قال مصطفى مدبولي، رئيس وزراء السيسي، خلال مؤتمر صحفي عقب جولته في منطقة السخنة الصناعية المتكاملة التابعة للهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس: "إن خريج المدارس الفنية يحصل على نحو 15 ألف جنيه بعد ثلاث سنوات من العمل، بينما يصل راتب المهندس حديث التخرج إلى نحو 30 ألف جنيه، مؤكدًا أن معدلات البطالة في مصر أصبحت عند أدنى مستوياتها".
وأثارت تصريحات مدبولي نقاشًا على مواقع التواصل الاجتماعي حول دلالة معدل البطالة وطريقة احتسابه، وما إذا كان الرقم الرسمي يعكس بصورة كاملة واقع سوق العمل المصري، في ظل الحديث عن نقص العمالة في بعض القطاعات، وانخفاض الأجور في قطاعات أخرى، فضلًا عن عدم توافق تخصصات بعض الخريجين مع احتياجات سوق العمل.
تساؤلات حول طريقة احتساب البطالة
تساءل حساب Dodymente (@Dodymente) عن كيفية احتساب معدل البطالة، مستندًا إلى بيانات حول أعداد المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات وحجم قوة العمل، وطرح تقديرًا مختلفًا للمعدل الرسمي.
إلا أن مقارنة عدد المؤمن عليهم أو أصحاب المعاشات بإجمالي السكان لا تكفي وحدها لحساب معدل البطالة، لأن قوة العمل لها تعريف إحصائي محدد، ولا يدخل جميع السكان في سن العمل تلقائيًا ضمن قوة العمل.
https://x.com/Dodymente/status/2096353163787858041
وقال: "نسبة البطالة دي حسبت إزاي !؟ بيانات التأمينات والمعاشات في 13.63 مليون مؤمّن عليهم و11.5 مليون معاشات…الشعب 108 مليون مواطن منهم 35.8 مليون طفل تحت 16 سنة، حجم قوة العمل حسب تصريحات رسمية 35.64 مليون مواطن!.. يبقى نسبة البطالة أكثر من 25%
نقص العمالة أم مشكلة الأجور؟
من جانبه، أشار Ahmed Al-ish (@AhmdAlish) إلى أن معدلات البطالة مرتفعة في بعض فئات العمال، في الوقت الذي تعاني فيه مصانع من نقص العمالة، موضحًا أن العامل الذي يجد وظيفة بأجر يتراوح بين 5 و6 آلاف جنيه قد يرى أن العمل في وظيفة أخرى، مثل قيادة التوك توك، أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.
وتطرح هذه الملاحظة جانبًا آخر من أزمة سوق العمل، يتعلق بجودة الوظائف ومستويات الأجور، وليس بمجرد وجود وظيفة من عدمه.
https://x.com/AhmdAlish/status/2096622284324622520
هل الوظيفة تناسب المؤهل؟
أما إبراهيم أبوهيف (@EbrahimAbouhief)، فأشار إلى مشكلة عدم التوافق بين تخصصات الخريجين والوظائف المتاحة، مستشهدًا بخريجي الصيدلة والعلاج الطبيعي وطب الأسنان، الذين يواجه بعضهم تشبعًا في سوق العمل ومحدودية في فرص العمل وأجورًا لا تتناسب بالضرورة مع سنوات الدراسة وتكلفتها.
ويرى أبوهيف أن القضية لا تتعلق فقط بسؤال: هل المواطن يعمل أم لا؟، وإنما أيضًا بما إذا كان يعمل في تخصصه، وبأجر مناسب، وبوظيفة تستفيد من مهاراته وتعليمه.
https://x.com/EbrahimAbouhief/status/2096652993735094340
ماذا يقيس معدل البطالة؟
وتكمن أهمية عدم قراءة معدل البطالة منفردًا؛ إذ يمكن أن ينخفض المعدل نتيجة خلق وظائف جديدة واستيعاب العاطلين، لكنه قد ينخفض أيضًا في حالة تراجع المشاركة في سوق العمل وخروج بعض الأشخاص من قوة العمل، سواء بسبب الإحباط من عدم العثور على فرصة مناسبة أو لأسباب أخرى.
لذلك فإن الحكم على أداء سوق العمل المصري يحتاج إلى النظر إلى مجموعة أوسع من المؤشرات، من بينها معدل المشاركة في قوة العمل، ومعدل التشغيل، وعدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل، ونوعية الوظائف، ومستويات الأجور، ومدى توافق الوظائف مع مؤهلات العاملين.
ومن ثم، فإن انخفاض معدل البطالة إلى مستويات قياسية يمثل مؤشرًا إيجابيًا من الناحية الإحصائية، لكنه لا يكفي بمفرده لإثبات أن سوق العمل المصري أصبح قادرًا على توفير وظائف كافية ومستدامة وبأجور مناسبة لجميع فئات الباحثين عن العمل.
وتشير بيانات سوق العمل المصرية إلى أهمية النظر إلى هذه المؤشرات مجتمعة، فخلال السنوات الماضية تراجع معدل البطالة، لكن ذلك تزامن مع انخفاض معدلات المشاركة والتشغيل مقارنة بما كانت عليه في فترات سابقة، ولذلك فإن انخفاض البطالة لا يعني تلقائيًا أن الاقتصاد خلق عددًا كافيًا من الوظائف أو أن فرص العمل أصبحت متاحة بصورة أفضل للسكان في سن العمل.
وتزداد أهمية هذه النقطة عند تقييم تصريح مصطفى مدبولي بأن انخفاض البطالة إلى مستوياتها الحالية يرجع إلى المشروعات العملاقة، فالرقم الرسمي البالغ 5.8% يعكس بالفعل انخفاض معدل البطالة، لكن الرقم وحده لا يثبت أن المشروعات العملاقة هي السبب المباشر أو الرئيسي وراء هذا الانخفاض؛ فهذا يحتاج إلى بيانات تفصيلية عن الوظائف الجديدة التي خلقتها هذه المشروعات، وصافي الوظائف المستدامة التي أضافتها إلى الاقتصاد، ونسبة مساهمتها في إجمالي فرص العمل الجديدة.
كما أن الحكم على سوق العمل يحتاج إلى النظر إلى مؤشرات أخرى، من بينها معدل المشاركة في قوة العمل، ومعدل التشغيل، ومعدلات بطالة الشباب والنساء، ونوعية الوظائف، ومستويات الأجور، وحجم العمالة غير المنتظمة، وهذه المؤشرات قد تكشف جوانب لا يظهرها معدل البطالة وحده.
وانخفاض معدل البطالة إلى 5.8% لا ينبغي قراءته منفردًا باعتباره دليلًا كافيًا على تحسن سوق العمل؛ إذ ينبغي النظر أيضًا إلى معدل المشاركة، ومعدل التشغيل، وعدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وقدرة الاقتصاد على خلق وظائف جديدة.
تتناول منصة "صحيح مصر" تصريح مصطفى مدبولي بأن معدلات البطالة في مصر تسجل أدنى مستوياتها بسبب المشروعات العملاقة، ويعرض مجموعة من البيانات والتقارير التي ترى أن الاستناد إلى معدل البطالة وحده لا يعطي صورة كاملة عن سوق العمل.
انخفاض معدل البطالة من 8.7% عام 2012 إلى 6.3% عام 2023.
بالتزامن، انخفض معدل المشاركة في قوة العمل من 51% إلى 45%، وانخفض معدل التشغيل من 47% إلى 42% من السكان في سن العمل، وفق تقرير لمنتدى البحوث الاقتصادية في نوفمبر 2024.
يوضح التقرير أن معدل البطالة يحسب الباحثين عن العمل داخل قوة العمل فقط، ولا يشمل من توقفوا عن البحث عن وظيفة وخرجوا من قوة العمل.
يعزو التقرير جزءًا من انخفاض المشاركة إلى الإحباط من عدم العثور على فرص عمل.
انخفضت مشاركة النساء في قوة العمل من 23% عام 2012 إلى 18% عام 2023، بينما انخفضت مشاركة الرجال من 80% إلى 72%.
ويشير إلى أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ذكرت في مايو 2026 أن مشاركة النساء بلغت نحو 17% في 2024، مع فجوة كبيرة بينها وبين الرجال.
وفق البنك الدولي في أبريل 2026، تحسن معدلا التشغيل والمشاركة على أساس سنوي، لكنهما لا يزالان دون المستويات المحتملة والمتوسطات التاريخية.
رغم وصول البطالة مؤخرًا إلى 5.8%، يشير المرفق إلى أن ذلك لا يكفي وحده للحكم على تحسن سوق العمل.
يذكر البنك الدولي أن نحو 1.3 مليون شاب يدخلون سوق العمل المصري سنويًا، مقابل خلق نحو 500 ألف وظيفة فقط.
تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى وجود عدم توافق بين أعداد الباحثين عن العمل والوظائف المتاحة، مع تأثير أكبر على بطالة الشباب والشابات.
وينتهي المرفق بالإشارة إلى أن منصة صحيح مصر سبق أن تحققت من تصريحات مشابهة لمسؤولين، من بينهم مدبولي.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=1616928773130935&set=a.758562705634217&locale=ar_AR
ورصت منصات في يناير 2025 تصريح لعبد الفتاح السيسي "معدل البطالة في مصر يبلغ 6.5% وليس 7%" وكان تصريحا مضللًا لأنه يركز على معدل البطالة دون النظر إلى مؤشرات أخرى لسوق العمل، وعلى رأسها معدل التشغيل.
وانخفض معدل التشغيل من 44.5% عام 2013 إلى 39.6% عام 2022، رغم زيادة عدد السكان.
ومعدل البطالة يختلف عن معدل التشغيل؛ فالبطالة تقيس من يبحثون عن عمل داخل قوة العمل، بينما معدل التشغيل يقيس نسبة من لديهم وظائف من السكان في سن العمل.
وبلغ عدد السكان في سن التشغيل نحو 68 مليونًا عام 2022، وكان المشتغلون نحو 26.9 مليونًا، بينما كان غير المشتغلين نحو 41 مليونًا.
في 2013 كان عدد السكان في سن التشغيل نحو 58.5 مليونًا، والمشتغلون نحو 25.8 مليونًا، وغير المشتغلين نحو 32.6 مليونًا.
وبالتالي، فأن انخفاض البطالة لا يعني بالضرورة تحسن قدرة الاقتصاد على توفير فرص العمل، خصوصًا مع انخفاض معدل التشغيل وزيادة عدد السكان في سن العمل.