إبعاد 10 ملايين مواطن من الدعم التمويني.. الأكبر وسط مسكنات واهية تخفي عجزاً بنيوياً

- ‎فيتقارير

تتجه حكومة السيسي إلى أكبر إعادة هيكلة لمنظومة الدعم منذ تأسيسها، بعد أن انتهت إلى ضم الخبز إلى باقي السلع التموينية، بحيث يُباع بالسعر الحر عبر بطاقة موحدة، مع بدء تطبيق نظام الدعم النقدي. وقد ظهر هذا التوجه خلال اجتماع ضم المتحدث باسم وزارة التموين والاتحاد العام للغرف التجارية، حيث جرى تأكيد أن الخبز لن يبقى سلعة مدعمة، بل سيُعامل مثل الزيت والسكر والمكرونة.

ووفقًا لمصدر حزبي مطلع تحدث لموقع “مدى مصر”، فإن تطبيق النظام الجديد سيشمل استبعاد ما لا يقل عن 10,000,000 مستفيد حالي من البطاقات التموينية، وهو ما يمثل أكبر عملية رفع دعم في تاريخ مصر الحديث.

 

استبعاد عشرة ملايين مواطن

ويعني هذا التحول أن الدولة ستتوقف عن بيع السلع التموينية بأسعار منخفضة، وهو ما يلغي الحاجة إلى التفتيش على البدالين التموينيين، لأن السلع ستباع بالسعر الحر، وليس بالسعر المدعم.

ويؤدي ذلك عمليًا إلى تفريغ منظومة التموين من مضمونها الاجتماعي، وتحويلها إلى مجرد قناة توزيع تجارية، مع منح المواطنين مبالغ نقدية محدودة لا تتناسب مع معدلات التضخم ولا مع ارتفاع الأسعار.

ويشير مصدر “مدى مصر” إلى أن الحكومة تعتبر أن “تنقية البطاقات” ضرورة مالية، لكنها في الواقع تمثل رفعًا للدعم عن ملايين الأسر التي تعتمد على التموين كشبكة أمان غذائي.

 

وعود رسمية وانتقادات شعبية

وأعلن الذراع الإعلامية أحمد موسى أن “المواطن سيحصل على دعم نقدي قدره 220 جنيهًا شهريًا”، مؤكدًا أن المبلغ سيُصرف عبر بطاقة إلكترونية موحدة. لكن هذا الرقم أثار موجة واسعة من الانتقادات، إذ وصفه معلقون بأنه “دعم للموت جوعًا”، في ظل تضخم تجاوز 30% سنويًا، وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة. ويرى منتقدون أن هذا المبلغ لا يغطي تكلفة أسبوع واحد من السلع الأساسية، فضلًا عن شهر كامل.

وفي ذات السياق، يرى بعض المؤيدين أن الدعم النقدي أكثر عدالة، وأن الدعم العيني يستفيد منه غير المستحقين. ومن بين هؤلاء الدكتور أسامة حفني، الذي كتب في الخامس من يونيو أن “سبعين مليونًا يحصلون على دعم الخبز، وليس كلهم مستحقين، وستون مليونًا يحصلون على دعم الزيت والسكر، وليس كلهم مستحقين”. ويؤكد حفني أن إعادة توزيع الدعم على المستحقين فقط قد ترفع نصيب الفرد إلى ما بين 450 و600 جنيه شهريًا، بدلًا من 295 جنيهًا يحصل عليها الفرد حاليًا عبر الخبز والسلع التموينية.

ويحصل الفرد على 150 رغيفًا شهريًا بدعم قدره 1.30 جنيه للرغيف، بإجمالي 195 جنيهًا، إضافة إلى دعم السلع التموينية الذي يقدره بنحو 100 جنيه. ويرى أن إعادة توزيع الدعم على الفئات الأكثر احتياجًا قد تضاعف نصيب الفرد، لكن هذه الحسابات تتجاهل أثر التضخم، وتراجع قيمة الجنيه، وارتفاع أسعار السلع الأساسية.

 

التحول إلى الدعم النقدي الكامل

ويكشف تقرير “مدى مصر” أن الحكومة تعتبر أن الدعم النقدي هو المرحلة الأخيرة في خطة بدأت منذ عام 2016، حين بدأت عملية “تنقية البطاقات”. ويشير التقرير إلى أن الحكومة ترى أن الدعم العيني مكلف وغير فعال، وأن التحول إلى الدعم النقدي سيقلل الهدر. لكن التقرير يؤكد أن هذا التحول سيؤدي إلى رفع الدعم فعليًا عن ملايين المواطنين، لأن المبالغ النقدية لن تواكب ارتفاع الأسعار.

 

أرقام الدعم ترتفع اسميًا وتنخفض فعليًا

في أغسطس 2025، أصدر فريق “متصدقش” تقريرًا فند فيه ادعاءات الحكومة بشأن “توسيع مظلة الحماية الاجتماعية”. فقد أشار التقرير إلى أن الحكومة قارنت بين مخصصات الدعم في موازنة 2014/2015 وموازنة 2025/2026، وأظهرت زيادة بنسبة 306% في دعم السلع التموينية، من 39.4 مليار جنيه إلى 160 مليار جنيه. لكن هذه الزيادة تبدو خادعة عند مقارنتها بالتضخم التراكمي للطعام والشراب خلال الفترة نفسها، والذي بلغ 552.8% وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

 

زيادة 306% مقابل تضخم 552.8%

ويعني ذلك أن القيمة الحقيقية للدعم انخفضت، رغم الزيادة الرقمية في المخصصات. كما يكشف التقرير أن قيمة دعم التموين بالدولار انخفضت من 5.53 مليار دولار في موازنة 2014/2015 إلى 3.3 مليار دولار في موازنة 2025/2026، بسبب تراجع قيمة الجنيه وارتفاع سعر الصرف.

ويشير التقرير إلى أن عجز الميزان التجاري بلغ 49.9 مليار دولار في عام 2024، وأن ارتفاع سعر الصرف أدى إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، ما جعل الدعم أقل فعالية. كما أن دعم السلع التموينية المصروف شهريًا ظل ثابتًا عند 50 جنيهًا للفرد منذ يونيو 2017، رغم تضاعف أسعار السلع نفسها.

 

الخبز المدعم: رفع السعر 300% وتخفيض الوزن 31%

وشهد الخبز المدعم تغييرات جذرية خلال السنوات الماضية. فقد رفعت الحكومة سعر الرغيف من 0.05 جنيه إلى 0.20 جنيه في مايو 2024، بنسبة زيادة بلغت 300%، وهي أول زيادة منذ 36 عامًا. كما خفضت وزن الرغيف من 130 جرامًا في عام 2014 إلى 90 جرامًا في عام 2020، بنسبة تخفيض بلغت 31%.

 

حصة المواطن من الخبز: خمسة أرغفة بوزن ثلاثة ونصف فقط

وأدى هذا التخفيض إلى تراجع حصة المواطن اليومية من الخبز المدعم من 650 جرامًا إلى 450 جرامًا. ويعني ذلك أن المواطن الذي يحصل على 5 أرغفة يوميًا يحصل فعليًا على ما يعادل 3.5 رغيف فقط مقارنة بما كان يحصل عليه قبل أحد عشر عامًا.

 

توسع في عدد الأسر لا في قيمة المعاش

يشير منشور الحكومة إلى أن مخصصات معاشي “تكافل وكرامة” ارتفعت من 6.7 مليار جنيه في موازنة 2014/2015 إلى 54 مليار جنيه في موازنة 2025/2026، بزيادة تتجاوز 700%. لكن هذه الزيادة جاءت نتيجة توسع عدد الأسر المستفيدة، وليس نتيجة زيادة حقيقية في قيمة المعاش.

وارتفع عدد الأسر من 2,000,000 أسرة إلى 4,700,000 أسرة، بنسبة زيادة بلغت 135%، وفق تصريحات رئيس حكومة السيسي مصطفى مدبولي. أما قيمة المعاش نفسها فقد ارتفعت من 350–550 جنيهًا في عام 2015 إلى 900 جنيه في عام 2025، بنسبة زيادة 157.1%، وهي أقل بكثير من التضخم التراكمي العام الذي بلغ 428%. وعند حساب المعاش بالدولار، يتضح أن قيمته الحقيقية انخفضت من 45.9 دولارًا شهريًا إلى 18.5 دولارًا فقط.

 

مسكن اقتصادي يخفي عجزًا بنيويًا

تكشف هذه الأرقام مجتمعة أن التحول إلى الدعم النقدي ليس إصلاحًا اقتصاديًا بقدر ما هو محاولة لتخفيف الضغط على الموازنة العامة عبر تقليص عدد المستفيدين، وتخفيض القيمة الحقيقية للدعم، وتحويله إلى مبلغ ثابت لا يتغير مع التضخم. كما أن استبعاد 10,000,000 مواطن سيؤدي إلى تقليص عدد المستفيدين من 72,000,000 إلى 62,000,000 فقط.