اندلعت جولة جديدة من التوتر بين باكستان وأفغانستان هذا الأسبوع، ومع تصاعد الاشتباكات الحدودية خرج المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد ليؤكد أن كابول ما تزال تفضّل الحل عبر الحوار رغم احتدام القتال، وفي المقابل، تتبادل الحكومتان الاتهامات حول المسؤولية عن التصعيد، بينما ترتفع حصيلة القتلى من الجانبين إلى عشرات العسكريين والمدنيين.
في خلفية المشهد تظهر تصريحات سياسية متداولة في الإعلام، من بينها حديث عن ضغوط خارجية تتعلق بملف القواعد العسكرية، إضافة إلى انتقادات داخل باكستان حول طريقة تعامل المؤسسة العسكرية مع الملف الأفغاني، كما صدرت تصريحات من القيادة الأمريكية تشيد بالعلاقة مع باكستان، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية المتبادلة على الحدود.
التصعيد الأخير شمل غارات جوية باكستانية داخل الأراضي الأفغانية، وردًّا أفغانيًا على مواقع حدودية، بينما أعلنت إسلام آباد أنها استهدفت مواقع تصفها بأنها تابعة لجماعات مسلّحة، في حين تؤكد كابول أن عملياتها تأتي ردًا على اعتداءات سابقة. وترافق ذلك مع مواقف إعلامية متباينة، بعضها يحمّل باكستان مسؤولية بدء الهجمات، وبعضها ينتقد ردّ أفغانستان، فيما يعبّر آخرون عن قلقهم من سقوط ضحايا مدنيين في شهر رمضان.
وتبرز في النقاشات أصوات تدعو إلى التهدئة، معتبرة أن استمرار القتال بين بلدين تجمعهما روابط دينية وتاريخية لا يخدم الاستقرار الإقليمي، وأن الخسائر البشرية المتزايدة تجعل الحاجة إلى وساطة وحوار أكثر إلحاحًا، كما يشير بعض المعلقين إلى أن انشغال الدولتين بصراع حدودي يفتح الباب أمام مزيد من التوترات ويصرف الأنظار عن تحديات إنسانية وأمنية أكبر في المنطقة.
في ظل هذا المشهد المعقّد، تبدو الدعوات إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة الحوار مطلبًا متكررًا، مع التأكيد على أن حماية المدنيين واحترام الحدود وتخفيف التوترات هي خطوات ضرورية لتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
الباحث سيف دويدار Saif Dewidar أشار إلى أسباب عشرة للتعاطف مع أفغانستان في الأزمة مع باكستان:
بدء العدوان وانتهاك السيادة
القصف الباكستاني على ننكرهار وبكتيكا مثّل انتهاكًا مباشرًا لسيادة أفغانستان، بينما لم تُعامل أفغانستان بالمعايير نفسها التي تُعامل بها دول أخرى عند الحديث عن السيادة، ما خلق شعورًا بالازدواجية والظلم.
جذور النزاع البشتوني وخط ديورند
البشتون شعب واحد قُسّم بخط ديورند بين قندهار وبيشاور، الامتداد البشتوني الطبيعي يشمل خيبر بختون خوا ووزيرستان وسوات وكويتا. هذا الإرث التاريخي يجعل أي صدام بين كابل وإسلام آباد صدامًا داخل المجال البشتوني نفسه.
إرث 2007 وتشكّل طالبان باكستان
اقتحام المسجد الأحمر، والاغتيالات، وضربات الطائرات بدون طيار، كلها صنعت مظلومية بشتونية داخل باكستان، الجيش الباكستاني يستخدم التصعيد مع كابل لإرسال رسالة ردع للبشتون في الداخل، وللهروب من مسؤولية سياساته السابقة.
فكّ التبعية الاقتصادية لباكستان
أفغانستان كسرت احتكار باكستان للمنافذ البحرية عبر ميناء تشابهار الإيراني، ورفعت تجارتها مع إيران إلى 5 مليارات دولار، بينما تراجعت تجارة باكستان. كما تعمل كابل على فتح طرق بديلة عبر آسيا الوسطى وتركيا، في محاولة لكسر العزلة الجيوسياسية.
باكستان كدولة وظيفية
النفوذ البريطاني–الأمريكي–السعودي–الصيني المتشابك يجعل باكستان دولة وظيفية أكثر من كونها مستقلة القرار. الجيش الباكستاني يستخدم الملف الأفغاني كأداة سياسية داخلية، خصوصًا بعد عودة شهباز شريف وتحالفه مع زرداري.
تقاطع المصالح مع إيران
رغم الخلافات، أعلنت كابل أنها لن تقف متفرجة إذا ضُربت إيران، لأن طهران هي شريانها التجاري الأول، ولأن أفغانستان تبحث عن اعتراف سياسي من روسيا والصين. هذا الموقف يعكس براغماتية جديدة تهدف لكسر العزلة.
الحياد الصيني البارد
الصين تماطل في الاستثمار في الليثيوم الأفغاني، وتفضّل باكستان كحارس لممراتها الاقتصادية، تخشى بكين من الأيديولوجيا الإسلامية وتأثيرها على الإيغور، وترى في أفغانستان ساحة غير مستقرة. لذلك تترك كابل وحيدة أمام الضغوط.
إرث عمران خان وصراع البشتون مع الجيش
خطاب عمران خان المؤيد لحقوق البشتون وضعه في مواجهة المؤسسة العسكرية، اليوم، حتى خصومه مثل فضل الرحمن ينتقدون الجيش، الأزمة الحالية تكشف أزمة شرعية داخل الجيش الباكستاني ومحاولة للهروب من الانهيار الداخلي عبر خلق عدو خارجي.
المفارقة الروسية
روسيا التي حاربت الأفغان سابقًا أصبحت أكثر تفهمًا لهم من باكستان، موسكو ترى في كابل حاجزًا ضد داعش خراسان، وتفتح قنوات اقتصادية وأمنية معها. في المقابل، باكستان تقصف جارتها التي طالما ادّعت احتضانها.
معركة كسر الوصاية الإقليمية
أفغانستان تخوض معركة وجودية لكسر لعنة الجغرافيا والخروج من فلك القوى الكبرى: باكستان، أمريكا، الصين، إيران، روسيا، ما يحدث ليس مجرد نزاع حدودي، بل صراع على حق أفغانستان في أن تكون دولة مستقلة القرار لأول مرة منذ عقود.
أكذوبة تحالف أفغانستان والهند
الكاتب والمحلل السياسي عز الدين الكومي وعبر Ez Elkomy كتب مقالا بعنوان "أفغانستان وباكستان.. حرب لا منتصر فيها إلا الشيطان" أوضح أن ما يجري اليوم على حدود أفغانستان وباكستان في هذا اليوم من رمضان (27 فبراير 2026) يوجع القلب قبل أن يوجع الأرض، الانفجارات تهز الجبال، والدماء تسيل بين مسلمين تجمعهم العقيدة، بينما يتحول التوتر المزمن إلى مواجهة مفتوحة: غارات جوية باكستانية على كابل وقندهار وباكتيا، وردّ أفغاني واسع عبر خط ديورند، وتصريحات متبادلة تتحدث عن “حرب مفتوحة” وعمليات “هجومية كبيرة”.
وأشار إلى أن هذا الصراع ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لجرح قديم يعود إلى خط ديورند الذي رسمه الاستعمار البريطاني، وإلى اتهامات باكستان بأن أفغانستان تؤوي من يهدد أمنها، خصوصًا حركة TTP التي صعّدت هجماتها داخل باكستان في السنوات الأخيرة. في المقابل، ترى كابل أن الغارات الباكستانية انتهاك صارخ لسيادتها، وأن الدفاع عن أراضيها حق لا يمكن التنازل عنه.
ورأى أن المشهد تتداخل فيه روايات سياسية متبادلة، منها اتهام باكستان بأن أفغانستان أصبحت “ورقة هندية”، وهو اتهام يتكرر كلما توترت العلاقة بين إسلام آباد ونيودلهي، خاصة مع تحسن نسبي في التواصل بين طالبان والهند. لكن هذا الادعاء يبقى محل جدل واسع، إذ لا دليل علني قاطع عليه، ويبدو جزءًا من تفسير باكستان لضغوطها الداخلية والأمنية.
واعتبر أن ما يؤلم حقًا ليس التحليل السياسي، بل صورة مسلم يقتل مسلمًا في نهار رمضان. أفغانستان التي صمدت أمام الإمبراطوريات الكبرى، تجد نفسها اليوم في مواجهة جارة مسلمة، وباكستان التي احتضنت ملايين الأفغان لعقود، تقف اليوم في مواجهة من تربطها بهم أخوة الدين والدم والتاريخ. النتيجة واحدة: دماء تُراق، أسر تُفجع، واقتصادان يزدادان انهيارًا، وشعوب تُدفع نحو الفقر والنزوح.
وحذر بسياق النصوص الشرعية لتذكّر بخطورة هذا المشهد؛ فالنبي ﷺ حذّر من اقتتال المسلمين، والقرآن أمر بالإصلاح بين المتخاصمين، لا بالتحريض ولا بالصمت. ومع ذلك، يغيب صوت الإصلاح الحقيقي: لا وساطات فعّالة، ولا تحركات دبلوماسية جادة، ولا مبادرات من العلماء والحكماء لوقف النزيف، كان المنتظر أن تتحرك دول كالسعودية وقطر وتركيا لاحتواء الأزمة كما فعلت سابقًا، وأن تُرفع أصوات واضحة تحرّم الاقتتال وتدعو للحوار.
وقال "الكومي": إن "الانشغال بقضايا الأمة الكبرى لا يبرر الصمت عن دماء تُسفك بين إخوة، وعلى قادة البلدين وشعوبهما أن يدركوا أن الحل لن يكون في السلاح، بل في العودة إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وفي حوار يعالج جذور الأزمة: احترام السيادة، تعاون أمني منضبط، وحل حكيم لقضية ديورند بعيدًا عن لغة القوة".
الباحث والمحلل عبدالله السحيم قال: إن "ما أشعل التوتر بين باكستان وأفغانستان حتى امتلأت المنصات بخطابات حادة، كل طرف يهاجم الآخر بثقة مطلقة وكأن الحقيقة ملكٌ لفريق واحد، تُختزل الأزمة في اتهامات جاهزة: من يقول إن كابول تميل للهند وإيران، ومن يردّ بأن إسلام آباد بعد إقصاء عمران خان أصبحت أقرب لواشنطن، هذه القراءة السريعة تُغفل تعقيدات الواقع، وتحوّل صراعًا مركّبًا إلى شعارات متبادلة".
في باكستان، المشهد أكثر تعقيدًا من مجرد “ميلٍ للغرب”، فهي دولة نووية بنت جزءًا كبيرًا من قوتها بجهد علمائها، وخاضت صراعًا طويلًا مع الهند، وتعرف أن تل أبيب جزء من معادلة التسلح في جنوب آسيا. ومع ذلك، حافظت على توازن دقيق بين الصين والولايات المتحدة، لا تقطع مع طرف ولا تخضع بالكامل لآخر، بل تناور وفق مصالحها وضروراتها الداخلية.
وأفغانستان بدورها خرجت من حرب طويلة مثقلة بالجراح، لكنها لم تخرج بلا إرادة، وجدت نفسها محاصرة بالعقوبات، فاضطرت لفتح قنوات مع إيران وروسيا والهند، هذه ليست تحالفات أيديولوجية، بل محاولات للبقاء في بيئة دولية قاسية، وكما لا يُلام الباكستانيون على براغماتيتهم لتجنب العقوبات، لا يصح أن تُلام كابول على بحثها عن متنفس اقتصادي وسياسي.
https://www.facebook.com/photo?fbid=2669937120053995&set=a.196143930766672
