ترى صحيفة "الجارديان" البريطانية أن عدم إدراج الإدارة الأمريكية لولي العهد السعودي محمد بن سلمان في قائمة العقوبات التي أعلنتها بشأن المتورطين في مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول التركية في أكتوبر 2018م على أنه يمثل انعكاسا للنفوذ الكبير الذي تتمتع به الرياض داخل أروقة الإدارة الأمريكية الجديدة.
وقالت (The Guardian) إن حملة جو بايدن لإعادة حقوق الإنسان لقلب السياسة الخارجية الأمريكية، التي روج لها كثيرا، اصطدمت بحائط القوة الكبيرة للواقعية السياسية، يوم الجمعة 26 فبراير، مثلما يحدث عادةً مع هذه الحملات. ومثلما وعدت امتثلت إدارة بايدن للقانون الذي وضعه الكونجرس وتجاهله سلفه. ونشرت ملخصا غير سري للتقييم الاستخباراتي الذي يقول إنَّ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان "وافق" على قتل مؤيد الإصلاحات السعودي والصحفي في The Washington Post جمال خاشقجي، وتتقطيع جثمانه أشلاء.
ووصف تقرير المخابرات الأمريكية نظام الحكم السعودي بالملكي الاستبدادي الذي يطالب الطاعة المطلقة. لكن الجارديان تساءلت: لماذا جرى استثناء وولي العهد السعودي محمد بن سلمان رغم أنه المدبر الأول لتصفية خاشقجي؟ ولماذا أفلت من قائمة العقوبات الأمريكية التي ضمت 76 شخصا؟!
فولي العهد ليس مدرجا في قائمة "حظر خاشقجي" التي أعلنها وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكين الجمعة 26 فبراير 2021م، وهي العقوبات التي تفرض قيودا على التأشيرات الممنوحة للأجانب "الذين ينفذون أنشطة خطيرة مناهضة للمعارضة خارج الحدود الإقليمية، سواء قمع الصحفيين أو النشطاء أو غيرهم من الأشخاص الذين يُعتقَد أنهم منشقون بسبب عملهم، أو مضايقتهم، أو مراقبتهم أو تهديدهم أو إيذائهم".
ولا شك أن تأكيد جو بايدن أن الأمير محمد وافق على قتل جمال خاشقجي إنهاء واضحا لحقبة الصداقة بين سلفه والزعيم الفعلي للمملكة، ومؤشرا على علاقة مختلفة تماما مع الإدارة الجديدة. لكن الرياض رأت في قرار الامتناع عن معاقبة ولي العهد إثباتاً للنفوذ الذي ما زالت تتمتع به حتى مع المسؤولين المعادين لها. فرغم نبذها، تظل طرفاً فاعلا رئيسيا، وبالنظر إلى ما كان يمكن أن يحدث، كان الشعور السائد في العاصمة السعودية مساء يوم الجمعة هو الارتياح؛ فالتقرير الذي طال انتظاره لم يفعل أكثر من إضافة اسم وكالة المخابرات المركزية إلى النتيجة شديدة الوضوح بأن الأمير محمد أقوى من ألا يأذن بعملية اغتيال نفذها أقرب مساعديه إليه. وفي أروقة السلطة في المملكة، اُعتبر أن هذه الوثيقة دقيقة الصياغة لا تقدم شيئاً لدعم نتيجتها الرئيسية.
وبحسب الجارديان فإن الرياض مارست ضغوطا مكثفة لإقناع الأمريكيين بأن فرض عقوبات على الأمير محمد سيولد قطيعة ويبدو أنها انتصرت اليوم. إذ أقر المسؤولون الأمريكيون بأن تكلفة الإجراءات الصارمة، التي خضعت لدراسة جادة في الأسابيع الأخيرة، باهظة للغاية. وكان الارتياح في البلاط الملكي جليا.

ماذا يريد بايدن؟
وبحسب صحيفة "التايمز" فإن ما يأمله بايدن من هذا القرار يظل نتيجة غير واضحة بدرجة كبيرة حتى الآن. ربما يكون الأمر أنه يريد فقط التأكد من إجبار ولي العهد على التراجع خطوة إلى الوراء والبقاء في موقف المدافع عن نفسه، وأن يصبح أكثر انصياعاً تجاه السياسة الخارجية للولايات المتحدة في المنطقة، لاسيما ضمان موافقة السعودية إذا اقتضت الأمور وعادت الإدارة الأمريكية إلى الاتفاق النووي الإيراني.
ويؤكد مسؤولون رفيعو المستوى في إدارة بايدن أن ثمن تلك الخطوة (معاقبة بن سلمان) باهظ للغاية، حسب الصحيفة الأمريكية، التي لفتت إلى أن هذا الأمر سيخيب آمال مجتمع حقوق الإنسان وأعضاء الحزب الديمقراطي الذين اشتكوا من المعاملة المفضلة لولي العهد السعودي خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق ترامب.
إلا أن مساعدي بايدن أشاروا إلى أنه من الناحية العملية لن تتم دعوة ولي العهد السعودي إلى زيارة الولايات المتحدة في أي وقت قريب. بينما هناك توافق داخل البيت الأبيض على أن ثمن الإضرار بالعلاقات مع السعودية -التي تُعتبر من أهم حلفاء واشنطن في المنطقة- سيكون عاليا للغاية فيما يتعلق بالتعاون بشأن محاربة الإرهاب ومواجهة إيران.
وتضغط العديد من منظمات حقوق الإنسان على إدارة بايدن، من أجل فرض نفس عقوبات السفر -كحد أدنى- على ولي العهد، التي فرضتها إدارة ترامب على الآخرين المتورطين في جريمة قتل خاشقجي.
وترى "نيويورك تايمز" أن قرار بايدن يأتي بعد أسابيع من المناقشات مع فريقه الأمني، الذي توصل لاستنتاجٍ مفاده أنه ليس هناك أي طريق لمنع الأمير محمد بن سلمان من دخول الولايات المتحدة، أو توجيه تهم جنائية إليه دون إلحاق ضرر بالعلاقات مع السعودية.
في السياق، تذهب صحيفة "التايمز" إلى أن بايدن، مثله مثل الرئيس أوباما، يريد إخراج الولايات المتحدة من مستنقع سياسات الشرق الأوسط، الذي بدت الولايات المتحدة في كثير من الأحيان عالقةً فيه. ولطالما اعتقد كلاهما أنه إذا تمكنت السعودية وإيران من تحقيق "نوع من التوازن" لمصالحهما في المنطقة، فسيجعل ذلك رؤساء الولايات المتحدة في المستقبل قادرين على تكريس أنفسهم للعمل على الشؤون الاقتصادية المحلية، والتعامل مع مستجدات التنافس مع روسيا والصين. كما أن الوصول إلى توازن كهذا يعني أن السعودية ستضطلع بـ"دورٍ بنّاء" في تحقيق رؤية واشنطن للعالم، لكن على الجانب الآخر فإن سلوك ولي العهد العدواني واندفاعاته المتهورة، مثل قتل منتقديه على سبيل المثال، يضع هذا التعويل برمته في شك.

هل يتم الانقلاب على بن سلمان؟
وبحسب وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية فإن أحد الاحتمالات أو وجهات النظر التي لا يُصَّرح بها في واشنطن حتى الآن هو السعي إلى عزل الأمير عن منصبه. ففي حين أن بعض "المكاسب" التي حققها بن سلمان في فترته الوجيزة في السلطة، لاسيما المتعلقة بحريات المرأة والانفتاح الاقتصادي يمكن البناء عليها بالنسبة لواشنطن، ولا شك أن زعيما سعوديا أكثر تقليدية يمكن أن يكون خيارا أفضل لتولي زمام الأمور وتخليص الولايات المتحدة من هذا "الحليف المحرج".
وفي هذا السياق، أشار موقع Arab Digest، وهو نشرة إخبارية خاصة تُعنى بشؤون الشرق الأوسط ويعتمدها العديد من الدبلوماسيين السابقين، إلى احتمال أن يضغط بايدن من أجل إطلاق سراح اثنين من خصوم الأمير المعتقلين. والحديث هنا عن "انقلاب" قد يقوده لصالح بايدن الأمير أحمد، عم محمد بن سلمان، والأمير محمد بن نايف، ابن عمه الذي خلعه من منصب ولي العهد في عام 2017. بطبيعة الحال، يبدو هذا الاحتمال مستبعداً من جانب معظم الخبراء في الشأن السعودي، ومن السعوديين أنفسهم، فسلطة الأمير محمد بن سلمان راسخة حاليا داخل المملكة، وقد تمكّن بالفعل من فرض سيطرته على كل أذرع الدولة، بحسب الصحيفة البريطانية.
ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن بايدن يحتاج في كل الأحوال إلى خطة "احتياطية". ففي الغرب يبدو أن مؤيدي التحالف الوثيق بين الولايات المتحدة والسعودية ومعارضي هذا التحالف، على حد سواء، يفترضون أن الرؤساء الأمريكيين بإمكانهم أن "يُملوا على الملوك والأمراء ما يجب عليهم فعله"، لكن الواقع أن الحكام الذين يملكون سلطة مطلقة على بلادهم لهم رأي آخر خلاف ذلك.

Facebook Comments