غازي دحمان / يكتب :حينما يتضامن أنصار الهَجْرِيّ مع قتلة أطفال غزة

- ‎فيمقالات

بعيداً عن الانتماءات العرقية وعوامل التاريخ والدين، تطرح الوقفة التضامنية لأنصار الشيخ حكمت  الهجري في السويداء مع ضحايا 7 أكتوبر الإسرائيليين؛ سؤالاً مجرداً من العواطف، ومتخففاً من حمولات الأيديولوجيا: هل من الإنسانية والكرامة والأخلاق انتقاء الضحايا الذين يجب التعاطف معهم؟ وهل يصبح قتل المدنيين مأساة حين يكون القتلى من المعسكر الصحيح؟.

ترى، ما المعايير التي استند إليها بعض أتباع الهجري في تصنيفهم لضحايا يستحقون التضامن معهم، فيما الآخرون خارج ذلك التضامن؟ هل هذا تضامن إنساني أم تملق سياسي ومحاولة للانتماء إلى الطرف الآخر، الذي، للمفارقة، يرى العرب، كل العرب، بعين واحدة: آخرون وأغراب، حتى جواسيسهم ومخاديمهم لا يخرجون من هذا التصنيف.

لا شك أن من حق أي جماعة التعبير عن قلقها من الأحداث التي ترى أنها تمسها، ولا ينكرنّ أحد أن السويداء مرّت بالفعل بظرف صعب، لكن ذلك لا يبرر تحويل التعاطف والتضامن إلى موقف انتقائي، بمعنى أن يصبح الصمت عن ضحايا طرف آخر، وهم هنا أهل غزة ، شرطاً للتعبير عن التضامن مع قتلى الطرف الآخر.

لم تأتِ وقفة أنصار الهجري التضامنية مع الكيان الصهيوني، ورفع صور أعتى مجرمي العصر، بنيامين نتنياهو، من فراغ، بل جاءت في سياق اللهاث المستمر لهؤلاء للانضمام إلى معسكر الصهيونية

لم تأتِ وقفة أنصار الهجري التضامنية مع الكيان الصهيوني، ورفع صور أعتى مجرمي العصر، بنيامين نتنياهو، من فراغ، بل جاءت في سياق اللهاث المستمر لهؤلاء للانضمام إلى معسكر الصهيونية، وفي سياق الجري لتقديم أوراق الاعتماد التي تؤهلهم للانضمام إلى هذا المعسكر. إذ سبق للهجري إعلان أن إسرائيل تمثله، والتعبير عن رغبته الجارفة في أن يصبح جزءاً من هذا الكيان الذي، حسب زعمه، يتشارك معهم في العقيدة والفكر والقيم الأخلاقية. واللافت أن احتفاء الهجري بالقيم الأخلاقية للصهيونية "النتنياهوية"، إن جاز التعبير، يحصل في زمن يأنف فيه أغلب العالم من مجرد وجود علاقة دبلوماسية شكلية مع هذه الحكومة.

المشكلة عندما يتم تقديم التضامن على أنه موقف أخلاقي مطلق، في الوقت الذي تغرق فيه غزة بدماء أطفالها، وينهش الجوع أجساد صغارها، وتفتك الأمراض بشعب بأكمله يهيم على وجهه مشرّداً، هذا الواقع المؤلم ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه، بل هو نتاج سياسات إبادية يُصرّ المجرم الذي رُفعت صوره في السويداء على إدامتها، وهذه السياسات تطالعنا حصائلها كل يوم بمزيد من الشهداء والمشردين والجوعى، رغم نداءات الأمم المتحدة ومطالب غالبية شعوب العالم.

بناءً على ذلك، يبدو التضامن مع إسرائيل، وفي هذا التوقيت بالتحديد، مستفزاً أخلاقياً إلى أبعد الحدود، بل يشبه إلى حد بعيد نكأ جرح ما يزال متورماً وينزف ألماً، وجرح مَن؟ طفل مثلاً، على اعتبار أن أغلب ضحايا غزة، وبتوثيق الأمم المتحدة، هم من الأطفال، فمن ذا الذي يحتفل بموت طفل ويصنّف موقفه على أنه أخلاقي؟ قد يقول قائل: "وماذا عن أطفال السويداء الذين راحوا ضحية المعارك الأخيرة؟". الجواب: هم لم تكن الوقفة التضامنية لأنصار الهجري، الذين باتوا أقلية في الوسط الدرزي العام، وفي السويداء على وجه الخصوص، مجرد وقفة تضامنية، بقدر ما كانت صورة مكثفة عن صراع أعمق على هوية السويداء واتجاه بوصلتها السياسية

أيضاً شهداء للغدر، ولكن ذلك لا يبرر التضامن مع قتل عشرات الآلاف من الأطفال في غزة. ولو كان الأمر على هذه الشاكلة، لما سامح السوريون السويداء التي خرج منها القاتل عصام زهر الدين، الذي تسبّب بموت آلاف السوريين، وشُيّد له في السويداء نصب تخليدي.

في الواقع، لم تكن الوقفة التضامنية لأنصار الهجري، الذين باتوا أقلية في الوسط الدرزي العام، وفي السويداء على وجه الخصوص، مجرد وقفة تضامنية، بقدر ما كانت صورة مكثفة عن صراع أعمق على هوية السويداء واتجاه بوصلتها السياسية، فقد بات أنصار الهجري في السويداء شبه معزولين نتيجة مواقفهم اللاهثة وراء إسرائيل، التي يراها الكثيرون في السويداء خارجة عن المنطقة السياسية، ومخالفة للواقع ومساراته الواضحة، فالهجري يريد نقل الجغرافيا والتاريخ عنوة إلى الضفة الأخرى، وهو لا يملك من القدرة على فعل ذلك سوى أضغاث أحلام بأن تأتي إسرائيل وتخلّصه من قدر مشؤوم بات يتراءى له، وهو يتابع حراك أهل السويداء الرافض لمنطقه وسياساته.

في وقفة أنصار الهجري التضامنية مع الكيان الصهيوني، تتجلى أشد صور التملق والانحطاط عبر تقديم أوراق اعتماد، الواحدة تلو الأخرى، لنيل الرضى من كيان لم يحب حتى من هم يهود من خارج صنف معين، لكن كان من المفهوم لو كان ذلك نوعاً من الانتقام من حكم أحمد الشرع، الذي يتحمل مسؤولية ما حصل من قتل في السويداء، لكن أن يكون انتقاماً من أطفال غزة الذين، لا هم ولا أهاليهم، عارفون بأخبار سوريا، فذلك قمة الانحطاط الأخلاقي الذي يصل إليه أحد في العالم المعاصر.