تشهد السجون وأقسام الشرطة في ظل نظام المنقلب السفاح السيسى تصاعدًا لافتًا في وقائع الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، في سياق يتسم بتراجع ضمانات حقوق الإنسان وغياب آليات رقابية فعّالة. وتوثّق منظمات حقوقية مصرية ودولية نمطًا متكررًا من الانتهاكات، يتراوح بين التعذيب البدني والإهمال الطبي وسوء ظروف الاحتجاز، ما يثير تساؤلات حول استمرار النهج الأمني القائم على الإفلات من العقاب.
أعلنت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان وفاة المحاسب عمرو جميل (38 عامًا)، العامل بمصنع 99 الحربي بحلوان، بعد ساعات من توقيفه في 13 فبراير واحتجازه بقسم شرطة 15 مايو. وذكرت الشبكة أن آثارًا بدت على الجثمان تشير إلى تعرضه للتعذيب، بينها إصابات بالرأس وآثار تقييد في القدم، في حين أرجعت وزارة الداخلية الوفاة إلى مشاجرة داخل الحجز، بينما أفاد تقرير طبي أولي بحدوث سكتة قلبية.
وفي واقعة أخرى، توفي المواطن علي محمود (39 عامًا) داخل قسم شرطة العجوزة بالجيزة، بعد أيام من القبض عليه في قضية حيازة سلاح. وأشار حقوقيون إلى وجود إصابات متعددة في الرأس والصدر والظهر والقدمين، وفق تقرير طبي، بما يعزز الاشتباه في تعرضه لتعذيب سابق للوفاة.
كما نشرت الشبكة مقطعًا مصورًا يُظهر آثار تعذيب وصعق بالكهرباء على جثمان محمود رجب أحمد، الذي توفي أثناء احتجازه بمركز شرطة أوسيم في قضية نفقة، وهي قضية مدنية.
وفي سياق متصل، أفاد مركز الشهاب لحقوق الإنسان بوفاة السجين محمد أبوالعلا أبوسريع (36 عامًا) داخل غرفة التأديب بسجن ليمان أبوزعبل 2، في ظروف وصفت بأنها تثير شبهات حول التعذيب وسوء المعاملة.
اللاجئون والمهاجرون ضمن الضحايا
لم تقتصر الوفيات على المواطنين المصريين، إذ رصدت منظمات حقوقية وفاة ثلاثة مهاجرين سودانيين خلال أسبوعين، عقب احتجازهم على خلفية مخالفات تتعلق بالإقامة.
توفي موسى إبراهيم داخل قسم شرطة العجوزة نتيجة الاختناق وسط تكدس شديد، بحسب إفادات حقوقية، بينما توفي مبارك قمرالدين (67 عامًا) داخل قسم شرطة الشروق بعد تسعة أيام من الاحتجاز، إثر أزمة صحية مرتبطة بمرض السكري، وسط اتهامات بالإهمال الطبي.
كما توفي الطالب السوداني النذير الصادق علي (18 عامًا) بقسم شرطة بدر، بعد 25 يومًا من توقيفه رغم حمله إقامة سارية، وأكدت أسرته أن ظروف الاحتجاز كانت قاسية وغير آدمية.
وفي هذا الإطار، وثّقت منظمة العفو الدولية اعتقال 22 لاجئًا وطالب لجوء بين ديسمبر/كانون الأول 2025 وفبراير 2026، بينهم طفل وامرأتان، في عدة محافظات.
الإسكندرية… شكاوى متكررة من التعذيب
تتزايد التقارير الحقوقية حول أوضاع الاحتجاز في أقسام شرطة الإسكندرية، حيث جرى توثيق وقائع ضرب جماعي وتجريد من الملابس واعتداءات داخل أقسام الدخيلة واللبان وكرموز، وسط غياب رقابة مستقلة فعّالة، بحسب شهادات محتجزين سابقين ومنظمات حقوقية.
شهادات عن مقرات الأمن الوطني
يروي معتقلون سابقون شهادات عن تعرضهم للتعذيب داخل مقرات تابعة لجهاز الأمن الوطني في القاهرة والإسكندرية ومحافظات أخرى، متحدثين عن الصعق بالكهرباء، والتعليق من الأطراف، والتجريد من الملابس في أجواء شديدة البرودة، والتهديد بالاعتداء على ذويهم لإجبارهم على الاعتراف.
انتهاكات خارج أماكن الاحتجاز
امتدت مزاعم الانتهاكات إلى خارج مقار الاحتجاز، حيث تداول ناشطون مقاطع مصورة تظهر اعتداءات على مواطنين في الشارع، بينها واقعة في مدينة الشيخ زايد، وأخرى في بورسعيد وأسوان، إضافة إلى شكاوى من ضغوط واعتداءات على مواطنين لإجبارهم على الإدلاء بشهادات.
الإفلات من العقاب
ينص الدستور المصري في مادته (55) على حظر التعذيب بجميع صوره، كما تلزم المادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الدول بحظر التعذيب وضمان محاسبة مرتكبيه.
وذكرت لجنة مناهضة التعذيب بالأمم المتحدة في تقارير سابقة أن التعذيب في مصر يُمارس بشكل واسع، مع قصور في التحقيق والمساءلة. كما ترى المفوضية المصرية للحقوق والحريات ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان أن غياب المحاسبة وتواطؤ جهات إنفاذ القانون والرقابة المحدودة من البرلمان يسهم في تكريس مناخ يسمح باستمرار الانتهاكات.
في ظل هذا المشهد، تتصاعد دعوات حقوقية لإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في وقائع الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، وتفعيل آليات المساءلة، وضمان امتثال أجهزة إنفاذ القانون للمعايير الدستورية والدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان.
