أحال الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات الاثنين 10 أغسطس 2026، الشركات المقدمة لخدمات المحمول الأربعة إلى النيابة العامة، موضحًا أن ذلك جاء في إطار التعاون المستمر والدائم بينه وبين "النيابة"، في كافة المخالفات القانونية والتنظيمية، وفي ضوء ما قام به من إجراءات فحص وتفتيش للشكاوى الواردة إليه خلال اليومين الماضيين.
وجاءت الإحالة بعد أيام من انتشار شكاوى عملاء شركات المحمول، من اكتشافهم خطوط مسجلة باسمائهم لا يعلمون عنها شيئًا، وهو ما أثار قلقهم؛ خاصةً لتزامن المشكلة مع الحكم على أحد الأشخاص بالسجن المؤبد، في قضية تهريب مخدرات، قال المتهم فيها إنه تورط بها بسبب تسجيل خط باسمه لا يخصه.
وترصد منصة "#متصدقش" في التقرير التالي، جذور أزمة تسجيل خطوط الهاتف المحمول بأسماء مواطنين دون علمهم، وأسباب استمرارها، وتوضح المسئولية القانونية المترتبة على تسجيل الشريحة باسم شخص في حال استخدامها في ارتكاب جريمة من جانب آخر.
أزمة ممتدة منذ 29 عامًا
خلال تصريحات إعلامية لرئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، أحمد بدوي، أوضح أن بعض المواطنين اكتشفوا خطوطًا مسجلة بأسمائهم تعود إلى سنوات طويلة، تمتد بين عامي 1997 و2018. وتتبع "#متصدقش" لأرشيف الأخبار يُظهر جذور قديمة للأزمة بالفعل، في عام 2010 على سبيل المثال، انتقد رئيس لجنة "النقل والمواصلات" بمجلس الشعب حينها حمدي الطحان، "عجز الحكومة عن مواجهة ظاهرة الخطوط مجهولة البيانات التي تكاد تفسد حياة المصريين، بحسب تعبيره، وألزمت حينها وزارة الاتصالات المشتركين بتحديث بياناتهم وإلا سيتم وقف هذه الخطوط.
وفي عام 2014 برزت مشكلة أكبر، وهي إصدار خطوط دون بيانات؛ إذ جرى استخدام صور بطاقات مواطنين في تسجيل خطوط لأشخاص آخرين من خلال عدد من الموزعين. لكن "القومي لتنظيم الاتصالات" وضع ضوابط لبيع الخطوط أهمها بيع خطوط التليفون المحمول من خلال الفروع المعتمدة للشركات وموزعين معتمدين، وتقديم عددٍ من المستندات هي "بطاقة الرقم القومي ـ ومستند آخر مثل إيصال كهرباء أو إيصال غاز للعميل".
وفي مايو 2015، ذكر "القومي لتنظيم الاتصالات"، أنه نفذ ضبطيات قضائية بالتعاون مع وزارة الداخلية أسفرت عن ضبط ما يقرب من 28 ألف خط مخالف. بالإضافة إلى وجود صور عديدة من بطاقات الرقم القومي بكميات ضخمة، ما كشف تلاعب الموزعين في بيع الخطوط الجديدة للالتفاف حول المنظومة الإلكترونية الجديدة لبيع خطوط المحمول التي وضعها الجهاز، وحددت بيع شريحة واحدة فقط على بطاقة الرقم القومي من خلال الموزعين.
وأعلنت وزارة الاتصالات بحلول يناير 2016 فصل 19 مليون خط مجهول الهوية خلال نحو عامين، كما جرى تعديل علاقة الشركات بالموزعين بحيث تصبح مسؤولية صحة بيانات المشترك مشتركة بين شركة المحمول والموزع.
لكن المشكلة لم تنته، ففي عام 2018، عاد الحديث عن تلاعب بعض التجار ببيانات العملاء، ودرس الجهاز استخدام "البصمة الإلكترونية"، عند تسجيل الخطوط، وأوضح التقرير المنشور وقتها أن المشكلة لم تعد بالضرورة خطوطًا "بلا بيانات"، وإنما خطوط تحمل بيانات غير صحيحة.
وفي يونيو 2023، بدت الأزمة أكبر من ذلك، عندما تحدثت وكيلة لجنة الاتصالات بمجلس النواب آنذاك مرثا محروس، عن أن أصل أزمة بيانات خطوط الهاتف المحمول، يعود إلى عملية تحرير العقود نفسها داخل شركات المحمول، وقالت إن هناك مواطنين وجدوا أنفسهم محكوم عليهم بالحبس بشهر وشهرين وكل ذلك بسبب تحقيق موظفي الاتصالات للمستهدف بكتابة العقود بأرقام مكررة ووهمية.
مصدر نيابي مطّلع على الملف، أوضح لـ"#متصدقش"، أن إحالة "القومي لتنظيم الاتصالات" شركات الاتصالات اليوم إلى النيابة العامة، جاء بعدما رصد تقاعسًا منهم في معالجة أسباب انتشار ظاهرة الخطوط المسجلة بدون علم أصحابها، رغم رصد تلك المشكلة منذ سنوات طويلة، لافتًا إلى أن ممثلي "القومي لتنظيم الاتصالات"، ووزير الاتصالات رأفت هندي بصدد عقد لقاء مع أعضاء مجلس النواب.
ديلرات الخطوط
تحدثت "متصدقش" إلى مصدرين عملا سابقًا في شركتين مختلفتين للاتصالات – نتحفظ على ذكر اسمهما- في قطاعات بعيدة عن المبيعات لكنهما أشارا إلى أن طبيعة عملهما أتاحت لهما معرفة آلية بيع وتسجيل خطوط الهواتف المحمولة.
أوضح المصدر الأول الذي كان يعمل بإحدى شركات الاتصالات، أن ضعف الإقبال على شراء الخطوط قرب نهاية الشهر، يدفع مديرو الفروع إلى التعامل مع أشخاص وصفهم بـ"ديلرات الخطوط"، حيث يوفر هؤلاء "الديلرات" بطاقات رقم قومي من أشخاص على صلة بهم، ثم يحصل "الديلر" على هذه الخطوط لإعادة بيعها بأسعار أقل: "يبقوا جايبينلهم مثلاً خمس بطائق ست بطائق تخص ناس تبعهم أو ناس ضمنوا إنهم مش يعملوا مشاكل يعني أو مجهولة، ودول يعملوا عليهم بطائق في آخر الشهر كل بطاقة بتاع 10 خطوط ".
ووصف المصدر الثاني صورة قريبة من ذلك في بعض نقاط البيع الموجودة في الشوارع أو محطات المترو، قائلًا إن شخصًا قد يستخدم بطاقة أحد معارفه لاستخراج عدد من الخطوط، يحتفظ صاحب البطاقة بأحدها بينما تذهب بقية الخطوط إلى شخص آخر لإعادة بيعها متجاوزًا كل الإجراءات.
سوق على فيسبوك لبيع الخطوط
كما رصد فريق "#متصدقش"، سوقًا لإعادة بيع خطوط هواتف محمولة يبيعها أشخاص مجهولون عبر فيسبوك، يزعم بعضهم إمكانية بيع الخطوط من دون تسجيل أو تقديم بطاقة رقم قومي أو بيانات شخصية، مع توفير خدمة التوصيل مجانًا. وتُظهر الصور المرفقة بعدد من هذه الإعلانات خطوطًا تبدو غير مستخدمة من قبل، إذ ظهرت في عبواتها الأصلية وبحالتها الجديدة، مع أرقامها المدونة على الأغلفة.
وعبر تواصل "#متصدقش" مع مدير أحد هذه الحسابات، التي تعرض خطوطًا تابعة لإحدى شركات الاتصالات، قالت المسئولة عن العرض إن استخراج الخط يتطلب وجود بطاقة رقم قومي سارية ورفع بياناتها على نظام الشركة وقت استلام الخط من مندوب تابع للشركة يصل إلى باب المنزل، وفق قولها.
لكن الأخطر في حديثها ما أوضحته لاحقًا، مشيرة إلى أن حضور صاحب البطاقة نفسه ليس ضروريًا، وأن شخصًا آخر يمكنه استلام الخط باستخدام بطاقته، وعند سؤالها عن توقيع العقد في غياب صاحب البطاقة، أكدت أكثر من مرة أن الشخص الموجود ومعه البطاقة يمكنه التوقيع على العقد باسم صاحبها، قائلة: "أي حد يكون مع البطاقة"، وتُضيف "أي حد يمضي طالما إنت مش قاعد، بس أهم حاجة البطاقة".
وفي تواصل آخر، قال أحد البائعين إنه يوفر خطوطًا لإحدى شركات الاتصالات، نتحفظ على ذكر اسمها، من دون الحاجة إلى تقديم بطاقة رقم قومي أو تسجيل بيانات المشتري، وعند سؤاله عما إذا كانت الخطوط تُسلم جاهزة للاستخدام من دون طلب بطاقة أو استكمال إجراءات تسجيل لاحقًا، أكد أن الخط يكون مفعّلًا وجاهزًا عند الاستلام، بحسب قوله، وهو ما يتعارض مع القواعد التنظيمية لبيع شرائح التليفون المحمول للأفراد التي وضعها الجهاز القومي للاتصالات عبر موقعه الرسمي، التي تنص على أن التعاقد على شريحة محمول يستلزم حضور العميل شخصيًا للتوقيع على أصل العقد واستلام نسخته.
ضغوط "التارجت".. شرائح اشتراها أصحابها ولا يعلمون عنها شيئًا
وإلى جانب بيع الخطوط دون بأسماء غير ملاكها الأصليين، أشار المصدران اللذان عملا في شركتين مختلفتين للاتصالات، إلى سبب آخر أسهم في ظهور العديد من الخطوط التي لا يعلم أصحابها عنها شيئًا، عبر تطبيق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.
حيث اتفق المصدران على أن ضغط تحقيق "التارجت" ببيع عدد محدد من الخطوط والمحافظ الإلكترونية في الشهر كان عاملًا حاضرًا في بعض الممارسات المتعلقة ببيع الخطوط داخل الفروع.
ويشير إلى ذلك المصدر الأول، مضيفًا أن أسلوب البيع المعتاد هو زيادة عدد الخطوط التي يحصل عليها العميل نفسه، بدلًا من خط واحد، وفي حال لم يحقق الموظف "التارجت"، يخصم من مرتبه نحو النصف.
فإذا كان سعر الخط، على سبيل المثال، 140 جنيهًا، قد يُعرض عليه بسعر أعلى، مثل 480 أو 520 جنيهًا، ويحصل معه على خطين إضافيين باعتبارهما "هدية"، بينما يكون قد دفع ثمن الخطوط الثلاثة بالفعل ضمن السعر الإجمالي، وأضاف أن العميل في هذه الحالة يتسلم الخطوط الإضافية، لكنه قد لا يستخدمها ويتركها جانبًا، ثم ينسى لاحقًا أنها مسجلة باسمه.
ويتقاطع ذلك مع شهادة المصدر الثاني، الذي قال إن بعض العاملين في المبيعات كانوا يعتمدون على جهل العميل بتفاصيل عملية البيع، لإضافة خطوط بيانات أو خطوط بنظام الفاتورة إلى التعاقد، من دون أن يُدرك العميل بشكل واضح أنه حصل عليها أو وقع على عقودها، ويوضح ذلك المصدر الأول الذي قال إن العميل يتسلم الخطوط في مثل هذه الحالات، بل ويوقع على العقود الخاصة بها، لكن من دون أن يكون بالضرورة واعيًا بتفاصيل ما يوقع عليه.
وأضاف أن العقود تُراجع لاحقًا مقابل عدد الخطوط التي خرجت من عهدة الموظف، لذلك كان مطلوبًا وجود توقيع مقابل كل خط، مضيفًا أن العميل قد يجد أمامه أكثر من ورقة فيوقع عليها تباعًا من دون الانتباه إلى أنها تخص عدة خطوط.
ويُعزز المصدر الثاني هذا التفسير، الذي أشار إلى أن جزءًا من الخطوط التي يكتشفها المواطنون لاحقًا قد يكون في الأصل خطوط حصلوا عليها بالفعل قبل سنوات، سواء كانت خطوط بيانات أو خطوطًا مرتبطة بخدمات مثل الإنترنت الهوائي، ثم نسوا وجودها.
وتتفق مع ذلك، النائبة مها عبد الناصر وكيلة لجنة الاتصالات بمجلس النواب، مشيرة في اتصال هاتفي لـ"# متصدقش"، إلى أن أحد أسباب ظهور خطوط محمول مسجلة بأسماء مواطنين من دون علمهم، وجود خطوط قديمة حصل عليها أصحابها في السابق ونسوا أمرها، إلى جانب ممارسات غير قانونية محتملة من جانب بعض العاملين أو الوكلاء بهدف تحقيق مستهدفات المبيعات. وأضافت غير أن المسئولية لا ينبغي أن تقتصر على الموظفين فقط، لافتة إلى أن بعض الممارسات ارتبطت بضغوط تحقيق المستهدفات البيعية من شركات الاتصالات.
ويتفق المحامي والباحث القانوني بمركز مسار حسن الأزهري، مع النائبة مها عبد الناصر، في حديثه لـ"# متصدقش"، لكنه يرى أن الأزمة تتجاوز ضغوط تحقيق "التارجت" داخل الفروع، ويرى أن هذه الحالات تفتح احتمال وصول بيانات أصحابها إلى أطراف أخرى، سواء في صورة الاسم والرقم القومي أو صور ضوئية لبطاقات الرقم القومي، ثم استخدامها لاحقًا في معاملات لم يجرها أصحاب البيانات بأنفسهم، وقال إن البيانات الشخصية قد تصل إلى السوق من جهات متعددة تجمعها خلال معاملات مختلفة ثم يعاد تداولها بصورة غير قانونية.
طمأنة "القومي لتنظيم الاتصالات" بشأن المسئولية القانونية لا تكفي
قال الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في بيانه الذي أصدره يوم السبت 8 أغسطس الحالي، إن "مجرد تسجيل خط هاتف محمول باسم شخص لا يرتب بذاته مسئوليته عن الأفعال التي تتم باستخدامه، متى ثبت أن الخط لا يخصه أو لم يكن في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية". وأضاف الجهاز في هذا السياق، أن المسئولية القانونية شخصية، ولا تُنسب الأفعال إلى غير مرتكبها، وأن تحديد المسئولية يجرى في ضوء الوقائع والأدلة وما تسفر عنه التحقيقات.
إلا أن نطاق المسئولية القانونية، أثار خلافًا بين قانونين، ففي حين اتفقت النائبة مها عبد الناصر مع بيان "الجهاز" وفرقت بين الملكية والحيازة، رأى المحامي بالنقض والدستورية العليا عمرو عبد السلام، أن المشكلة تبدأ عمليًا من لحظة ظهور الخط مسجلًا باسم صاحبه.
وقال عبد السلام في اتصال هاتفي لـ"#متصدقش"، إن تقارير شركات المحمول قد تقود إلى اتهام الشخص المسجل باسمه الخط، بينما يُصبح عليه لاحقًا إثبات أنه لم يكن المستخدم الفعلي، وهو أمر بالغ الصعوبة، بحسب قوله. ويتفق معه المحامي والباحث القانوني بمركز مسار حسن الأزهري، ويرى أن التفرقة بين الملكية والحيازة صحيحة، لكنها لا تزيل الخطر على مالك الخط، إذ أن جهات التحقيق تنطلق من قاعدة كون الشخص مالكًا للخط ومسجلًا باسمه، ثم يصبح إثبات عدم حيازته، معتمدًا على أدلة فنية مثل النطاق الجغرافي لاستخدام الشريحة أو الجهاز الذي كانت تعمل عليه، وهي إجراءات معقدة، قد لا تتوافر في كل قضية، ويصبح من الصعب إثبات الشخص المتهم عدم حيازته للخط.
ويرى المحامي بالنقض عمرو عبد السلام، أن مسألة عدم حيازة المتهم للخط، تبقى سلطة تقديرية للقاضي. فإذا اقتنع القاضي أن الخط مسجل باسم المتهم، فسيكون كذلك، وهو نفس ما أشار إليه الأزهري في حديثه لـ"#متصدقش"، موضحًا أن القاضي الجنائي يتمتع بحرية تكوين عقيدته، وقد يطمئن إلى دليل الملكية ما لم تُقدم أدلة فنية تنفي الحيازة، مثل تقرير خبير أو بيانات استخدام الشريحة.