورات في غزة والحدود المصرية الفلسطينية أعادت هذه المخاوف إلى الواجهة، وتحتاج التصريحات التاريخية المنسوبة إلى المسؤولين الصهاينة، وكذلك الاقتباسات الواردة بشأن الدراسات الاستراتيجية، إلى مراجعة مصادرها الأصلية وسياقاتها قبل اعتمادها توثيقًا نهائيًا لهذه القراءة.
السيسي: مصر لا تريد الحرب
يتوقف شريف أيمن عند كلمة السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في 14 أكتوبر، حين أكد أن مصر لا تريد الحرب، وأنها لا تطمع في أراضي الآخرين، وأن هدفها الحفاظ على أرضها وحدودها.
ويرى الكاتب أن هذا الرد لم يكن متناسبًا، من وجهة نظره، مع خطورة التهديدات الصهيونية المتعلقة بسيناء، وأن الاكتفاء بالتأكيد على عدم الرغبة في الحرب قد يُفهم باعتباره رسالة تطمين إلى الكيان، من دون أن يقابله توضيح مماثل لحدود الردع المصري.
أما محمد سيف الدولة، فينتقد خطاب السيسي من زاوية أخرى، إذ يرى أن مخاطبة سموتريتش بعبارات تحمل معنى العتاب، والتأكيد على أن مصر لا تمثل تهديدًا للكيان، لا يعكسان طبيعة المخاطر التي يتحدث عنها، ويطرح الكاتب تساؤلًا بشأن جدوى هذه الرسائل في ظل تصريحات الاحتلال متكررة عن سيناء، وفي ظل التطورات العسكرية في قطاع غزة والمناطق القريبة من الحدود المصرية.
ويعترض سيف الدولة كذلك على ما أورده السيسي بشأن عدم اعتبار القوة الصهيونية تهديدًا لمصر، معتبرًا أن هذا التصور لا يتفق، بحسب رأيه، مع الوقائع التي يستشهد بها بشأن العمليات العسكرية الصهيونية والتمركز العسكري قرب الحدود.
والخلاف بينهما لا يتعلق بمبدأ تجنب الحرب في حد ذاته، بل بتقييم الطريقة التي ينبغي أن تعلن بها الدولة موقفها من التهديدات الخارجية، وبما إذا كان الخطاب الدبلوماسي الهادئ كافيًا في نظر منتقديه لإيصال رسالة واضحة بشأن حماية الأراضي المصرية.
مناحيم بيجن وآفي ديختر.. الخلفية التاريخية للحديث عن سيناء
يستند محمد سيف الدولة إلى مجموعة من التصريحات التاريخية المنسوبة إلى مسؤولين صهاينة، في محاولة لإظهار أن الحديث عن سيناء، وفق قراءته، يتجاوز التصريحات الراهنة.
ويورد الكاتب تصريحًا إلى آفي ديختر، وزير الأمن الداخلي الصهيوني الأسبق، يعود إلى عام 2008، ويتعلق باحتمال العودة إلى سيناء إذا تغير النظام المصري على نحو لا يخدم المصالح الصهيونية.
كما يستشهد بتصريح إلى رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق مناحيم بيجن عقب توقيع معاهدة السلام المصرية الصهيونية عام 1979، ويتناول مستقبل سيناء واحتمالات استيطانها.
ويشير سيف الدولة أيضًا إلى دراسة بعنوان «استراتيجية الكيان في الثمانينيات»، يقول "إنها نُشرت في مجلة «كيفونيم»، ويربطها بالنقاشات التاريخية المتعلقة بتصورات إعادة تشكيل المنطقة".
ويستخدم الكاتب هذه الأمثلة لتدعيم رأيه بأن التهديدات المرتبطة بسيناء لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد انفعالات سياسية عابرة، بل يجب وضعها ضمن تاريخ الصراع العربي الصهيوني والتصورات الاستراتيجية التي ظهرت في بعض الكتابات الصهيونية.
غزة ورفح ومحور فيلادلفيا.. جوهر الخلاف بشأن الترتيبات الأمنية
يمنح محمد سيف الدولة التطورات في قطاع غزة أهمية مركزية في انتقاده للخطاب المصري، ويربط بين المخاوف من تهجير الفلسطينيين إلى سيناء وبين العمليات العسكرية الصهيونية في المناطق القريبة من الحدود المصرية.
ويشير الكاتب إلى سيطرة القوات الصهيونية على معبر رفح ومحور فيلادلفيا، معتبرًا أن هذه التطورات تثير تساؤلات بشأن الالتزامات الأمنية المرتبطة بمعاهدة السلام المصرية الصهيونية، وبشأن مدى توافق التحركات العسكرية الصهيونية مع الترتيبات التي تحكم الانتشار العسكري في المنطقة الحدودية.
ويستند سيف الدولة إلى أحكام الملحق الأمني للمعاهدة، ويعرض تصورًا بشأن القيود المفروضة على القوات والأسلحة في المناطق القريبة من الحدود، وتحتاج التفاصيل المتعلقة بأعداد القوات المسموح بها، وأنواع الأسلحة، وحدود الانتشار، إلى الرجوع إلى النص الأصلي للمعاهدة وملحقاتها والتعديلات والترتيبات الأمنية اللاحقة، بدلًا من الاكتفاء بالوصف الوارد في المقال.
ويربط الكاتب بين هذه التطورات وبين مخاوف التهجير القسري للفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء، معتبرًا أن دفع السكان إلى مغادرة القطاع تحت ضغط العمليات العسكرية والأوضاع الإنسانية يثير تهديدات تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الصهيوني، وتمتد إلى الأمن القومي المصري.
لماذا لا تمثل القوة الصهيونية تهديدًا؟
يتقاطع مقال سيف الدولة مع مقال شريف أيمن في الاعتراض على ما نقله السيسي عن حديثه مع نتنياهو بشأن تسليح مصر، حين قال: "إنه لا يعتبر القوة الصهيونية تهديدًا له، وإنه يتوقع من الكيان ألا تعتبر القوة المصرية تهديدًا لها".
ويرى سيف الدولة أن هذه الرسالة لا تعكس، في تقديره، طبيعة التوترات القائمة، ولا تتناسب مع التصريحات الصهيونية بشأن سيناء والتطورات العسكرية في غزة، كما يتساءل عن الفائدة السياسية من تقديم تطمينات علنية إلى الكيان في وقت يرى فيه أن الممارسات الصهيونية تستدعي خطابًا أكثر وضوحًا بشأن المصالح المصرية.
أما شريف أيمن، فيربط هذه التصريحات بموقف أوسع من العلاقة مع الكيان، ويعتبر أن تأكيد السيسي عدم وجود طموحات إقليمية مصرية لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بمدى جدية التهديدات الصهيونية، ولا يوضح كيف ستتعامل القاهرة معها إذا تحولت إلى خطوات عملية.
نتنياهو وحل الدولتين
ويتناول المقالان كذلك تصريحات السيسي بشأن لقاءاته مع نتنياهو منذ عام 2013، وحديثه عن محاولاته إقناع رئيس الوزراء الصهيوني بأن إقامة دولة فلسطينية ستسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي وتسهيل اندماج الكيان في المنطقة.
ويشير شريف أيمن إلى أن السيسي قال: "إن نتنياهو لم يكن مقتنعًا بهذا الطرح، ويطرح تساؤلات بشأن استمرار الرهان على حل الدولتين في ظل المواقف الصهيونية الرافضة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة".
أما محمد سيف الدولة، فينتقد ما فهمه من حديث السيسي عن أن نتنياهو «حر في دولته»، معتبرًا أن القضية الفلسطينية لا تتعلق بقرار الكياني منفرد، وأن مصير الأراضي الفلسطينية وحقوق سكانها لا يمكن اختزاله في موقف الحكومة الصهيونية.
ويستحضر الكاتب اتفاق أوسلو وما تضمنه من مسار تفاوضي بشأن القضية الفلسطينية، ليؤكد أن رفض إقامة دولة فلسطينية يثير تساؤلات بشأن الالتزامات السياسية السابقة ومصير التسوية.
لماذا يخاطب السيسي الكيان بهذه الدرجة من اللين؟
المحور المشترك الأبرز في المقالين أن شريف أيمن يربط بين تصريحات السيسي ومواقف النظام المصري من العلاقة مع الكيان منذ عام 2013، بينما يركز محمد سيف الدولة على الفجوة التي يراها بين طبيعة التهديدات الصهيونية والخطاب الرسمي المصري.
ويستند الكاتبان إلى تصريحات سموتريتش بشأن سيناء، وإلى حديث السيسي عن عدم الرغبة في الحرب وعدم اعتبار القوة الصهيونية تهديدًا لمصر، فضلًا عن التطورات في غزة ورفح ومحور فيلادلفيا، لطرح تساؤلات بشأن مدى تناسب الرسائل الدبلوماسية المصرية مع التطورات الأمنية والسياسية.
وفي المقابل، فإن تقييم السياسة المصرية يتطلب التمييز بين الخطاب العلني والحسابات الأمنية والدبلوماسية التي قد لا تظهر كاملة في التصريحات العامة. كما أن تحديد مدى تأثير هذه الرسائل في الموقف الصهيوني يحتاج إلى النظر في السياسات الفعلية والاتفاقات القائمة والتطورات الميدانية، لا إلى نبرة التصريحات وحدها.
وتظل المسألة الأساسية التي يثيرها الكاتبان مرتبطة بكيفية الجمع بين تجنب الحرب والحفاظ على الردع، وبين الالتزامات الدولية ومتطلبات الأمن القومي، وبين استمرار العلاقات الرسمية مع الكيان والاعتراض على سياساتها في الأراضي الفلسطينية والمناطق القريبة من الحدود المصرية.