مسيرة قانونية وضعتها في مواجهة انتقادات أمريكية وإسرائيلية.. نافي بيلاي تفوز بنوبل للسلام مثيرة غضب ترامب

- ‎فيتقارير

من مقاومة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا إلى التحقيق في جرائم الحرب والإبادة الجماعية في غزة.. ، واستدعت غضب دونالد ترامب بعد فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026.

لم يكن فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 مجرد تكريم لمسيرة طويلة في مجال القانون الدولي وحقوق الإنسان، بل جاء أيضا في وقت تتصاعد فيه المواجهة السياسية مع المؤسسات القضائية الدولية، على خلفية التحقيق في الانتهاكات المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومحاسبة المسؤولين عنها.

وأعلنت لجنة نوبل النرويجية، في 9 أكتوبر الجاري، منح الجائزة لبيلاي تقديرا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وإسهامها في ترسيخ المساءلة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. لكن الاختيار أثار غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي هاجم اللجنة والفائزة، واتهمها بالانحياز ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، في تصريحات عكست اتساع الخلاف بشأن دور القانون الدولي وحدود محاسبة الدول وقادتها.

 

من مقاومة الفصل العنصري إلى المحاكم الدولية

وُلدت نافانثيم «نافي» بيلاي عام 1941 في مدينة ديربان بجنوب أفريقيا، لعائلة من أصول تاميلية هندية، ونشأت في ظل نظام الفصل العنصري الذي فرض التمييز على أساس العرق. واختارت دراسة القانون، قبل أن تتحول إلى واحدة من أبرز الشخصيات القانونية التي ارتبط اسمها بالدفاع عن المعارضين للنظام العنصري وحقوق السجناء.

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تؤسس مكتب محاماة في إقليم ناتال، وعملت على الدفاع عن ناشطين مناهضين للفصل العنصري، كما ساهمت في كشف انتهاكات تعرض لها سجناء سياسيون. وفي عام 1995، أصبحت أول امرأة سوداء تتولى منصب قاضٍ في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا.

وامتدت مسيرتها بعد ذلك إلى الساحة الدولية؛ إذ انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، التي تولت محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم خلال الإبادة الجماعية عام 1994، وترأست المحكمة لاحقا. وأسهمت أحكام المحكمة في ترسيخ مبدأ اعتبار الاغتصاب والعنف الجنسي، في ظروف محددة، من الأفعال التي قد تشكل إبادة جماعية.

كما عملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية، قبل أن تتولى منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014، لتواصل بعدها نشاطها في مؤسسات العدالة الدولية، وصولا إلى رئاستها لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل، خلال الفترة من 2021 إلى 2025.

 

غزة.. تحقيق أممي يضع إسرائيل تحت ضغط المساءلة

برز اسم بيلاي في السنوات الأخيرة على خلفية عمل لجنة التحقيق الأممية التي ترأستها بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي تقرير صدر عام 2025، خلصت اللجنة إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة، وهو استنتاج أثار ردود فعل سياسية حادة، في ظل رفض إسرائيلي للاتهامات.

ومن الضروري التمييز هنا بين دور اللجنة الأممية التي ترأستها بيلاي وبين إجراءات المحكمة الجنائية الدولية. فبيلاي لم تصدر أوامر القبض على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت؛ إذ أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر القبض عليهما في نوفمبر 2024، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

أما توصيف الإبادة الجماعية، فهو مسألة قانونية منفصلة عن اتهامات المحكمة الجنائية الدولية، ويخضع لمسارات قضائية واختصاصات مختلفة. لكن عمل لجنة التحقيق التي قادتها بيلاي وضع الاتهامات المتعلقة بغزة في صدارة النقاش الدولي بشأن المسؤولية والمحاسبة، وزاد من حدة المواجهة مع الجهات الرافضة لتلك التحقيقات.

 

سجل طويل من الانتقادات الموجهة إلى السلطات المصرية

لم تقتصر مواقف بيلاي الحقوقية على جنوب أفريقيا وفلسطين، بل امتدت إلى مصر خلال سنوات عملها مفوضة سامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وهي فترة شهدت الثورة المصرية وما تلاها من تحولات سياسية وصدامات دامية.

ففي يناير وفبراير 2011، أعربت عن قلقها إزاء ارتفاع أعداد الضحايا خلال الاحتجاجات، ودعت السلطات المصرية إلى احترام الحقوق الأساسية، ووقف العنف، والتحقيق بصورة مستقلة في الانتهاكات، والإفراج عن الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين اعتُقلوا بسبب عملهم.

وفي نوفمبر 2011، أدانت بيلاي قتل المتظاهرين على أيدي قوات الجيش والأمن، وطالبت بإجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين. وجاءت مواقفها في سياق احتجاجات شهدتها القاهرة ومناطق أخرى، وسط انتقادات لتعامل المجلس الأعلى للقوات المسلحة مع المتظاهرين ولوتيرة الانتقال إلى الحكم المدني.

وفي نوفمبر 2012، وجهت رسالة إلى الرئيس الراحل محمد مرسي بشأن الإعلان الدستوري الصادر في 22 نوفمبر، ودعته إلى إعادة النظر فيه، معتبرة أن تحصين قرارات الرئيس من الرقابة القضائية يتعارض مع مبادئ سيادة القانون، ومحذرة من أن بعض التدابير الواردة فيه تتنافى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وبعد عزل مرسي في 3 يوليو 2013، أعربت بيلاي عن قلقها من الاعتقالات الواسعة التي طالت قيادات في جماعة الإخوان المسلمين، وشددت على رفض الاعتقال التعسفي وأعمال الانتقام، ودعت إلى احترام حقوق جميع المصريين، ووقف العنف، وإقامة نظام سياسي يحترم الحريات وسيادة القانون.

ومع فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في أغسطس 2013، وما صاحبه من سقوط أعداد كبيرة من القتلى والمصابين، جاءت دعوات الأمم المتحدة إلى التحقيق في استخدام القوة ومحاسبة المسئولين عن الانتهاكات. وفي مارس 2014، أثارت بيلاي كذلك مخاوف بشأن أحكام الإعدام الجماعية التي صدرت بحق مئات المتهمين في محافظة المنيا، محذرة من خطورة المحاكمات التي لا تلتزم بضمانات العدالة والإجراءات القانونية الواجبة.

وتكشف هذه المواقف عن مسار حقوقي لم يقتصر على انتقاد سلطة سياسية بعينها؛ فقد انتقدت بيلاي إجراءات اتخذتها السلطات المصرية في مراحل سياسية مختلفة، انطلاقا من معايير تتعلق بالحقوق والحريات واستقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.

 

ترامب يهاجم نوبل والفائزة.. وبيلاي ترد بسخرية

أثار فوز بيلاي غضب ترامب، الذي عبّر مرارا عن اعتقاده بأنه يستحق جائزة نوبل للسلام. وجاء اعتراضه هذه المرة في أعقاب منح الجائزة لبيلاي، التي قادت لجنة التحقيق الأممية بشأن غزة، في وقت تتعرض فيه مؤسسات العدالة الدولية لضغوط وانتقادات أمريكية بسبب إجراءاتها المتعلقة بإسرائيل.

وكتب ترامب في منشور له أن لجنة نوبل "جلبت العار لنفسها" بمنح الجائزة لبيلاي، وادعى أنها تكره الولايات المتحدة وإسرائيل، واتهمها بالاحتفاء بالإرهابيين ومكافأة حركة حماس، كما وصف تحقيقها بشأن الإبادة الجماعية في غزة بأنه «زائف». وذهب إلى القول إنها لم تفعل شيئا لتعزيز السلام، مستحضرا منح الجائزة سابقا للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

وتظل هذه الاتهامات جزءا من موقف ترامب السياسي، ولا تمثل في حد ذاتها تقييما مستقلا لعمل بيلاي أو للتحقيقات الأممية التي ارتبط اسمها بها.

أما بيلاي، فتعاملت مع لحظة إعلان فوزها بروح ساخرة. فعندما صفق لها الصحفيون والموجودون في جنيف، قالت مازحة: "إذا صفقتم أكثر قليلا، فقد أشارك ترامب الجائزة".

وكانت الإشارة إلى ماريا كورينا ماتشادو، المعارضة الفنزويلية التي فازت بجائزة نوبل للسلام عام 2025، ثم أهدت ميداليتها إلى ترامب بعد الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واعتقاله في يناير 2026. وبذلك وضعت بيلاي احتمال مشاركة الجائزة مع ترامب في إطار المزاح، لا بوصفه وعدا فعليا.

 

جائزة في قلب الصراع على القانون الدولي

تأتي جائزة بيلاي في لحظة يتجاوز فيها الخلاف حولها شخصها إلى سؤال أوسع: هل تظل المؤسسات الدولية قادرة على التحقيق في الانتهاكات ومساءلة المسئولين عنها، حتى عندما تتعلق الاتهامات بدول حليفة للقوى الكبرى أو بقادة يحظون بحماية سياسية؟

فمسيرة بيلاي، من مقاومة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا إلى العمل في محاكم جرائم الحرب ومؤسسات الأمم المتحدة، جعلتها من أبرز المدافعين عن مبدأ خضوع الجميع للقانون. وفي المقابل، تواجه المؤسسات التي تعمل من خلالها انتقادات وضغوطا من حكومات ترى أن بعض إجراءاتها تمس مصالحها أو تتجاوز حدود اختصاصها.

وبين تكريم نوبل وهجوم ترامب، تبرز قضية أكثر جوهرية من الجدل الشخصي بين الطرفين: مدى قدرة القانون الدولي على فرض المساءلة بصورة متسقة، ومدى استعداد القوى النافذة لقبول نتائج التحقيقات والأحكام عندما تطال حلفاءها أو مسئوليها.