سد النهضة وجفاف النيل.. هل استفادت أطراف إقليمية من إطالة أمد الأزمة بخيانة السيسي؟

- ‎فيتقارير

10 سنوات من إدارة الأزمة تفتح باب الأسئلة حول مسؤولية القاهرة.

لم يعد ملف سد النهضة الإثيوبي مجرد خلاف دبلوماسي بين القاهرة وأديس أبابا، بل تحول إلى أزمة استراتيجية تمس مستقبل الأمن المائي لمصر والسودان، بعدما بدأت صور ومقاطع متداولة تظهر انحساراً ملحوظاً في مناسيب مياه النيل في مناطق سودانية عدة، بالتزامن مع استمرار إثيوبيا في فرض سياسة الأمر الواقع بشأن تشغيل السد وملئه، بعيداً عن اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد إدارة المياه بين دول النيل الشرقي.

ومع تصاعد المخاوف الشعبية في مصر والسودان من تداعيات أي نقص مستمر في تدفقات النيل، يعود السؤال الأكثر حساسية إلى الواجهة: هل أخطأت القاهرة في إدارة ملف سد النهضة طوال السنوات الماضية، وهل كان بإمكان نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي اتخاذ مواقف أكثر حزماً لمنع وصول الأزمة إلى هذه المرحلة؟

السؤال لا يتعلق فقط بما تفعله إثيوبيا، وإنما أيضاً بما فعلته مصر خلال عقد كامل من المفاوضات المتعثرة، وما إذا كانت السياسة التي اتبعتها القاهرة نجحت في حماية حقوقها المائية، أم أنها سمحت بمرور الوقت لإثيوبيا بفرض واقع جديد يصعب تغييره.

عشر سنوات من التفاوض.. والسد يتحول إلى أمر واقع

منذ وصول السيسي إلى الحكم، أصبح سد النهضة واحداً من أكثر الملفات حساسية في السياسة المصرية، خصوصاً مع استمرار إثيوبيا في بناء السد وتشغيله بصورة منفردة، في ظل تعثر المفاوضات بين الدول الثلاث.

ويرى منتقدون للسياسة المصرية أن القاهرة تعاملت مع الأزمة لفترة طويلة باعتبارها ملفاً تفاوضياً يمكن احتواؤه عبر الوساطات الدولية، بينما كانت أديس أبابا تمضي على الأرض في بناء السد وملء خزانه، حتى أصبح المشروع واقعاً قائماً يصعب تجاهله.

وهنا تبرز مسؤولية سياسية مباشرة تقع على عاتق القيادة المصرية: ماذا كانت القاهرة تفعل طوال السنوات التي كانت فيها إثيوبيا تنقل المشروع من مرحلة البناء إلى مرحلة التشغيل؟

فالمشكلة، وفق هذا الطرح، لا تكمن فقط في أن إثيوبيا اتخذت قرارات أحادية، وإنما في أن مصر لم تتمكن من الوصول إلى اتفاق ملزم يضمن قواعد واضحة للملء والتشغيل، وهو ما جعلها في نهاية المطاف أمام سد قائم بسعة تخزينية ضخمة، وإدارة إثيوبية منفردة، ومفاوضات لم تنتج حتى الآن حلاً نهائياً للأزمة.

هل كان الصمت المصري مقصوداً؟.. سؤال يلاحق السيسي

أحد أكثر الأسئلة إثارة للجدل داخل النقاش المصري هو: هل كان صمت القاهرة طوال سنوات الأزمة مجرد عجز سياسي عن مواجهة إثيوبيا، أم أنه كان جزءاً من حسابات إقليمية أوسع؟

ويربط منتقدون للسياسة المصرية بين هذا المسار وبين علاقات القاهرة المتنامية مع أبوظبي، في ظل اتهامات سياسية متداولة بشأن الدعم الإماراتي لإثيوبيا خلال مراحل مختلفة من أزمة سد النهضة، وكذلك الدعم السياسي والاقتصادي الذي قدمته الإمارات لنظام السيسي.

غير أن هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى أدلة موثقة، ولا يمكن الجزم بأن القاهرة تعمدت الصمت لمصلحة الإمارات أو أي طرف آخر من دون وثائق أو تصريحات رسمية تثبت وجود مثل هذا التفاهم.

لكن مجرد استمرار هذه التساؤلات يعكس حجم أزمة الثقة التي باتت تحيط بإدارة ملف المياه في مصر، خصوصاً أن الرأي العام يريد إجابة واضحة عن أسباب عدم التوصل إلى اتفاق ملزم طوال هذه السنوات، وعن طبيعة التحركات المصرية التي اتخذت لمنع تحول السد إلى أداة للتحكم في تدفقات المياه إلى دولتي المصب.

خبراء: الخطر الحقيقي ليس في سد النهضة وحده

ويرى خبراء في الموارد المائية أن التعامل مع أزمة النيل يجب ألا يقتصر على تحميل سد النهضة وحده مسؤولية كل انخفاض في المناسيب، لأن تدفقات النهر تتأثر أيضاً بالتغيرات المناخية، ومعدلات الأمطار، والجفاف، وإدارة الخزانات، والاستخدامات المائية في دول الحوض.

لكن الخطر، بحسب هذا الطرح، يكمن في اجتماع أكثر من عامل في الوقت نفسه: سنوات جفاف محتملة، وارتفاع الطلب على المياه، والتغيرات المناخية، واستمرار التشغيل المنفرد لسد النهضة، وغياب اتفاق ملزم بين دول المصب وإثيوبيا.

وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة: ماذا سيحدث إذا تزامنت سنوات الجفاف مع استمرار إثيوبيا في إدارة السد بصورة منفردة؟

في هذه الحالة، لن تكون القضية مرتبطة فقط بانخفاض مؤقت في مناسيب النيل، بل قد تتحول إلى أزمة ممتدة تؤثر في مياه الشرب والزراعة والصناعة والطاقة والأمن الغذائي، خصوصاً في مصر التي تعتمد على النيل في توفير الجزء الأكبر من احتياجاتها المائية.

جفاف السودان.. إنذار لمصر أم نتيجة طبيعية لتقلبات المناخ؟

أثارت صور ومقاطع متداولة لانحسار مياه النيل في مناطق سودانية واسعة موجة من القلق، وسط حديث عن ظهور جزر وألسنة رملية في مجرى النهر، وتراجع مناسيب المياه في مناطق تمتد من الخرطوم إلى ولايتي نهر النيل والشمالية.

كما أثيرت مخاوف من تأثير انخفاض المناسيب على محطات مياه الشرب ومشروعات الري والزراعة، في وقت يعاني فيه السودان أصلاً من ظروف إنسانية واقتصادية قاسية نتيجة الحرب المستمرة.

لكن الربط المباشر بين كل مظاهر الانحسار الحالية وبين سد النهضة وحده يحتاج إلى تدقيق علمي، إذ إن التغيرات في المناسيب قد تكون مرتبطة بعوامل موسمية ومناخية وإدارية متعددة.

ومع ذلك، فإن استمرار هذه الظاهرة لفترات طويلة، بالتزامن مع الإدارة المنفردة للسد، يطرح مخاوف حقيقية بشأن قدرة دولتي المصب على التنبؤ بمستقبل تدفقات المياه، خصوصاً خلال سنوات الجفاف.

السد العالي.. هل يملك الحل إلى الأبد؟

تستند القاهرة إلى وجود بحيرة ناصر والسد العالي باعتبارهما خط الدفاع الأول أمام أي تراجع في الإيرادات المائية، وهو ما يمنح مصر هامشاً للمناورة في مواجهة سنوات الجفاف.

لكن هذا المخزون ليس حلاً دائماً إذا استمر انخفاض الإيرادات المائية لسنوات متتالية.

فالسد العالي يستطيع امتصاص جزء من الصدمات المائية، لكنه لا يستطيع خلق مياه جديدة. وإذا استمرت سنوات الجفاف بالتزامن مع انخفاض تدفقات النيل، فإن المخزون المائي نفسه سيتعرض للاستنزاف، ما يضع مصر أمام معادلة شديدة الصعوبة بين الحفاظ على مياه الشرب، وتأمين احتياجات الزراعة، وتوفير المياه للصناعة، والحفاظ على الأمن الغذائي.

وهنا تعود المسؤولية السياسية إلى القاهرة: هل أعدت الدولة المصرية خططاً كافية لأسوأ السيناريوهات؟ وهل جرى التعامل مع سد النهضة باعتباره أزمة مؤقتة، أم باعتباره تحولاً استراتيجياً دائماً في خريطة مياه النيل؟

هل فات أوان الاتفاق الملزم؟

بعد سنوات من المفاوضات، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: كيف يمكن إقناع إثيوبيا بالتوقيع على اتفاق ملزم؟ بل أصبح أيضاً: هل ما زالت مصر والسودان تملكان أدوات الضغط الكافية لإجبار أديس أبابا على قبول اتفاق يضمن مصالح دولتي المصب؟

فكلما مر الوقت، ازدادت صعوبة العودة إلى نقطة الصفر، وأصبح السد واقعاً قائماً، فيما تواصل إثيوبيا الدفاع عن حقها في إدارة منشآتها المائية وفق رؤيتها الخاصة.

وبالنسبة لمصر، فإن استمرار هذا الوضع يعني أن أزمة المياه لم تعد مرتبطة بمفاوضات مستقبلية فحسب، وإنما أصبحت جزءاً من معادلة أمن قومي طويلة الأمد.

مسؤولية السيسي.. هل كانت إدارة الأزمة دون مستوى الخطر؟

في النهاية، لا يمكن اختزال أزمة سد النهضة في موقف إثيوبيا وحده، رغم مسؤولية أديس أبابا عن رفض التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، لأن تقييم أداء الدولة المصرية خلال العقد الماضي يظل ضرورة سياسية.

فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل استخدمت القاهرة كل أدواتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والإقليمية والدولية لحماية أمنها المائي؟

وهل كان من الممكن ممارسة ضغوط أكبر على إثيوبيا قبل اكتمال بناء السد وبدء تشغيله؟ وهل أخطأت مصر عندما سمحت بتحول المفاوضات إلى مسار طويل استغرق سنوات، بينما كانت الأعمال الإنشائية على الأرض تتقدم باستمرار؟

أما الحديث عن وجود مصالح إقليمية دفعت القاهرة إلى عدم التصعيد، أو أن أطرافاً عربية استفادت من إطالة أمد الأزمة، فيبقى بحاجة إلى أدلة ووثائق حتى يتحول من مجرد تساؤل سياسي إلى حقيقة يمكن إثباتها.

لكن المؤكد أن استمرار الأزمة بعد كل هذه السنوات يضع القيادة المصرية أمام اختبار تاريخي. فالمصري العادي لا يعنيه كثيراً تفاصيل المفاوضات بقدر ما يريد إجابة عن سؤال واحد: هل ستظل مياه النيل متاحة للأجيال المقبلة؟

وإذا كانت مصر تواجه بالفعل مرحلة من الشح المائي، فإن مسؤولية الدولة لا تقتصر على مواجهة الإجراءات الإثيوبية، وإنما تمتد إلى وضع استراتيجية شاملة للمياه، تشمل التحلية وإعادة الاستخدام وتقليل الفاقد وتطوير الزراعة، إلى جانب التحرك الدبلوماسي والقانوني والسياسي لحماية حقوقها في مياه النيل.

فالمشكلة الحقيقية ليست فقط في كمية المياه التي تصل إلى مصر اليوم، وإنما في مستقبل بلد يعتمد وجوده الاقتصادي والاجتماعي والحضاري على نهر واحد، بينما تتغير قواعد إدارة هذا النهر بصورة جذرية، وتبقى القاهرة مطالبة بالإجابة عن سؤال سيظل مفتوحاً: ماذا فعلت السلطة طوال عشر سنوات لمنع وصول مصر إلى هذه اللحظة؟

يمكنني أيضاً إعداد نسخة أكثر حدة وهجومية سياسياً تركز بالكامل على مسؤولية السيسي والإمارات وإثيوبيا، مع إدخال تصريحات موثقة لخبراء مصريين وسودانيين ومصادر حديثة حول وضع النيل وسد النهضة.