تقليص الكميات المدعمة بزعم ترشيد الإنفاق.. ألبان الأطفال عملة صعبة والرضع فى خطر

- ‎فيتقارير

ألبان الأطفال أصبحت عملة صعبة فى زمن الانقلاب.. الآباء والآمهات يتكبدون جهدا كبيرا ورحلة شاقة من أجل الحصول على علبة واحدة لإنقاذ حياة الرضع حتى لا يكون مصيرهم الموت جوعا بعد أن جفت ينابيع الحليب لدى الأمهات، فقراً أو قهراً أو ضعفاً عاماً يجعلهن عاجزات عن إرضاع أبنائهن ليصبح الحصول على علبة لبن صناعى هو الأمل.. هو إكسير الحياة الذى دونه الهلاك.

اللبن المدعم لم يعد له وجود وغالبا ما تنتهى جولات البحث عنه بالفشل حيث تقلص حكومة الانقلاب الكميات التى توزع فى الوحدات الصحية بزعم ترشيد الإنفاق دون اعتبار لحياة الصغار الأبرياء .

 

طابور طويل

حول هذه المأساة كشفت أم ملك بائعة خضار بقرية منيل شيحة عن معاناتها مع الحصول على علبة لبن وقالت: بعد ولادتى فى مستشفى قصر العينى تعرضت لمضاعفات صحية، ودخلت الرعاية، وهناك صرفوا لبنتى لبن أطفال لأننى لم أكن قادرة على الرضاعة.

وأضافت أم ملك : بعد خروجى بدأت رحلة المعاناة، ذهبت إلى الوحدة الصحية فى قريتى فقالوا لى إن الصرف من وحدة المنوات، وعندما ذهبت هناك طلبوا إجراءات وفحصاً طبياً، وأوراقاً كثيرة حتى أتمكن من صرف اللبن.

وتابعت : كل شهر لازم أروح أقف فى طابور طويل، والكمية اللى باخدها ما بتكفيش بنتى، ولم أستطع الصرف بعد ذلك، وطفلتى كانت ضعيفة والدكتور كتب لها نوع لبن سعره غالٍ جداً، وأنا مقدرش اشتريه، ساعات أضطر أدور على حد يجيبه بسعر أقل، لأن مفيش بديل، والبنت لازم تشرب لبن.

 

رحلة شاقة

وأكدت ليلى أم طفل لم يكمل شهره السادس، أن معاناتها تتكرر مع كل موعد لصرف اللبن المدعم، قائلة إن الحصول على العبوات أصبح رحلة شاقة بين الطوابير والإجراءات.

 وعن معاناة آلاف الأمهات قالت : لازم يكون فيه حل لبن الأطفال مش رفاهية، ده ضرورة عشان يعيش أطفالنا.

 

تكلفة مالية مرتفعة

من جانبه أكد أخصائى طب الأطفال، الدكتور هانى نبيل، أن الوضع الاقتصادى للأسرة المصرية يتأثر بشكل واضح بارتفاع أسعار ألبان الأطفال، موضحاً أن هناك مشكلتين أساسيتين تواجهان الأسر، الأولى تتعلق بالتكلفة المالية المرتفعة، والثانية تتمثل فى نقص بعض الأنواع أحياناً.

وقال نبيل فى تصريحات صحفية إن اللبن الصناعى يمثل البديل الأساسى للبن الأم فى حالات عديدة، منها ضعف إدرار اللبن لدى الأم، أو توقفه تماماً، أو إصابة الأم بأمراض تمنعها من الرضاعة الطبيعية، موضحا أن اللبن الصناعى يستخدم فى بعض الأحيان كمكمل غذائى إلى جانب الرضاعة الطبيعية عندما لا تكفى احتياجات الطفل الغذائية.

وأضاف أن الأطباء يحاولون مراعاة الظروف الاقتصادية للأسر عند وصف أنواع الألبان، ففى حال كانت الأنواع مرتفعة السعر يتم ترشيح بدائل أقل تكلفة تؤدى الغرض نفسه.

وشدد نبيل على أن استمرار توافر ألبان الأطفال بأسعار مناسبة يمثل ضرورة صحية واجتماعية، لأن أى نقص أو ارتفاع كبير فى الأسعار ينعكس مباشرة على صحة الأطفال ونموهم.

 

إنزيم اللاكتيز

وأكدت الدكتورة انتصار سعد، مدرس الكيمياء الحيوية والتغذية بكلية البنات جامعة عين شمس، أن إنشاء مصانع لإنتاج ألبان الرضع داخل مصر خطوة بالغة الأهمية على المستويين الاقتصادى والصحى.

وقالت انتصار سعد في تصريحات صحفية إن التصنيع المحلى سيوفر لدولة العسكر مبالغ كبيرة يتم إنفاقها سنوياً على الاستيراد، ما يسهم فى ترشيد استخدام العملة الأجنبية وتحسين المؤشرات الاقتصادية.

وأشارت إلى أن بعض الأطفال يولدون وهم يعانون مشكلات صحية تتطلب الاعتماد على أنواع خاصة من الألبان الصناعية، مثل الأطفال المصابين بنقص إنزيم اللاكتيز المسئول عن هضم سكر اللاكتوز الموجود فى اللبن الطبيعى، وهى الحالة المعروفة باسم «عدم تحمل اللاكتوز».

وكشفت انتصار سعد أن بعض الأمهات قد يعانين أمراضاً أو ظروفاً صحية تمنعهن من إرضاع أطفالهن طبيعياً، أو من سوء تغذية يؤدى إلى ضعف إدرار اللبن، وهو ما يجعل الاعتماد على الألبان الصناعية ضرورة لا غنى عنها فى كثير من الحالات.

واعتبرت أن توطين هذه الصناعة يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق الأمن الغذائى، وضمان توافر منتجات آمنة ومطابقة للمواصفات للأطفال المصريين دون الاعتماد الكامل على الأسواق الخارجية.

 

فجوة واضحة

وقال خبير الثروة الحيوانية الدكتور حمدى الحبشى، إن صناعة ألبان الأطفال تعد من أكثر الصناعات الغذائية تعقيداً، نظراً لاعتمادها على تكنولوجيا متقدمة ومعايير صارمة تضمن أعلى درجات النقاء والسلامة الغذائية، بما يُناسب احتياجات الرضع، وهو ما يجعل تكلفة إنشائها وتشغيلها مرتفعة مقارنة بالعديد من الصناعات الغذائية الأخرى.

وأوضح الحبشى في تصريحات صحفية أن مصر لا تزال تعانى فجوة واضحة بين حجم إنتاج الألبان المحلى والاحتياجات الاستهلاكية، الأمر الذى يدفعها إلى استيراد كميات كبيرة من الألبان ومنتجاتها لتلبية الطلب المتزايد فى السوق.

وأضاف أن جهود تطوير قطاع الألبان، خاصة فيما يتعلق بمراكز تجميع الألبان وعمليات التداول والتخزين، تسير بوتيرة أبطأ من المطلوب، مشيراً إلى أن استجابة بعض المنتجين وتجار الألبان لبرامج التطوير والتحديث ما زالت محدودة.

 

عبء اقتصادي

وأكد الحبشى أن الأولوية الحقيقية يجب أن تنصب على تطوير منظومة جمع ونقل وتصنيع الألبان، موضحاً أن جزءاً كبيراً من هذه العمليات لا يزال يدار بأساليب تقليدية تفتقر إلى المعايير القياسية الحديثة ومتطلبات السلامة الغذائية، رغم التطور الكبير الذى شهدته هذه الصناعة فى العديد من دول العالم.

وأشار إلى أن استمرار الاعتماد على استيراد ألبان الأطفال يمثل عبئاً اقتصادياً متزايداً على دولة العسكر، فى ظل الحاجة إلى توفير كميات كبيرة من المنتج على مدار العام لتلبية احتياجات السوق المحلية، مشددا على ضرورة الإسراع فى تطوير قاعدة إنتاج محلية قادرة على تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الأمن الغذائى.