المنسيون خلف القضبان من غرفة العمليات إلى السجن.. حكاية طبيبة أرادت علاج جرحى غزة

- ‎فيحريات

من غرف العمليات والمستشفيات الكبرى إلى جلسات المحاكمة والاحتجاز، تبدلت حياة الطبيبة المصرية سوزان محمد سليمان، البالغة من العمر 67 عاماً، بعدما شاركت في تحرك تضامني مع قطاع غزة، لتجد نفسها منذ يونيو 2025 على ذمة قضية أمن دولة، رغم أن الدافع الذي ساقته المقربة منها كان الرغبة في تقديم المساعدة الطبية لضحايا غزة.

القصة أعادتها إلى الواجهة المعتقلة السابقة نرمين حسين، التي كتبت عبر صفحتها على موقع "فيسبوك" عن تجربتها مع سوزان خلال فترة احتجازهما، ووصفتها بأنها كانت تشاركها جلسات التحقيق والمحاكمة، وأن حالتها الصحية كانت تجعل التنقل والجلوس خلال تلك الجلسات أمراً بالغ الصعوبة.

وبحسب ما نقلته نرمين حسين، ألقي القبض على سوزان في 26 يونيو 2025، على ذمة القضية رقم 4880 لسنة 2025، ووجهت إليها اتهامات من بينها "الانضمام إلى جماعة إرهابية" و"نشر أخبار كاذبة"، على خلفية مشاركتها في تنظيم قافلة تضامنية هدفت إلى كسر الحصار عن غزة.

 

طبيبة في السجن

تقول نرمين حسين إن سوزان كانت تبدو أكبر من عمرها بسبب حالتها الصحية، وكانت تعاني من مرض بالقلب ومشكلة صحية تستدعي أن تبقي جسدها ممدداً، وهو ما جعل الجلوس لفترات طويلة خلال جلسات المحاكمة أمراً شاقاً عليها.

وتروي أن سوزان كانت تضطر خلال الجلسات إلى طلب السماح لها بالصعود إلى غرفتها للراحة، وأن طلبها كان يُرفض أحياناً، مضيفة أن سوزان كانت تنزل إلى الجلسات برفقة المحتجزين الآخرين، وأنها في إحدى المرات لم تكن قادرة على الجلوس، فأعطتها نرمين الكرسي البلاستيكي الخاص بها، بينما اضطرت هي إلى البحث عن مقعد آخر، مؤكدة أنها كانت هي الأخرى تعاني من صعوبة في الوقوف أو الجلوس على الأرض.

وتكشف هذه التفاصيل جانباً إنسانياً من حياة محتجزين لا تحظى قضاياهم بالاهتمام الإعلامي نفسه الذي تحظى به أسماء أخريات معروفة.

 

من العمل الطبي إلى التطوع لعلاج مصابي غزة

بحسب رواية نرمين حسين، فإن سوزان لم تكن ناشطة سياسية معروفة، ولم تكن لها صلات بالأسماء البارزة التي وردت في القضية نفسها، وإنما كانت طبيبة جراحة عامة وتجميل، عملت في مستشفيات كبرى حول العالم.

وتقول الرواية إن الطبيبة، التي لم يسبق لها الزواج، تمكنت خلال سنوات عملها من تكوين ثروة، قبل أن تقرر في مرحلة متقدمة من عمرها توجيه جزء من وقتها وإمكاناتها لخدمة الفلسطينيين في قطاع غزة. وكان هدفها، وفق الرواية، المشاركة في علاج المصابين، ولا سيما ضحايا الحروق، مستفيدة من تخصصها وخبرتها الطبية.

وتشير نرمين إلى أن سوزان حاولت الحصول على تصريح لمغادرة مصر والتوجه إلى غزة من أجل تقديم المساعدة الطبية، إلا أن طلبها قوبل بالرفض. وبعد ذلك قررت المشاركة في المسيرة التضامنية، لكنها أوقفت قبل وصولها إلى المسيرة.

 

قضية تضم أسماء معروفة

وتشير الرواية إلى أن قضية سوزان تضم عدداً من الأسماء المعروفة، من بينهم الفنان هشام عبد الله والفنان محمد شومان والناشط عبد الله الشريف، إلى جانب آخرين. لكن نرمين حسين تؤكد أن سوزان، بحسب معرفتها بها، لم تكن تعرف هؤلاء الأشخاص، ولم تكن على تواصل معهم.

وأحيلت قضية سوزان إلى المحكمة، فيما تبقى حالتها الصحية مصدر قلق بالنسبة إلى المقربين منها، خصوصاً مع تقدمها في العمر ومعاناتها من مشكلات صحية.

 

"مجهولون" خلف القضبان

لا تتوقف القصة عند الطبيبة سوزان، إذ تلقى رواية نرمين حسين الضوء على عشرات الحالات التي لا تحظى بحضور إعلامي أو حقوقي واسع، رغم وجود أصحابها خلف القضبان لسنوات أو على ذمة قضايا مرتبطة بمواقف سياسية أو نشاطات تضامنية، موضحة أن سوزان وغيرها من المحتجزين الذين تعرفت إليهم خلال فترة احتجازها "مجهولون"، ولا يعرف كثيرون شيئاً عن ظروفهم أو قضاياهم، بينما تظل أسرهم وحدها في مواجهة القلق والانتظار.

وتكتسب قصة سوزان خصوصيتها من كونها طبيبة في السابعة والستين من عمرها، اختارت، وفق الرواية، أن تضع خبرتها الطبية في خدمة مصابي غزة، ولا سيما ضحايا الحروق، لكنها انتهت إلى الاحتجاز على خلفية مشاركتها في تحرك تضامني مع القطاع.

وبينما تنتظر مصير قضيتها، تبقى حالتها الصحية أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى من عرفوها خلال فترة الاحتجاز، وسط دعوات إلى عدم نسيانها هي وغيرها من المحتجزين الذين لا تحظى قصصهم بالاهتمام الكافي.

وتختتم نرمين حسين روايتها بالدعوة إلى تذكر سوزان في الدعاء، خشية أن تتحول قصة طبيبة أرادت علاج المصابين في غزة إلى واحدة من القصص المنسية، وتخشى عليها من الموت داخل سجون العسكر الذي يحدث كل يوم تقريبا.